ساهمت الشبكات الفكرية على مر العصور في تشكيل التيارات والمدارس الفلسفية في مختلف الحضارات (Others)
تابعنا

بطبيعة الحال فإن هذا الاستنتاج ليس تجريداً فلسفيّاً وإنما جزءٌ من سوسيولوجيا الثقافة، إذ إن توسُّعَ الشبكة (الأشخاص المنخرطون والمتمحورون) في المسألة أو القضية أو المنهج أو المذهب، يسهم في وضع المبادئ المعرفية الحاكمة للنظريات القادمة والسابقة على حد سواء، وبالتالي فإن الشبكات الفكرية تعمل على دمج منهجية العلوم التجريبية والإسهامات الأدبية وحتى الأفكار الجانبية لتشكّل منها نظريات عامة تخضع لقواعد فكرية مختلفة بين مدرسة وأخرى.

هذا التسلسل هو التفاعل المنطقي لمجتمع الأفكار مع الواقع، وهو ما حدث في الحضارة الصينية واليونانية والهندية القديمة، وما حدث أيضاً في التاريخ الإسلامي وعصر التنوير الغربي، وهذا يؤكد لنا أن الشبكات الفكرية تُشكِّل بالضرورة قوة دافعة للمجتمعات نحو التجديد، إلى جوانب عوامل أخرى كالنهضة الاقتصادية وحركات الإصلاح الديني، فالنهضة الاقتصادية والثورة الأوروبية أسهمت بشكل كبير في دعم علماء الرياضيات في القارة العجوز، والذين كانوا، بدورهم، قريبين من العروش الحاكمة من جهة ومن الفلاسفة والمفكرين الصاعدين في تلك الفترة من جهة أخرى.

وإذا أردنا إجالة النظر في حضور الشبكات الاجتماعية والفكرية في التاريخ الإسلامي فإن كتباً ودراسات موسعة بأكملها لن تسعفنا في رصد وتحليل هذه الشبكات برمتها، إلا أن ما يمكن تقديمه في هذا المقال الإشارة لشيء من هذه الشبكات.

المعتزلة.. شبكات صاعدة في أوساطٍ مضطربة

يعود الاضطراب التاريخي المرافق لظهور أفكار مدرسة المعتزلة إلى العهد الأموي، إذ ظهر جهم بن صفوان وغيلان الدمشقي وغيرهما من مبكري التنظير العقلي، وبالرغم من النهاية المأساوية لكلٍّ منهما نتيجة لضغوط ثقافية ومآرب سياسية من السلطة إلا أن نشوء هذه المدرسة لم يقتصر على هاتيْن الخصلتين فحسب، وإنما كانت متركزة بشكل أساسي على الشبكة الواسعة من العلماء الذين تلاقحت أفكارهم لتخرج في شكل نَسَق فكري اعتزالي يتفق في مبادئ معينة، وتختلف تفاصيل مدارسه في مبادئ وأفكار أخرى.

يعود الفضل في تأسيس الشبكة الاعتزالية إلى واصل بن عطاء، إذ كان من تلاميذ الحسن البصري، وقريباً من محمد بن عليّ بن أبي طالب المعروف بابن الحنفيّة وكان صديقه وشريكه في تأسيس المذهب عمرو بن عبيد من أشد الناس قرباً إليه، فقد تزوّج واصلٌ أخته، وكانا يترددان إلى حلقات المناظرات مع مختلف الملل كالمجوس والنصرانية والثنويّة، وكانت له علاقة بأبي جعفر المنصور الخليفة العبّاسي، ما سهّل حضوره في بلاط الحكم وجعل له شهرةً في الآفاق جعلت الناس تطلب الحضور إليه، حتى إن الخليفة العباسي نفسه مدحه بالقول: "كلكم يمشي رويداً، وكلكم يطلب صيداً، غير عمرو بن عبيد"، ولم ترتكز شبكة واصل على عمرو، وإنما أرسل تلاميذ تأثروا بأفكاره إلى بلاد خراسان واليمن وبغداد ودمشق والكوفة وأراضي أرمينية المفتوحة، وهكذا انتشرت هذه الطبقة لتنتج عنها طبقات أخرى في مختلف البلاد، وتفاعلت مع الخلافة العباسية والمحيط الفكري لها قرباً وبعداً إلى جانب استمرار نضج المذهب واكتماله على يد القاضي الشهير عبد الجبار الهمذاني إلى حينِ تغلُّب تيارات أخرى على الساحة العامة مما أزاح المعتزلة من طريقهم.

الغزالي والرازي.. بين الطلب والتأثير

ويمكن التمثيل كذلك بالإمام أبي حامد الغزالي، فإنه لم يصل إلى تولّي المدرسة النظامية في طوس وبغداد إلا بعد لقائه بشبكات واسعة من العلماء الذين نقل عنهم أفكارهم وجعلها ضمن عصارته التأليفية والفكرية، كالإمام أحمد بن محمد الراذكاني الذي يعد أحد أبرز وأول من أخذ عنه الفقه الشافعي وإمام الحرمين الجويني الذي كان سبباً في تقريبه من الوزير الشهير نظام الملك، وأبي علي الفارمذي أحد أبرز تلامذة الصوفي الشهير أبي القاسم القشيري.

وقد كان كذلك للغزالي أثر كبير في تلامذته الذين نقلوا أفكاره إلى مناطق متعددة من العالم الإسلامي ولعل أشهرهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن تومرت الملقب بالمهدي صاحب دعوة سلطان المسلمين عبد المؤمن بن علي ملك المغرب، إذ أقام يتفقه ويتعلم الكلام على يديه مدة طويلة، ومثل هذا يقال عن الإمام الرازي الذي استفاد من قربه من والده الملقّب بخطيب الري، فتعرف على الجو الفكري المتموّج في بلاد خراسان وأسهم فيه نقداً وتقويماً، فتكونت من خلاله طبقة كبيرة من التلاميذ الذين ما زالت آثارهم في الفكر الإسلامي قوية إلى اليوم مثل تلميذه قطب الدين المصري والمفضل بن عمر بن المفضل الأبهري اللذيْن كان لهما الأثر الكبير في نقل المنطق السينوي من خلال الإمام الرازي إلى العالم الإسلامي.

من شبكات الفلسفة المعاصرة

لم يكن الفيلسوف الشهير ديكارت محاطاً بالكثير من الدوائر الشعرية أو الفكرية البراقة، إلا أن شهرته وتأثيره في محيطه يعود إلى دعم جماعات واسعة له، فقد كان ديكارت الوجه المناقض للفيلسوف روجر بيكون الذي اشتُهِر عنه ميوله الإلحادية ومحاربته لتعاليم الطائفة الكاثوليكية، وهنا يتضح السبب الذي جعل القساوسة الكاثوليكيين المقربين من البلاط بدعم ديكارت، كما أن ديكارت نفسه كان ذكيّاً فقد كان قريباً من عائلات الأمراء كأسرة ميرسين التي رعت طباعة ونشر كتبه إلى جانب كتب علماء آخرين قريبين من أفكاره.

ولو أننا وقفنا عند الفلسفة المثالية الألمانية فسنرى أنها لم تكن وليدة شخص واحد بل كان بكل تفاصيلها نتيجة لتفاعلات واسعة من الدعم وانزياحه، وتطور العلاقات وتغيّرها.

ومن المعلوم أن الفلسفة الألمانية المثالية تأسست كفكرة مجردة مع انتشار كتاب كانط الشهير نقد العقل المحض عام 1781 إلا أنها لم تبلغ عام 1820 إلا وكانت شهرتها تملأ الآفاق، ويعود الأمر إلى وجود حوامل سياسيّة وماليّة لأفكار الفلسفة المثالية التي لم تكن نتاج مفكّر وحده.

نشأ كانط في جو من المنافسة الفكرية وانتشار واسعٍ لتعلّم الفلسفة مما أسهم بحلول 1760 بظهور شبكة برلين الفلسفية التي يديرها مفكرون ومجموعة من الكتاب والناشرين خارج نطاق أكاديميات العلوم التقليدية.

كانت علاقة كانط المتينة بتلميذيه هيردر وهامان المتميزيْن في علوم اللغة والرياضيات سبباً في إيصال كانط إلى الأديب الألماني غوتة، وكان اجتماع نظريات هيردر وهامان ودعم غوتة سبباً في انتشار الحركة الفلسفية المثالية التي سيصبح كانط رمزاً فكريّاً لها لمدة من الزمن، قبل أن يعود هو وينقلب على كثير من أفكارها في سنِّه المتأخرة.

ما يهمنا هنا أن هذه الشبكة استندت على كون غوتة مركزاً للعلاقات المؤثرة وقدرته على تكوين رأس مال ثقافي من أشعاره وكتاباته ومسرحياته، وقد اندمج غوتة في هذا السياق مع السلطة السياسية التي فتحت له الباب أمام إيصال الطبقة الناشئة من المفكرين إلى مستوى الشهرة التي يطمحون إليها في سبيل إقصاء ومواجهة المدارس الفلسفية الإنجليزية والفرنسية، إلى درجة أنها دعمت تحويل جامعة فايمار إلى منبر خاص لنشر أفكار كانط، وهي الجامعة التي أنتجت كلّاً من فيشته وشيلينغ لاحقاً.

تبدأ الحضارة والأعمال العظيمة بفكرة، إلا أن هذه الأفكار قد لا تجد الطريق للظهور إن لم تُدعَم بطريقة ما، كما أن الفكرة ذاتها قد لا تتهيّأ للعقل ما لم تكن في سياق يسمح لها بالظهورِ داخله، وهذا جانب ينبغي الالتفات إليه في حال التأسيس لمنهج جديد أو تفكيك مدرسة ما.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي