أفضت حرب اليمن إلى تفكك الدولة وصعود المليشيات التي باشرت السعودية والإمارات دعم بعضها وتغذيته وإنشاء المزيد منها على أسس دينية وقبلية وجهوية متباينة وغير متجانسة وتتوافر على أهداف سياسية متناقضة.

اندلعت حرب اليمن تحت ذريعة حرب على "الإرهاب" واستعادة "الشرعية"، بعد أن تمكنت جماعة أنصار الله "الحوثية" بالتحالف مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح من السيطرة على معظم المناطق الحضرية في اليمن، والذي تزامن مع توسع نفوذ أنصار الشريعة "القاعدية" في سائر المناطق الجنوبية، حيث تشكل التحالف العربي بقيادة السعودية وحليفتها الرئيسية الإمارات وبدأ عملياته العسكرية في مارس/آذار 2015.

لكن العملية العسكرية التي كان من المفترض أن تكون خاطفة وسريعة لاستعادة شرعية الدولة والقضاء على الإرهاب، تكشفت عقب قرابة خمس سنوات من الحرب عن فشل ذريع بتحول اليمن من دولة فاشلة إلى مليشيات تعمل في فضاء اللا دولة، وتلاشت المسافات الفاصلة بين الإرهاب والعنف والشرعية، إذ تتقاذف كل أطراف الصراع الاتهامات بتقويض الشرعية، ودعم مليشيات توصف بكونها إرهابية، بحيث أضحت مصطلحات "الشرعية" و"الإرهاب" في اليمن ذاتية وغير موضوعية، ومفروضة وليست مفترضة.

أفضت حرب اليمن إلى تفكك الدولة وصعود المليشيات التي باشرت السعودية والإمارات دعم بعضها وتغذيته وإنشاء المزيد منها على أسس دينية وقبلية وجهوية متباينة وغير متجانسة، وتتوافر على أهداف سياسية متناقضة، وقد أدت الحرب المليشياوية إلى وقوع أسوأ أزمة إنسانية في عصرنا حسب الأمم المتحدة.

كشفت مواجهات عدن العسكرية التي نشبت في أغسطس/آب الماضي بين المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً والحكومة الشرعية المدعومة سعودياً، عن هشاشة مصطلحات "الشرعية" و"الإرهاب"، وجبروت مليشيات اللا دولة المحلية المسندة خارجياً وأجندتها المتناقضة، وأبرزت المواجهات جملة من التباينات في سياسات الإمارات والسعودية حول القضية الجنوبية، التي تجسدت عبر الصراع المسلح بين الفرقاء المحليين المدعومين من الدولتين، دون أن تفضي هذه التباينات إلى فض التحالف السعودي الإماراتي، بل إلى إعادة بناء التحالف على أسس جديدة يعاد من خلالها النظر في موضوعات الشرعية والإرهاب، لكنها تؤسس لانقسام اليمن وتعزز الانفصال بين الشمال والجنوب.

في البلد الأفقر في العالم العربي، بات اليمن عقب التدخل السعودي الإماراتي ساحة لمليشيات بلا دولة، وأصبح المشهد مفككاً ومنفتحاً على صراعات داخلية سياسية وهوياتية وأزمات اقتصادية وانحيازات قبائلية ومناطقية واستقطابات جهوية وإيديولوجية، ولم تعد "الشرعية" مفردة دالة، ومصطلح "الإرهاب" غدا فوضوياً بلا دلالة، فتوصف به كل أطراف الصراع، فالتحالف السعودي الإماراتي ينعت الحوثيون وجماعة أنصار الله بالإرهاب باعتبارهم مجرد أذرع ومليشيات تتبع إيران، وتصنف تنظيمات القاعدة وأنصار الشريعة والدولة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين وذراعهم السياسي حزب الإصلاح كمنظمات إرهابية أيضاً.

عقب قرابة خمس سنوات على معارك التحالف العربي ومليشياته ضد الحوثيين لم يتحقق أي تقدم في الأهداف المرسومة لا بإزاحة الحوثيين ولا بالقضاء على القاعدة.

حسن أبو هنية

عقب قرابة خمس سنوات على معارك التحالف العربي ومليشياته ضد الحوثيين، لم يتحقق أي تقدم في الأهداف المرسومة، لا بإزاحة الحوثيين ولا بالقضاء على القاعدة، وشهدت اليمن انهياراً كاملاً في قطاع الأمن وكارثة في بقية القطاعات، ودخلت في حلقة مفرغة من العنف، وبات إعادة بناء دول مركزية فعالة وهويات وطنية متماسكة يتطلب معجزة.

في سياق التحالف السعودي الإماراتي تقاسمت هاتان الدولتان حسب أحمد ناجي النفوذ في المناطق المحررة، إذ تمركزت الإمارات في مدن السواحل الجنوبية، ثم الغربية لاحقاً، بينما كثّفت السعودية تواجدها في المناطق الصحراوية، وتحديداً في محافظة مأرب والمناطق المتاخمة لشريطها الحدودي.

وفق استراتيجية التوزيع هذه، تولّت الإمارات تدريب وتمويل قوات عسكرية جنوبية، معظمها يطالب بالانفصال عن الشمال، فيما عمدت السعودية إلى العمل مع بعض الوحدات العسكرية في الجيش اليمني، التي حاربت الحوثيين ورفضت سيطرتهم قُبيل وبعد سقوط صنعاء. يُضاف إلى ذلك وجود مجموعات قبلية تنتمي إلى حزب الإصلاح، والبعض إلى حزب المؤتمر الشعبي العام من المعارضين للحوثيين.

عندما سيطرت المليشيات المدعومة إماراتياً على عدن، ادعت أن حكومة الرئيس هادي المدعومة سعودياً تسيطر عليها جماعات إرهابية كالإخوان المسلمين، وهو ما يبرز فوضوية وذاتية مفهوم الإرهاب، وأن العمليات في جنوب اليمن تهدف إلى إعادة التأكيد على أهداف التحالف السعودي الإماراتي الذي شن الحرب في اليمن على أساس ذريعة التصدي للمنظمات الإرهابية التي تتمثل بصورة أساسية بالمنظمات والمليشيات الشيعية (الحوثية) التي تتبع إيران، والجماعات السنية (حزب الإصلاح) التي تتبع الإخوان المسلمين، على الرغم من أن التحالف دخل مرحلياً في تحالف مع الإخوان، فضلاً عن القاعدة.

في هذا السياق اعتمدت الإمارات على مليشيات متنوعة سلفية مدخلية وجماعات انفصالية جنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تشكل في مايو/أيار 2017، وهو كيان يطالب باستقلال الجنوب، وتضم المعسكرات التابعة والموالية له قرابة 90 ألف جندي. وفي المقابل شجعت السعودية الرئيس هادي المتحدّر من محافظة أبين الجنوبية، على تأسيس كيان جنوبي موازٍ للمجلس الانتقالي في أبريل/نيسان 2018.

تعتمد الإمارات على مليشيات عديدة غير متجانسة سلفية وانفصالية وجهوية وقبلية من أبرزها ألوية العمالقة، وقد تشكلت خلال تقدمها على الساحل، وتتشكل من خمسة ألوية عسكرية، يقودها أبو زرعة عبد الرحمن صالح المحرمي اليافعي، وهو سلفي مدخلي تخرج في مركز دار الحديث، الذي أسسه الشيخ مقبل الوادعي، وقوات حراس الجمهورية (قوات المقاومة الوطنية)، وهي مستنسخة على نسق قوات الحرس الجمهوري ويقودها طارق محمد صالح، وقوات الحزام الأمني، وقوات النخبة وتضم النخبة الحضرمية والجزيرة والنخبة الشبوانية.

باتت المليشيات المختلفة قوة فوق الدولة، وهي تمارس نفوذها خارج أطر الدولة، وعلى نقيض المقاصد التي تشكل منها التحالف السعودي الإماراتي باستعادة الشرعية ودحر الإرهاب.

حسن أبو هنية

باتت المليشيات المختلفة قوة فوق الدولة، وهي تمارس نفوذها خارج أطر الدولة، وعلى نقيض المقاصد التي تشكل منها التحالف العربي (السعودي الإماراتي)، باستعادة الشرعية ودحر الإرهاب، فقد باتت الشرعية بعيدة المنال وتناثرت الدولة إلى فسيفساء، فبعد أن كانت إيران ترتبط مع الحوثيين بصلات ضعيفة أصبحت شريكاً، فقد استفادت إيران من الحرب في اليمن بترسيخ وجدودها عبر الحوثيين وذراعهم أنصار الله بأقل التكاليف واستنزفت خصومها، بينما تنظيم القاعدة وذراعه أنصار الشريعة فضلاً عن تنظيم الدولة الإسلامية يجذر من وجوده وفرصه المستقبلية.

خلاصة القول، إن ثمة قناعة باتت راسخة أن مسارات الحرب التي تخوضها السعودية والإمارات في اليمن تمضي إلى فشل محتوم. فانقسام اليمن وتفكك الدولة أصبح واقعاً عملياً. إذ أسفرت الحرب عن نقيض أهدافها ومقاصدها باستعادة الشرعية والقضاء على الإرهاب.

فإيران أصبحت أكثر تجذراً وأوسع نفوذاً، وهي تستنزف التحالف السعودي الإماراتي بأبخس التكاليف، وحلفاؤها جماعة أنصار الله الحوثية أضحوا أشد صلابة وأكثر نفوذاً، بينما القاعدة وتنظيم الدولة وجماعة أنصار الشريعة غدوا أوسع انتشاراً وأكثر قوة.

وما تشهده اليمن هو غياب دولة فعّالة، وحضور مليشيات مسلحة متنافسة ومتصارعة على النفوذ والسيطرة والمكاسب، وعقب نحو خمس سنوات من الحرب مزق الصراع النسيج الاجتماعي، وانهارت الثقة بأجهزة الدولة، وتنامى نفوذ جماعات مليشياوية ذات أيديولوجيات دينية مختلفة، ومجموعات جهوية وقبلية متعددة، وهو ما يجعل تحقيق الاستقرار في اليمن بالمدى المنظور حلماً بعيد المنال، وينذر بديمومة حرب مهلكة جديدة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي