الكونغرس (AP)

تتربع الولايات المتحدة على هرم الدول العظمى، وهي الدولة الوحيدة من بينها التي تتمتع بنظام ديمقراطي، ومع ذلك أظهرت واشنطن تقاعساً كبيراً في دعم الديمقراطية على المستوى العالمي ونشرها. وحتى في الأمثلة التي تدخلت بها الولايات المتحدة لدعم الديمقراطية فإن دوافعها لم تكن مثالية خالصة، بل كانت تشوبها إلى حد كبير شوائب المصالح القومية بمفهومها القومي.

على العكس، كان للدول الكبرى الأخرى منتهى الإرادة في قمع الحركات الديمقراطية. فالصين وضعت كامل ثقلها لوأد الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في هونغ كونغ، والتي خرجت بالأساس من أجل الحفاظ على المكتسبات الديمقراطية التي حازتها المقاطعة منذ أن كانت خاضعة للتاج البريطاني.

كما تدخلت روسيا بكامل ثقلها لوأد الثورة السورية بعدما كانت قاب قوسين أو أدنى من إسقاط النظام. لا يمكن لأحد أن يتنبأ، بطبيعة الحال، بشكل النظام في حال سقط النظام السوري هل سيكون ديمقراطياً أم لا؟ غير أن إسناد نظام دكتاتوري، أوغل في دماء شعبه، من شأنه أن يعني ضمنياً أن روسيا في الجانب الرافض تماماً لأي تحول ديمقراطي، خصوصاً في الدول التي تدور في فلكها.

لقد فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في التقاط اللحظة التاريخية في مثل هذه النماذج لتعزيز مصداقيتها كعرابة الديمقراطية في العالم. فشلها هذا لم يفسح للدول الدكتاتورية المجال لتعزيز مكتسباتها وحسب، بل أصاب الداعين إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان حول العالم بنوع الخيبة وفقدان الأمل.

الرئيس المنتخب محمد مرسي والذي انقلب عليه الجيش عام 2013.  (Reuters)

كان الامتعاض وفقدان الأمل باديين على جيل الربيع العربي الذي قاد ثورات ديمقراطية مزهوة بنموذج حضاري ضد دكتاتوريات وحشية. فقد شعر هذا الجيل أن الولايات المتحدة قد تخلت عنه عندما عجزت في بعض الحالات، وتواطأت في حالات أخرى على تجربته الديمقراطية الوليدة، الأمر الذي عزز من فرص الثورات المضادة للانقضاض عليها وتحويلها إلى شتاء قارس مليء بالحروب الأهلية والصراعات الدموية. لقد كان موقف الولايات المتحدة من الانقلاب العسكري على رئيس منتخب ديمقراطياً في مصر رسالة صادمة لكل دعاة الديمقراطية حول العالم.

خيبة الأمل هذه تواصلت من خلال الرد الباهت الذي أبدته الولايات المتحدة في تعاطيها مع الانقلاب العسكري في ميانمار. فإنقاذ التجربة الديمقراطية هناك، وعلى الرغم من كل مساوئها خصوصاً فيما يتعلق بالأقلية المسلمة التي تتعرض لإبادة ممنهجة، كان يحتاج إلى إجراءات صارمة بشكل أكبر تتجاوز مجرد الكليشيهات المتبعة غالباً، من قبيل فرض عقوبات اقتصادية على بعض الأفراد الضالعين بالانقلاب كوزير الدفاع مين أونغ هلينغ.

في السابق ادعت الولايات المتحدة أنها عازمة على نشر الديمقراطية في العالم. ربما كان من أبرز الأمثلة الحاضرة دوماً في الأذهان مشروعها لاحتلال العراق، وتخليصه من ديكتاتورية صدام، وإقامة نظام ديمقراطي يكون النموذج الذي سوف يعمَّم لاحقاً على كل الشرق الأوسط، وفق استراتيجية الشرق الأوسط الجديد التي تبناها المحافظون الجدد على إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

فشل المشروع الأمريكي في العراق فشلاً ذريعاً، ليس لأنديمقراطية الدبابةهي في الأساس ديمقراطية فاشلة حيث لا يمكن فرض مبادئ الديمقراطية من فوق، بل لأن الولايات المتحدة قد أهملت عن قصد أو عن غباء واحدة من أهم مبادئ الديمقراطية ألا وهي التعددية. بدلاً من ذلك فرضت ديمقراطية تقوم على المحاصصة والطائفية. هذا في حال أردنا أن نتجنب الخوض في الدوافع الأخرى كالنفط مثلاً. فمن بين كل الوزارات العراقية كانت وزارة النفط وحدها التي حظيت بحراسة مباشرة من الجيش الأمريكي، الأمر الذي حماها من التعرض للنهب والحرق، وهو المصير الذي واجهته باقي الوزارات في العراق. وهو مؤشر يدل على واحد من الأهداف الرئيسية لغزو العراق حينها.

لحظة إعلان الرئيس بوش انتهاء الحرب بعيد اسقاط نظام صدام حسين  (Others)

حتى تلك المحاولات التي اتخذتها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية لمد جذور الديمقراطية إلى دول شرق ووسط أوروبا بعيد انهيار الاتحاد الأوروبي لم تكن لغايات مثالية ومبدئية بحتة، بل لغايات أمنية صرفة. كانت الولايات المتحدة ومن خلفها الاتحاد الأوروبي تتخوف من أن تصبح هذه الدول مرتعاً للحروب الأهلية وللنزاعات الحدودية، الأمر الذي سوف يجعلها أرضاً خصبة للجريمة ولجماعات المافيا، ويبقيها ساحة رخوة للتدخلات الخارجية خصوصاً من قبل روسيا إذا ما استعادت عافيتها.

وبالفعل أثارت الديمقراطية المعزَّزة بنزعات أمنية حفيظة روسيا لاحقاً، وقد تسببت مساعي ضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي في استفزاز روسيا، الأمر الذي جعلها تتخذ إجراءات دراماتيكية تمثلت في ضم جزيرة القرم الأوكرانية إلى أراضيها، ودعم الجماعات الانفصالية في شرق البلاد ذات الغالبية الروسية.

وربما تكون القصة الصادمة أكثر من كل ما سبق ذكره هي دعم الولايات المتحدة لانقلابات عسكرية إبان الحرب الباردة ضد أنظمة منتخبة ديمقراطياً، وذلك تحت ذريعة محاربة الشيوعية، وأخرى لدواعٍ اقتصادية بحتة منها على سبيل المثال دعم الولايات المتحدة للانقلابات التي حدثت في كوبا عام 1909، وفي نيكاراغوا عام 1981، وفي غواتيمالا عام 1954، وربما كان المثال الأبرز في انقلاب تشيلي عام 1973، على الرغم من أن الرئيس الذي انقلب الجيش عليه حينها سلفادور أليندي كان اشتراكياً ولكنه مناهض للشيوعية السوفيتية.

الجيش في ميانمار يحذّر المتظاهرين ضد للانقلاب من مواجهة عقوبات بالسجن تصل إلى 20 عاماً إن "عرقلوا عمل القوات المسلحة" (AA)

إن اقتحام الكونغرس الأمريكي في ما بات يعرف بالأربعاء الأسود يناير/كانون الثاني 2021 من قبل أتباع الرئيس السابق دونالد ترمب من اليمين المتطرف، لا يعبر عن مأزق في السياسة الداخلية للولايات المتحدة بقدر تعبيره عن الأزمة البنيوية للديمقراطية الأمريكية. فعدم دعم الولايات المتحدة للديمقراطية خارجياً، بل تآمرها على بعض التجارب الديمقراطية الأخرى، يدل على أن الديمقراطية الأمريكية داخلياً تعاني من إشكاليات جوهرية كان صعود ترمب واحداً من تجلياتها.

إن عزوف الناس عن صناديق الاقتراع، وضعف الإيمان بالأحزاب التقليدية، والتوجه نحو تبني أيديولوجيات شعبوية، كلها أيضاً من تجليات هذه الإشكاليات الجوهرية، والتي سوف تجد طريقاً للانتعاش مع استمرار الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات الليبرالية في عجزها عن دعم وتعزيز المشاريع الديمقراطية في العالم. لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الولايات المتحدة كانت ناجحة في تصدير الكولا، وماكدونالدز، والجينز الأزرق، وأغاني الروك، أكثر من نجاحها في تصدير الديمقراطية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي