أحد أفراد القوات الأمنية التونسية أمام بوابة البرلمان المغلق بأمر من الرئيس قيس سعيد (Ammar Awad/Reuters)

وتتصادم الأنظمة الثورية مع ثورة التطلعات الشعبية الجارفة، والتي يبتعد تحقيقها إلى حد كبير عن إطار المألوف الاقتصادي والذي يتطلب قدرات مالية، ضيعتها الأنظمة المستبدة بإسرافها وفسادها، وأخرى بشرية تعمدت هذه الأنظمة إهمال تنميتها وتطوير قدراتها الكامنة، بالإضافة إلى احتياجها إلى وقت كبير حتى يحدث استقرار ما بعد الثورات وكذلك حتى تؤتي بعض المشروعات الاقتصادية بشائر ثمراتها.

ولأن معظم من تسلم الحكم في أعقاب الثورات العربية لم يكن يمتلك خططاً اقتصادية جاهزة للتنفيذ، علاوة على الجهل بمقدرات الدولة المالية والاقتصادية في ظل أطر غياب الإفصاح والشفافية الذي تتبناه النظم الديكتاتورية بصورة دائمة تحت ذريعة الحفاظ على الأمن القومي من قوى الشر الذين هم في الغالب جماعات المعارضة المحلية، بالإضافة إلى تعويق مكونات الدولة العميقة الراسخة في البيروقراطية العتيقة في المصالح الحكومية والتي تكافح للاحتفاظ بمكتسباتها الموروثة ضد الحكومات الثورية والتي غالباً تفتقد الرؤية للوصول إلى تفاهمات مع هؤلاء البيروقراطيين.

ومن هنا تنفجر ثورة التطلعات الشعبية الناجمة عن ازاحة المستبدين في وجه الحكومات الثورية، ويكون هذا الانفجار أكثر دوياً عندما تفشل هذه الحكومات الجديدة في توفير الحدود الدنيا للاحتياجات الشعبية الرئيسية على غرار ما كان يوفره المستبد قبل الثورة، أو بفشلها في استرداد الأموال من الفاسدين، لا سيما أن مخازن الأموال في البنوك الأوروبية لن تعترف إلا بأحكام قضائية نهائية، تتطلب الكثير من الوقت، ومن الصدام مع الهيئات القضائية التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الدولة العميقة التي شكلها المستبد لخدمة أغراضه الخاصة وليس لخدمة مصالح الشعوب.

وغالباً لا تصبر الشعوب على تأخير أو تردي متطلباتها الحياتية الأساسية، وتسخر ممن فشل في استرداد الأموال من الفاسدين، ومن الطبيعي أن تجد الثورات المضادة في هذا الباب الاقتصادي المفتوح على مصراعيه منفذاً واسعاً للانقضاض على الأحلام الثورية النقية، عبر تحالفات مصالحية غير مكتوبة تتشكل من عسكريين وبيروقراط وجهات أمنية بل وبعض رجال الدين، يمتطون جميعهم وسائل الإعلام لتضخيم المشاكل وتزوير الحقائق تمهيداً لجيوش الانقلابيين التي غالباً لا تجد مقاومة تذكر عند معاودة انقضاضها على السلطة واستعادة تموضعها المفقود.

في الحالة التونسية لم يكن الأمر بعيداً عن هذا الباب الاقتصادي للتمهيد لقرارات الرئيس قيس سعيد، وللاسف اشتركت عناصر محسوبة على الثورة في تضخيم الأمور وإرسال رسائل للمواطن التونسي أن الدولة على وشك الإفلاس وأنه لا مفر من اللجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي حتى يمكن تغطية عجز الموازنة للعام الحالي والمقدر بحوالي 6 مليارات دولار، وهي الرسائل التي فهمها المواطن التونسي أن عليه أن يتقبل بشروط صندوق النقد والتي تحرمه من أي دعم حكومي مما يعقد الأزمة المعيشية الكبيرة التي يعيشها بالفعل.

ولغياب الرؤية والتخطيط وتغليب الاستسهال وإغلاق أبواب الحلول الأخرى، أقلعت حكومة المشيشي قبل إقالتها إلى صندوق النقد الذي تمنّع في إعطاء رد ولو دبلوماسي عليها، ورجعت ليس فقط بخيبة عدم الاتفاق مع الصندوق، ولكن الأهم هو خيبة أمل المواطن الذي تجرع وهم الفكاك من أزمته، والعجيب أن الحكومة ذاتها قلبت في دفاترها لتجد بعض مصادر التمويل الأخرى التي تسد مؤقتاً وجزئياً احتياجاتها.

ولكنه للأسف بعد أن فتحت الباب الاقتصادي الواسع للثورة المضادة ومناصريها من الدول الوظيفية في المنطقة، وكان من الطبيعي والمنطقي غياب أية ردة فعل للمواطن التونسي التائه بين تحطم تطلعاته وطموحاته الثورية، والمستقبل الذي رسمه بعد الثورة لنفسه ولأولاده ولوطنه، وبين الحصول على متطلباته واحتياجاته الأساسية.

لم يكن الشعب الليبي أسعد حالاً من جاره التونسي، فرغم سيطرة قوى الثورة على العاصمة، وتوقف القتال منذ فترة ليست بالقليلة، والمساندة الكبيرة من الدولة التركية، التي لم تتوانَ في مساعدة ومساندة الحكومة الشرعية بكل ما تملك من إمكانات مادية وعسكرية، إلا أن الملف الاقتصادي لا يزال يشكل ضاغطاً كبيراً على حكومة طرابلس، بخاصة في ظل المقارنة الدائمة والجائرة التي يتشدق بها أنصار الثورة المضادة مع الحال الاقتصادية للشعب قبل الثورة.

ورغم اقتراب عودة الإنتاج النفطي الليبي إلى مستواه المعهود، إلا أن تراكم المشكلات الاقتصادية خلال الفترة الماضية، بخاصة ما يتعلق بتأخر سداد أجور موظفي الدولة أو انقطاع الكهرباء، أو جودة المرافق العامة في العاصمة لا سيما المرافق الصحية في ظل تداعيات أزمة كورونا، وفشل الحكومة في الحصول على كميات مناسبة من جرعات اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، بالإضافة إلى الانقسامات المجتمعية الحادة والتي عملت دولة الاستبداد على تعميقها، في ظل قبلية متوغلة، والغياب التام للدولة المدنية المؤسسية، وقد عمل كل ما سبق على المزيد من التعقيد للأوضاع الاقتصادية والذي نسب تزييفاً وزوراً للقوى الثورية.

وبالطبع فتح تردي الأحوال الاقتصادية الباب مرة أخرى لعودة صوت الانقلابي حفتر والذي رجم مواطني شعبه بالصواريخ مراراً وتكراراً وأوقع من بينهم القتلى والجرحى، ليعاود مهاتراته من جديد، وربما يتطور الأمر لعودة القتال خلال الأيام المقبلة، استثماراً منه وممن خلفه لتلك الحالة الاقتصادية والتي يتوهمون إمكانية نفاذهم إلى الشعب الليبي من خلالها.

الدرس الاقتصادي هو العبرة الأكبر للثورات المترنحة، والباب الواسع الذي نجح الانقلابيون في العبور منه للتقويض المؤقت لبعض الثورات، ولذلك يجب على رجال الثورة الذين لا يزالوا في سدة الحكم، أو أولئك الذين يستعدون لموجة ثورية جديدة الاستعداد ببناء وتجهيز الخطط الاقتصادية، والبناء على الموارد الاقتصادية والبشرية المتاحة، والعمل السريع والدؤوب على سد الاحتياجات الأساسية للشعوب، والبعد عن السياسات الاقتصادية الرأسمالية النيوليبرالية التي لن تزيد المواطنين إلا فقراً وستساهم بانجذابهم إلى حبائل المستبدين.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي