يتجه مسار الانتخابات نحو اليمين في حين تحافظ النخب على خطاب يتسمع باليسارية محاولاً استرداج الطبقات المهمشة لصالحها في صناديق الانتخابات

النتائج غير المتوقعة أو الغريبة التي أفرزها صندوق الاقتراع في تونس لا يمكن قراءتها بوسائل التحليل المعتادة في ديمقراطيات عريقة ولها مؤسسات سياسية وحزبية مُعمِّرة. لذلك وجب طرح أسئلة مختلفة لقراءة انتخابات مختلفة ربما تكون مثالا لتجارب لاحقة في بلدان مشابهة (أفكر في البلدان العربية).

ونرى أن استنتاجات نهائية حول هذه النتائج لا تزال سابقة لأوانها. ولكن نعتقد أن قراءة اتجاهات التصويت التونسي في حاجة إلى التفكر كيف انتخب المواطن التونسي أو ما الذي دفعه إلى اختيارات دون أخرى حتى أعطى الصندوق هذه النتائج. نحاول المقاربة.

الناخب التونسي لم يجدا يسارا فصوت يمينا

لمع اليسار بالغياب في تونس فكان التصويت يميناً. لم يعد في تونس يسار أو لم يكن فيها يسار أصلا. حقيقة ذكرنا بها الصندوق فقضى على وهم قديم. سيكون كل البرلمان يمينا ويمين اليمين. نقول الآن لو كان هناك يسار اجتماعي لما وجد حزب قلب تونس منطقة الفقراء والمهمشين فارغة ليصطاد فيها صيده الوفير.

قضايا من يزعم اليسارية في تونس ليست قضايا الفقراء والباقين خارج منوال التنمية الليبرالي الهجين الذي ترسخ في تونس على حساب مناطق ومدن وأرياف كثيرة. وليس اليساريون المزيفون هم الملومين بل كل الطيف السياسي الذي تقوده نخبة حضرية مدربة على صرف الناس عن قضاياهم الحقيقية.

وقد تورط التيار الإسلامي المكون أساساً من هؤلاء المفقرين في التخلي عن الهامش وانخرط مضطرا أو راغبا، وهو الأغلب، في نفس الصراعات النخبوية لذلك تحول إلى يمين ليبرالي أو انكشفت يمينيته الكامنة؛ وهو الأقرب إلى الصواب.

أمامنا برلمان على اليمين من كل شيء ونتف الخطاب الاجتماعي لن تذهب بعيدا في اجتماعيتها. هل كان الناخب مختارا ؟ أرى أنه كان مضطراً لاختيار ضيق، فلم يختر بشكل مريح وعبر خيارات متعددة. وربما يفسر هذا نسبة المشاركة الضعيفة في التصويت مقارنة بعدد المؤهلين للتصويت. 

المكرونة لتهميش الهامش

المنطقة الفارغة أو منطقة الخسارات الدائمة صوتت بمقابل زهيد. قدم لها يمين اليمين ممثلا في حزب قلب (القروي) وجبة سهلة فانصاعت له (وهو نفس ما فعله بها حزب النداء (الباجي) سنة 2014. 

لم تقدم لها بقية الأحزاب حلولا جذرية فلم تر إلا المكرونة. فأبدت هامشيتها مضطرة أو راغبة أو لا مبالية؛ وهو الأصح. يفسر البعض سلوكها الانتخابي تفسيرا نفسيا (فهي منطقة ذل وخنوع غريزي) بينما يظهر البعض شفقة دون تفسير. لكن الدولة التي صنعت الهامش تعمدته كخزان ليد عاملة رخيصة (من عمال بناء وخادمات) فظل يصوت من موقعه الهامشي كردة فعل على خطاب مفارق لا يخرجه من الهامش الأبدي.

الحكومة اليمينية القادمة ليس لديها في المنظور برنامج لإنهاء وضع الهامشية الجغرافية والنفسية التي يمكن شراؤها بالمكرونة. لقد اتفق الجميع أثناء كتابة الدستور على ترسيخ مبدأ الميز الايجابي أي على بذل جهد تنموي إضافي في منطقة الهامش ليلحق ببقية المناطق فيكون تعديلا فاعتدالا تنمويا.

ولكن بقي ذلك حبراً على ورق بما سمح بإعادة إنتاج نفس الممارسات الانتخابية (الدعاية بالمكرونة) وشراء الأصوات بأثمان بخسة. وتعيير الهامش بهامشيته في خطاب النخب المرتاحة في العاصمة.

هل تفلح الحكومات القادمة في إخراج الهامش إلى الضوء؟ لن نستعجل الإجابة ولكن لن نبني آمالا على من لا يزال يخوض بعد في الحق في مسائل توزيع المخدرات وحق المثليين في حرية الممارسة. وهي قضايا أثيرة عند نخبة الجامعة، ونخبة الحضر الذين لا يذهبون إلى الهامش إلا لجلب الخادمات. وجود اليمين السياسي مرتبط بالإبقاء على هامش مفقر يبتزه في المواسم الانتخابية.

الأحزاب الإسلامية تضعف ولا تموت

عاد حزب النهضة الإسلامي إلى صدارة المشهد السياسي بعد موقع ثان خلف حزب الباجي (2014) الذي اندثر نهائيا. الناخب الإسلامي مستقر وله موقف دائم لذلك يصوت لحزبه. يوسع الهامش بالمتعاطفين أو يضيق لكن القاعدة الانتخابية ثابتة بل هي الوحيدة الثابتة خاصة إذا قارنها بقاعدة اليسار (أو من يزعم اليسارية).

تراجع حجم الكتلة الناخبة ولكنها ضمنت موقعا أولا يؤهلها لتشكيل الحكومة بقطع النظر عن الصعوبات القادمة.

لماذا تصمد الأحزاب الإسلامية في مشاهد سياسية متحركة ومتحولة؟ الأسباب كثيرة منها خطاب الكراهية المسلط عليهم. وهو خطاب يضطرهم إلى التكتل الدفاعي عن وجودهم. خطاب يؤبد الشعور بوضع الضحية. ومنها أيضا تصويت عقلاني يبحث عن الاستقرار في حدود دنيا، بعد اهتزاز كل مكونات المشهد السياسي وانكشاف الطبيعة الانتهازية لكثير من المتقدمين للقيادة.

لقد جنى حزب النهضة تصويتا من فئات خافت الانهيار النهائي للسياسة بعد انهيار حزب النداء حيث لم يبق في المشهد من عنصر استقرار إلا حزب النهضة. وأرجح أن كثيرا من مكونات طبقة المال التي ليس لها خشية من محاسبة على جرائم فساد مالت وستميل أكثر إلى حزب النهضة دون انتماء عقائدي بل بحثا عن حماية سياسية بدولة مستقرة تسمع لعالم الأعمال بالعمل.

لا شك أن حزب النهضة يحسبها في مكاسبه لكنه يتغافل عن مطالبها ما بعد الأمن والاستقرار. هذه الفئات ستجذب الحزب نحو اليمين أكثر فأكثر فيتخلى أكثر عن الهامش لصالحها. 

الحكومة على اليمين والخطاب على اليسار

لكننا لسنا في الصين بعد. نتوقع ارتفاع نبرة الخطاب الاجتماعي عند الحكومة في حين سنراها تذهب يمينا. لذلك فالخطاب الاجتماعي (اليساري أو الوسطي الاجتماعي) لم يعد ينطلي على كثيرين. 

حتى الآن بدأنا نرى ملامح المعارضة قبل أن نتعرف على الحكومة. المعارضة سترفع نبرة الخطاب الاجتماعي دون أن تلوث أيديها بالمشاركة في علاج الوضع الاقتصادي (حيث هامش المكرونة يتسع).

الخطاب العالي دون مشاركة في تنظيف المجاري، على حد قول (جان بول ساتر) في رواية (الأيدي الوسخة)، قضى على كثيرين وسيقضي على الباقين.

هذا ملف متخلد من زمن الاستئصال السياسي الذي رسخه بن علي في النخب ولا يزال مؤثرا. منطق ادفع عدوك إلى ورطة السلطة وتفرج عليه. بل أعن عليه بخطاب ثوري اجتماعي يربكه في كل خطوة.

هنا يصبح الخطاب الاجتماعي (اليساري) ملاذا مريحاً للجميع في حين تتقدم الحكومة يمينا دون مساعدة. وهو ما سيوسع هامش المكرونة في الانتخابات القادمة. سيكون هناك دوما مغامر بلا قلب يؤلف تحت عنوان قلب تونس ويشترى بالمكرونة من لم ترهم نخب النقاش في حق المثليين في الزواج المثلي.

المصدر: TRT عربي