ارتفعت وتيرة الهجمات السيبرانية مؤخرا على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية  (Reuters)
تابعنا

مع اشتداد حرب أوكرانيا في أبريل/نيسان، ضربت سلسلة من الهجمات الإلكترونية شركات طاقة الرياح الألمانية. عطّلت الهجمات أنظمة ما يقرب من 2000 من توربينات الرياح. وزُعم أن المجموعة التي تقف وراء الهجوم متحالفة مع روسيا. بالطبع، لم يكن الهجوم الإلكتروني على ألمانيا غير متوقع. بسبب حرب أوكرانيا، والفجوة المتزايدة بين روسيا والغرب، كان لا مفرّ من شنّ حملة إلكترونية طويلة الأمد بين الجانبين.

ولكنّ الهدف هو الذي كان غير متوقع، قطاع الطاقة النظيفة في ألمانيا. كانت علامة على أن حقبة جديدة من الحرب الإلكترونية بدأت تطفو على السطح. الآن، "الأهداف" التي كانت تحت الرادار (مثل سلسلة التوريد الخاصة بشركة Toyota)، أو الأهداف التي لم يتوقع أحد أن تُضرب بسبب طبيعتها غير المهددة (مثل البنية التحتية المستدامة في ألمانيا)، أصبحت فجأة في خضم اللعبة. يشير هذا إلى الوضع الراهن الجديد الناشئ في عالم الإنترنت.

إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية

عندما يتعلق الأمر بالهجمات الإلكترونية، تنزع القفازات (أي أنّ المتنافسين يتحولون من اللين إلى الشدة). ليس هناك ما يدل على مدى خطورة الهجمات الإلكترونية القادمة. هل ستُعطّل أنظمة الأسلحة النووية لدولة ما (كما أوضح تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأخير في التكنولوجيا الصينية بالقرب من القواعد العسكرية الأمريكية)؟ أو هل سيفقد مجتمع بأكمله، من سيارات الإسعاف إلى المؤسسات المالية، إمكانية الوصول إلى الاتصالات السلكية واللاسلكية (كما حدث في البرتغال)؟

هذه المخاوف هي السبب وراء الدعوات لتشكيل "تحالفات إلكترونية". ستكون هذه مجموعات جديدة تركز على معالجة التهديدات الإلكترونية التي تشكلها القوى العالمية المختلفة. ستكون هذه التحالفات حصرية، وتشارك فقط حفنة من الدول. من المرجح أن يؤدي مثل هذا النموذج إلى مزيد من الانقسام في العالم، بحيث يأخذ الجغرافيا السياسية في اتجاه جديد.

خذ المملكة المتحدة على سبيل المثال. بينما تنازع المرشحون السياسيون على زعامة الحزب المحافظ التالي ورئاسة الوزراء، ظهرت فكرة "تحالف دولي بين الدول"، على وجه التحديد لمواجهة التهديدات الإلكترونية الصينية. مع بداية حقبة جديدة من "العولمة الرأسية"، تتجه استراتيجية الحكومة البريطانية بشكل متزايد إلى "الانفصال" عن الصين.

وعند الانتقال إلى إستونيا، حيث دعا رئيسها السابق إلى "تحالف رقمي" لمواجهة التهديدات الإلكترونية في العالم. يجب أن يتكوّن التحالف من ديمقراطيات مرتبطة بالقيم وليس الجغرافيا فقط. يعتبر الاقتراح علامة على أن دول أوروبا الشرقية بدأت تفكر مرتين بشأن علاقتها مع الصين. وأول مكان يتخذونه في هذا المسار الجديد هو على الجبهة الإلكترونية.

سوف يدفع صعود التحالفات الإلكترونية والتهديدات الإلكترونية الناشئة التي تواجه العالم الحكومات إلى إعادة التفكير في سلوكها على الساحة العالمية.

على سبيل المثال، قد يقدّم الغرب درعاً للأمن السيبراني قائماً على الذكاء الاصطناعي. سيحمي هذا الدرع الدول الغربية من الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، أو تتدخل في الانتخابات، أو حتى "تعميق التزييف العميق في المجتمعات. سيكون هذا مشابهاً لـ"القبة الحديدية الرقمية" التي تبنيها إسرائيل. إلا أن القيام بذلك يعني أن الدول الغربية تبني "جدراناً إلكترونية" بينها وبين بقية العالم.

وهذا يعني أيضاً أن درع الأمن السيبراني للذكاء الاصطناعي قد يبدأ التأثير في، إن لم يكن تحديد، السياسة الخارجية للدول. في المستقبل، إذا شنّ درع الذكاء الاصطناعي هجوماً إلكترونياً ضد دولة أخرى، فسوف يُعيد تعريف السياسة الخارجية للدول داخل الدرع الإلكتروني. ستجد هذه الحكومات نفسها في وضع ردّ الفعل، وتكافح من أجل مواكبة القرارات التي يتخذها الذكاء الاصطناعي في عالم الإنترنت، والعواقب التي تلي ذلك.

في السياق نفسه، قد تقوم دول مثل الصين وروسيا "بتحديث تحالفها الإلكتروني الحالي، الذي شُكّل في عام 2015، ليشمل مجالات جديدة، مثل المجال التجاري". يمكن لهذه الحكومات أن تبدأ النظر إلى العديد من الشركات الأجنبية على أنها "تهديدات إلكترونية". هذا ليس بجديد. ولكن، حتى الآن، لمعالجة هذا الأمر، ركزت هذه الحكومات على التحكم في تصدير البيانات.

قد تذهب الحكومات إلى أبعد من ذلك. قد يُجبرون الشركات من مناطق جغرافية معينة على "تبنّي" أنظمة، مثل Kirin (نظام تشغيل صيني) أو Sailfish Mobile OS Rus (نظام تشغيل روسي للهاتف المحمول)، إذا كانوا يريدون الوصول إلى أسواق معينة والحصول على الدعم من الحكومة. بالطبع، لا يقتصر هذا النوع من الاستراتيجية على الصين أو روسيا فقط. في الهند، تدفع الحكومة لشركات التكنولوجيا الأجنبية، وخاصة صانعي الهواتف الذكية، لتبنّي نظام الملاحة الهندي المطوّر محلياً عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) الذي يُدعى BeiDou.

كل هذا يعني أن التحالفات السيبرانية والنواقل التكنولوجية الجديدة (مثل أنظمة الملاحة) ستمنح الحكومات مزيداً من التحكّم في الأعمال التجارية. بالطبع، لطالما كانت "اليد الخفية" للحكومات موجودة، كما هو الحال مع الغرب الذي يطلب الحصول على البيانات من شركات التكنولوجيا الكبرى. ولكن الآن، وفي ظلّ ما تفعله الصين وروسيا، يمكن أن يكون لهذه الحكومات "عيوناً وآذاناً" مباشرة في العمليات التجارية.

شكل التحالفات القادمة

عندما زارت بيلوسي تايوان مؤخراً، ضربت سلسلة من الهجمات الإلكترونية الجزيرة. لم يكن هذا شيئاً مستغرباً، حيث تتعرض تايوان لأكثر من 5 ملايين هجوم إلكتروني يومياً.

لكن هذه الهجمات الجديدة كانت مختلفة. لقد استهدفوا كل شيء من المتاجر إلى محطات القطار، وحوّلوها إلى "محطات بث" للصين. بدأت هذه الأماكن إظهار رسائل تنتقد بيلوسي.

مثل الهجوم في ألمانيا، كان علامة على أن وجه الهجمات الإلكترونية آخذ في التغيّر. من الضروري أن تتعامل الحكومات مع الواقع الجديد الذي يواجه اقتصاداتها ومجتمعاتها. بالطبع لن يكون هذا سهلاً لأسباب عديدة.

ادئ ذي بدء، قد تكون هناك العشرات من التحالفات الإلكترونية الموجودة، كل منها ينشأ من قوة مختلفة. سوف تتنافس هذه التحالفات على جلب الدول إلى معسكرها، واعتماد أطر الأمن السيبراني الخاصة بها. سيؤدي هذا إلى مزيد من الانقسام في العالم، حيث توجد قواعد ومعايير وبروتوكولات مختلفة للأمن السيبراني في مختلف مجالات التأثير.

في الوقت نفسه، بينما تُنشئ البلدان التحالفات السيبرانية الحالية، قد تبدأ الشركات الخاصة الأجيال التالية من التحالفات. بالفعل، تتمتع شركات التكنولوجيا بسلطة هائلة على الجغرافيا السياسية. لا يوجد ما يمنعها من تشكيل تحالفاتها الإلكترونية الخاصة التي تكمل أو تنافس أو تصطدم بما تفعله الحكومات.

ومع ذلك، وبخلاف كل هذا، فإن السؤال الأكبر الذي يواجه البلدان هو ما إذا كانت تُعيد التفكير في الأمن السيبراني في العصر الجديد للجغرافيا السياسية الذي بدأ. لأن كل ما تريد الحكومة فعله سوف ينقلب بسبب الحقائق الجيوسياسية الجديدة الناشئة في كل مكان. الأكثر إثارة للصدمة، في بعض الحالات، أنه في كثير من الحالات لن يكون هنا خيارات متعددة أو مساحات للمناورة.

مع صعود التحالفات الإلكترونية، وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، قد تُجبر خطوط الصدع الجديدة التي تتشكل البلدان منها على اتخاذ إجراءات لم تتخيلها قط، والتعامل مع العواقب التي لم تستعد لها أبداً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.



TRT عربي