أحد مراكز احتجاز اللاجئين في أوروبا (Jens Schlueter/AFP)

لا تظهر أوروبا في المشهد عندما يسقط طالبو هجرة ولجوء ضحايا أحداث دامية في ليبيا، كما جرى يوم السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2021 مثلاً، أو عندما تُنتشل جثث غرقى منسيِّين كل أسبوع، أو تتفاقم الانتهاكات وممارسات الاستغلال بحقّ هؤلاء البؤساء في بلدان جنوب المتوسط. فهذه التطوّرات هي تحديداً ما ينبغي توقُّعه مع إصرار أوروبا على منع وصول بؤساء الأرض إليها وإبرامها اتفاقات وتفاهمات خارجية تقضي بتكديسهم في بلدان غير أوروبية.

في خلفية الموقف أنّ الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عجزت على مدار سنوات عن التوصُّل إلى اتفاق على كيفية توزيع طالبي اللجوء الذين وصلوا إلى البرّ الأوروبي، وقد أظهر ملفّ اللاجئين جانباً من الضعف البنيوي في مشروع الوحدة عندما نشأت استقطابات حادة بين دولها وتعثّر عدد من اجتماعات القمّة في إحراز أي تفاهم.

ما اتّفقت عليه أوروبا الموحدة عملياً هو تحصين حدودها الخارجية لمنع وصول طالبي المأوى والحماية إليها، فعزّزت قوات خفر الحدود والسواحل الأوروبية "فرونتكس" بصفة غير مسبوقة، ودعمت خفر السواحل لدول جنوب المتوسط مثل ليبيا لصدّ البشر عن الإبحار باسم "إنقاذهم".

لكنّ الانتشار المكثّف للزوارق والطائرات المروحية والطائرات المسيّرة الأوروبية في البحر المتوسط لمنع وصول طالبي الهجرة واللجوء يتحاشى المرور في الجزء الأوسط من البحر كي لا تُضطرّ هذه القوات إلى إنقاذ زوارق البؤساء التي تُرسِل نداءات استغاثة، حسبما رصدت منظمة العفو الدولية في تقرير أصدرته في يوليو/تموز 2021.

كان واضحاً أنّ أوروبا اختارت تصدير أزمتها مع طالبي الهجرة واللجوء إلى ما تسمِّيه "الجوار الأوروبي"، أي بلدان المتوسط غير الأوروبية الموعودة بالحصول على مساعدات مقابل القيام بدور حارس البوابة الكريه.

اعتاد القادة الأوروبيون انتقاء تعبيراتهم بشكل ملطّف لتغليف الإملاءات "المقترحة" على "الشركاء" في جنوب المتوسط في هذا الشأن، وقد وجد بعض السلطات في هذا الملف فرصة للقيام بدور وظيفي يُضاف إلى التباهي بـ"مكافحة الإرهاب"، مقابل أثمان سياسية واقتصادية.

لكنّ محاولات التلطيف الأوروبية على مستوى الخطاب ليس بوسعها كنس ممارسات جسيمة تقع تحت بساط التجاهل.

فحقيقة ما تطلبه أوروبا من "شركائها" تقضي بتشديد القبضة الأمنية بلا هوادة لمنع عبور البشر نحوها، وهذا يتطلّب بطبيعة الحال إنشاء مراكز اعتقال لتجميع طالبي اللجوء فيها تمهيداً لإعادتهم إلى أوطانهم الأصلية التي تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية ومن أوضاع مُزرية، أو أن يبقوا بلا حقوق أو كرامة في دول العبور ضمن ظروف غير آمنة ومواصفات تشغيل تبلغ حدّ الاستعباد.

تبقى النتيجة الحتمية لتكريس هذا التوجّه الأوروبي المُعلَن مزيداً من المخاطرة بأرواح بؤساء الأرض ورفع أثمان محاولات العبور إلى البرّ الأوروبي من أموالهم وكرامتهم وحتى أرواحهم، وأن تتفاقم انتهاكات جسيمة وممارسات استغلال واتجار بالبشر في بلدان لا تتوفّر فيها مقومات أساسية لحمايتهم أو رعايتهم أو ضمان الكرامة الإنسانية.

تتعاظم بمفعول هذه التواطؤات مأساة صامتة لا مصلحة لدول شمال المتوسط أو حتى جنوبه بتسليط الأضواء عليها. أمّا عندما تتلاحق وقائع صادمة عن انتشال مزيد من الغرقى أو احتراق مخيّمات أو سقوط قتلى أو اندلاع اضطرابات في مراكز الاعتقال أو الشوارع، فلا يتردّد المسؤولون في البلدان المعنية بإطلاق وعود متكررة بالتحقيق في ما جرى أو تحسين الأوضاع، ولا تبخل الدبلوماسية الأوروبية بالدعوة إلى ضمان سلامة طالبي الهجرة واللجوء، رغم أنّ هذه الفظائع مجرّد نتائج متوقَّعة لسياسات تتمسّك بها أوروبا.

وإذ تقضي السياسات المعتمدة بكبح وصول المهاجرين واللاجئين إلى البرّ الأوروبي مهما بلغ الأمر، فستظهر، لا محالة، بؤر مكتظَّة بالبؤساء في أطراف محسوبة على القارة الموحّدة ذاتها، كما يتجلّى للعيان في جزر يونانية وإيطالية وإسبانية، أو على الحدود بين روسيا البيضاء ولتوانيا، أو في غابات بلقانية معزولة.

يجسِّد مخيَّم موريا الواقع في جزيرة لسبوس اليونانية نموذج الأطراف الأوروبية المخصصة لمنبوذي الأرض، ولم يشفع الحريق الهائل الذي دمّر المخيم عن آخره في سبتمبر/أيلول 2020 بمعالجة هذه الأزمة الإنسانية المتفاقمة على أراضي الاتحاد الأوروبي.

أحرج الحدث الصادم يومها عواصم أوروبية فتنافست في إظهار "استجابات إنسانية" مصوّرة لقاطني المخيم البؤساء تشمل شحن مواد إغاثية أو خططاً لإقامة دورات مياه في المخيم أو وعوداً لفظية باستقبال أطفال ونساء منهم.

لم تتعدّ هذه الاستجابات الشكلية تحسين شروط القهر والاكتظاظ في تجمّعات تكديس البشر الذين عليهم أن يبقوا على تخوم أوروبا حيث هم، وقد يُؤمَل من مشاهد البؤس هذه أن تبدِّد صورة الفردوس الأوروبي الموهوم في أذهان الحالمين من بعدهم بخوض تجربة اللجوء إلى الشمال.

ليست مأساة مخيم موريا سوى صورة مُحسَّنة قياساً بما يجري في بعض بلدان عبور اللاجئين والمهاجرين الواقعة جنوب المتوسط، التي "تقوم بواجبها" المتفق عليه مع أوروبا في الإمساك بهم ومنعهم من الإبحار شمالاً.

تنزلق ليبيا بصفة متزايدة في هذا المأزق، فالبلد العالق في أزماته السياسية والأمنية ظلّ بساحله الممتدّ على قرابة ألف وثمانمئة كيلومتر بوابة إفريقيا الأعرض نحو المتوسط، حيث الطريق إلى "الحلم الأوروبي" الذي يداعب أذهان بؤساء الأرض. لا عجب إذاً أن يتصدّر ملف الهجرة واللجوء اهتمامات أوروبا بالرقعة الليبية، إلى جانب تنافُس عواصم أوروبية على مصادر الطاقة المُكتنزة فيها. تقضي التزامات ليبية نحو أوروبا، بصفة ضمنية، بإقامة مراكز اعتقال لطالبي الهجرة واللجوء الأفارقة والعرب الذين تُمسِك بهم السلطات، حيث يقبعون في ظروف مزرية للغاية قد تنتهي ببعضهم إلى الموت، كما كان متوقعاً بطبيعة الحال. لا ينقض هذا الالتزام تصريحات أطلقها مسؤولون ليبيون أوْحَت بالممانعة في القيام بالدور الكريه نيابة عن أوروبا، فواقع الحال أنّ خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي اعترض سبيل قرابة 15 ألف شخص في عرض البحر خلال النصف الأول من سنة 2021، باسم مهامّ "إنقاذ"، وهو عدد يفوق حصيلة سنة 2020 كاملة، طبقاً لمنظمة العفو الدولية.

من نتيجة هذا الانزلاق أن تكتسب مراكز اعتقال طالبي الهجرة واللجوء في طرابلس، مثل مركز غريان أو مركز المباني أو مركز شارع الزاوية، سمعة سيئة حول العالم بعد أحداث مأساوية شهدتها، حتى إنّ المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ندّدت بها في أكتوبر/تشرين الأول 2021 متحدِّثة عن "سلسلة من الأحداث المروِّعة" واقتراف "فظائع" ضد هؤلاء البشر.

لا نقاش مسموعاً في أوروبا عن الثمن الإنساني الفادح لسياسة تصدير الأزمة إلى "الجوار الأوروبي"، حتى عندما انهمرت قذائف على مركز اعتقال قرب طرابلس في صيف 2019 مثلاً. كانت العاصمة الليبية تضمّ وحدها قرابة 110 آلاف من طالبي الهجرة واللجوء عندما نشبت المعارك فيها آنذاك، طبقاً لمنظمة الهجرة الدولية، وكان بضعة آلاف من هؤلاء قابعين في مراكز الاعتقال وسقط منهم ضحايا.

فتحت الصراعات المسلّحة وانهيار الأمن في ليبيا خلال العشرية الماضية الباب على مصراعيه لأبشع صور الاستغلال بحق طالبي الهجرة واللجوء. تمنح تقارير دولية انطباعات متضافرة سنة بعد سنة عن تفاقم الاتجار بهؤلاء البشر إلى حدّ بيعهم كالعبيد أو استغلالهم للعمل بالسخرة مع وفرة الانتهاكات البدنية والجنسية بحقهم، حسب ما كشفت عنه منظمة الهجرة الدولية سنة 2017 مثلاً، التي رصدت أيضاً سقوط قتلى بالعشرات منهم خلال معارك بين عصابات مسلّحة تتنافس على تهريبهم.

من القسط الإقرار بأنّ سياسات أوروبا صنعت هذه المآسي أو فاقمتها، دون أن يُعفي هذا السلطات المحلية في دول جنوب المتوسط من مسؤولياتها. يسلِّط تقرير أصدرته العفو الدولية في يوليو/ تموز 2021 الضوء على "التواطؤ المستمر للدول الأوروبية التي ما زالت تُواصِل على نحو مشين تمكين حرس السواحل الليبي ومساعدته على أسر الأشخاص في عرض البحر وإعادتهم قسراً إلى جحيم الاحتجاز في ليبيا، برغم معرفتها التامة بالأهوال التي سيتعرّضون لها".

تبدو الوقائع التي تتناقلها التقارير الإخبارية كل يوم مجرد تفاصيل صغيرة مبعثرة ضمن مأساة هائلة محجوبة في كثير من مشاهدها عن الوعي العالمي. فواقع الحال أنّ أوروبا صدّرت مهامّ كريهة للغاية إلى سلطات غير مؤهّلة أو إلى مليشيات مسلّحة في الجوار الجنوبي، حيث يتفاقم تكديس البشر الذين يُمنعون من الإبحار شمالاً أو يُعادون قسراً بعد إبحارهم فتختفي آثار بعضهم أو يواجهون مخاطر الموت والاستغلال والاغتصاب والانتحار، دون أن يسمع صيحاتهم أحد.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً