البند الخطير الوارد في الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي الذي يسمح بإقامة الصلاة اليهودية في الحرم القدسي يمثل انحرافاً واضحاً عن الوضع القائم، كما هو معروف حتى من قبل إسرائيل نفسها.

رغم الضجيج الإعلامي الذي ثار عقب توقيع اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي، بسبب دوره السلبي في الدفع قدماً بمسار التطبيع العربي مع دولة الاحتلال، ومنح الأخيرة بطاقة مرور إلى مختلف العواصم العربية والإسلامية، غير أن قليلين أولئك الذين انتبهوا إلى الخطورة التي يكتنفها هذا الاتفاق على صعيد حقوق الفلسطينيين والعرب والمسلمين في مدينة القدس، والمسجد الأقصى.

لقد عمدت الماكينة الدعائية الإماراتية، ومن لف لفها، في محاولة منها لتضليل الرأي العام، إلى الزعم بأن تطبيعها مع إسرائيل إنما جاء مقابل وقف الأخيرة لخطة ضم الضفة الغربية، باعتبار أن أبو ظبي حققت إنجازاً تاريخياً، وهو ما كذبه الإسرائيليون بصورة مباشرة.

تواصل التضليل الإماراتي بالوصول هذه المرة إلى مسألة مقدسة لأصحاب القضية، وهي القدس والمسجد الأقصى، بزعم أن الاتفاق مع إسرائيل من شأنه أن يزيد من حرية وصول المسلمين إلى زيارة الحرم القدسي، وكأن هذه الزيارة تعني فتحاً مؤزراً للمدينة المحتلة، وتحريراً لها من نير الاحتلال وقيوده.

للمزيد اقرأ أيضا:
الاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي .. تطبيع أم تحالف؟

تكمن الخطة الإماراتية وفق ما تم نشره من معطيات شحيحة في الاتفاق مع إسرائيل والولايات المتحدة على إتاحة الحرم القدسي لـ"جميع أصحاب الديانات السماوية" وليس للمسلمين حصراً، كما هو معمول به منذ فجر التاريخ، الأمر الذي وجد طريقه في الرفض الفلسطيني من خلال الملصقات الضخمة التي انتشرت في الحرم القدسي وحملت شعار (محمد بن زايد خائن)، وحرقت صوره أمام قبة الصخرة، في حين أعلن الشيخ محمد حسين مفتي المدينة المقدسة أنه "لا يجوز للمسلمين الصلاة بالمسجد الأقصى تحت رعاية اتفاق الخيانة بين إسرائيل والإمارات".

الإسرائيليون من جهتهم راقبوا عن كثب تأثير التطبيع الإسرائيلي الإماراتي على خطط جلب مليوني سائح مسلم إلى الحرم القدسي كل عام، مع العلم أن الفلسطينيين الذين دعموا سابقاً "إغراق" المسجد الأقصى بالمسلمين من جميع أنحاء العالم، باتوا اليوم يعارضون الأمر بشدة، لأنه يمر عبر هذه الاتفاقية المرفوضة.

يجد الفلسطينيون صعوبة في ابتلاع التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، وتمتد هذه الصعوبة إلى تبعاته الدينية، حيث تتحدث رؤية جاريد كوشنير المعلنة، صهر الرئيس ترمب ومبعوثه للشرق الأوسط، عن توافد جموع المسلمين القادمين من دول الخليج للصلاة في المسجد الأقصى، زاعماً أن هذه الجماهير ستدرك بأعينها أن "الأقصى ليس في خطر"، وهذه رؤية كوشنر التي يبدو أنها أقنعت حكام الإمارات.

بات واضحاً اليوم أن الإماراتيين والإسرائيليين والأمريكيين يتحدثون في مباحثات غير رسمية، أن لديهم هدفاَ مبدئياَ يتمثل بتوافد مليوني سائح مسلم لدولة الاحتلال سنوياً، معظمهم سيزورون المسجد الأقصى، تحت اسم "السلام الديني"، مع أنه في 2018 زار 98 ألف سائح مسلم فقط القدس والأقصى، ونتنياهو متوافق مع كوشنر وابن زايد، ويتحدث جميعهم عن ترتيبات خاصة للمسلمين الذين سيأتون من الإمارات والخليج كي يصلوا في المسجد الأقصى.

للمزيد اقرأ أيضا:
الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي: قراءة إسرائيلية وانعكاسات فلسطينية

في السنوات الأخيرة نسقت إسرائيل عدة زيارات لوزراء الخارجية العرب للحرم القدسي، كمقدمة لما يمكن توقعه الآن، ففي مارس/آذار 2018 قام وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة بزيارة الأقصى، وبعد ستة أشهر وصله وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي، وفي 2019 زار وفد خاص من الكويت الأقصى، بعد التنسيق مع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي.

صحيح أنه لا يزال الوقت مبكراً لتقييم كيف سيستقبل الفلسطينيون وشوارع القدس المحتلة موجة السياحة الإسلامية، إذا حدثت فعلاً، لكن من الواضح أن "الأحذية والطماطم" ستلقى على كل من يزور القدس من المسؤولين العرب تحت رعاية دولة الاحتلال واتفاقها مع الإمارات.

لم ينس الفلسطينيون بعد ما حصل قبل عام واحد فقط، حين طرد المقدسيون المدون السعودي محمد سعود من الحرم القدسي، وهو ضيف وزارة الخارجية الإسرائيلية، ورشق الكراسي باتجاهه، ولم يكن أول من تم استقباله بهذه الطريقة في ظل معارضة الفلسطينيين للتطبيع مع إسرائيل، فقد سبقه وزير الخارجية المصري الأسبق أحمد ماهر في 2003، حيث تم استقباله بالحجارة والعصي، ووصف بـ"الخائن والمتعاون".

كما أن زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس في 1977 أثارت استياء شيخ الأزهر، واستقبلها الفلسطينيون بازدراء، ولم يحبوا زيارة الحجاج من ليبيا في 1993، ولا الزائرين من الدول الإسلامية الذين زاروا الحرم تحت مظلة الاحتلال، لا سيما أولئك القادمين من مصر والمغرب والأردن وإندونيسيا وماليزيا وكازاخستان وأوزبكستان، واليوم بفعل الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي سيبدو واضحاً لكل ذي بصر وبصيرة أن الزيارات للمسجد الأقصى تضفي الشرعية على التطبيع مع إسرائيل، وتتصالح مع "احتلال" الأضرحة الإسلامية.

في السياق ذاته، فقد فجر مركز "القدس الدنيوية"، وهو مركز إسرائيلي مهتم بمتابعة شئون المدينة المقدسة، ورصد انتهاكات الاحتلال فيها، قنبلة بكشفه عن موافقة الإمارات لأول مرة على تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، بما يسمح لليهود بالصلاة في الحرم القدسي، ويختصر حق المسلمين في المسجد فقط، أي أحد الأبنية الموجودة داخل الحرم، وليس الحرم بأكمله، ممَّا يعني أن اتفاق أبو ظبي مع تل أبيب يعبث بأهم قضية تشغل بال العرب والمسلمين، وهي قضية القدس والمسجد الأقصى.

ينطوي الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي على بند قد يكون الأكثر خطورة فيه، وينطوي على تغيير مهم في وضعية المدينة المقدسة لمصلحة الإسرائيليين، وينسف أي أمل مستقبلاً لأن تصبح القدس عاصمة الفلسطينيين، من خلال بند خطير ينص حرفياً على أن "كل المسلمين الذين يأتون بسلام إلى إسرائيل بإمكانهم أن يزوروا المسجد الأقصى، ويصلوا فيه، وفي غيره من الأماكن المقدسة في القدس، شرط أن يبقى مفتوحاً لجميع المصلين المسالمين من كافة الأديان".

ربما يبدو للوهلة الأولى أننا أمام ترسيخ لأمر واقع قائم فعلاً، لكن هذا البند يذكرني بوعد بلفور قبل أكثر من مئة عام حين أورد نصاً حرفيا جاء فيه "أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى"، وكأننا أمام ذات الصياغة التي تعتمد "ولا تقربوا الصلاة"، هكذا فقط، ودون إكمال باقي النص القرآني.

إن العودة خمسة أعوام إلى الوراء، وتحديداً في 2015، حصلت نقاشات مطولة بين وزير الخارجية كيري والملك الأردني عبد الله الثاني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووافق الأخير على إعلان رسمي ينص على أن إسرائيل تستمر بفرض سياستها المعتمدة منذ مدة طويلة، ومفادها أن المسلمين "يصلون" في الحرم القدسي، أما غير المسلمين فـ"يزورونه".

هكذا يظهر الفرق واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار، فاتفاق الإمارات مع إسرائيل يمنح اليهود حق الصلاة في المسجد الأقصى، وليس اقتحامه صباح مساء فقط، يعني إعطاء مشروعية غير قانونية لمحتل مغتصب في أقدس بقاع الأرض لدى المسلمين، وكأننا من جديد أمام "وعد من لا يملك لمن لا يستحق"!

إن البند الخطير الوارد في الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي الذي يسمح بإقامة الصلاة اليهودية في الحرم القدسي يمثل انحرافاً واضحاً عن الوضع القائم، كما هو معروف حتى من قبل إسرائيل نفسها، على الأقل إلى حين صدور صفقة القرن الأمريكية، ولذلك كان ينبغي ألا يتم تداول هذا الأمر الخطير في اتفاق ثنائي بين أبو ظبي وتل أبيب، لكن العكس تماماً هو الذي حدث، وهو ما لا يجب السماح به، مهما كلف الأمر!

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي