في خضمّ ما يعرفه العراق من حراك، عبّر متظاهر يوم الجمعة 25 أكتوبر عمَّا يخالج جماهير المحتجين: نريد وطناً. وأي وطن حين يعدم المواطن الخدمات الأساسية، و يُحرم الاحترام الواجب في حقه كمواطن وكإنسان، أو حين يصبح الوطن غنيمة لفئة تتصرف فيه وفق مصلحتها؟

المتظاهرون يلوّحون بالأعلام ويحملون ملصقات اللواء عبد الوهاب السعدي في احتجاج بميدان التحرير بوسط بغداد، العراق، الثلاثاء، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019.
المتظاهرون يلوّحون بالأعلام ويحملون ملصقات اللواء عبد الوهاب السعدي في احتجاج بميدان التحرير بوسط بغداد، العراق، الثلاثاء، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2019. (AP)

البنيات القائمة في العالم العربي، ليست بنسب متفاوتة، في خدمة المواطن، وإنما هي في خدمة الأنظمة. ومصدر الشرعية ليس هو الإرادة الشعبية وإنما التوارث أو القوة العسكرية، وليس للحاكم أدنى مسؤولية أمام المحكوم، وكل ما قد يقوم به يُعتبر منّة منه وتفضُّلاً، يمنحه حيث يشاء، كيف يشاء، ويسحبه متى شاء.

ومن العسير الحديث عن وطن يسوده الخوف، وتستأثر أقلية بثرواته، وتنعدم فيه البنيات الاجتماعية الضرورية من مدرسة ومشفى وشغل وكرامة وقضاء نزيه. سرى الأمر من دون مساءلة الأنظمة القائمة لشيوع الخوف في صفوف المواطنين، ولمغازلة الغرب لتلك الأنظمة واحتضانه لها وتستره على تجاوزاتها، ولفائض السيولة المالية، لفترة من الزمن، مما سمح بشراء السلّم الاجتماعي من خلال بعض الأعمال الاجتماعية التي كانت مُسكّناً، تتيح الإبقاء على الاحتجاج تحت السيطرة دون حل حقيقي للمشكلات البنيوية.

تغير الوضع منذ اندلاع الربيع العربي، من خلال سقوط ما سُمي بجدار الخوف، ومن خلال الأزمة المالية وتقلُّص إمكانية التدخل لدى الحكومات.

الموجة الأولى للاحتجاج رفعت شعار "لا للاستبداد، لا للفساد". انتفضت ضدّ الانفراد بالسلطة لأوليغارشيات تتحلق حول مركز السلطة، وانتفضت الجماهير كذلك ضدّ استئثار أقلية بالموارد وشيوع الفساد والمحسوبية.

أما الموجة الثانية، تلك التي ظهرت مع حراك كل من السودان والجزائر، فقد أضافت شيئاً جديداً، من خلال تحديد دور الدولة والمطالبة بتحييد الجيش، بمناداتها بدولة مدنية، وأضافت في الحالة الجزائرية مطلباً يغني مطلبَي "لا للاستبداد، لا للفساد"، بـ"لا للاستعباد". ويحمل هذا الشعار مطلب الكرامة، ولكن كذلك النأي عن أي استلاب فكري أو ارتهان سياسي لقوى أجنبية.

هل يمكن الحديث عن موجة ثالثة تجعل الطائفية أحد مَوَاطن الداء الكبرى المهدّدة لوحدة البلدان وأداة من أدوات التناحر، ومنفذاً للتدخل الأجنبي، وإحدى أدوات الفساد المالي؟

الطائفية شَرٌّ كلها. كانت الأنظمة العربية غداة الاستقلال تنظر إليها بتوجُّس كبير، وكان لبنان يُعتبر حالة استثنائية، ولم تَسلم تلك الحالة الاستثنائية من انجراف مع الحرب الأهلية، التي مزّقَت أوصال البلد، والتي اندلعت سنة 1975 واضعة حدّاً للاستثناء اللبناني. تم التوقيع على اتفاق الطائف سنة 1990 بين الأطراف المتناحرة، الذي لم يمسّ البنية الطائفية للبلد.

كان العالَم يعيش حينها على إيقاع ما بعد الحرب الباردة والدعوة إلى الاعتراف بالحقوق الثقافية التي قمعتها التجربة السوفييتية. وأصبحت المناداة بالتنوُّع الثقافي اتجاهاً عامّاً، ولا يمكن لأيٍّ أن يجادل في ذلك. والطريف، حينها، مع شيوع خطاب التنوع الثقافي، شيوع مفهوم آخر، توارى من حيث التداول، ولكنه لم يتوارَ من حيث الممارسة، وهو حقّ التدخُّل. لم تتورع القوى الغربية غداة الحرب الباردة عن المناداة بحق التدخل، و أصبحت الحقوق الثقافية إحدى الثغرات التي تنسلّ من خلالها القوى الأجنبية، بخاصة الغربية وإسرائيل.

للذرائع الثقافية من أجل تبرير التدخل قصة طويلة في منطقة الشرق الأوسط، جعلتها بريطانيا إحدى أدواتها لتفكيك الإمبراطورية العثمانية التي كانت تمثل الرابطة الإسلامية، من خلال مُنظّرها اللورد كيتشر. وظفت حينها أولاً القوميات البلقانية ثم العربية، والأرمينية، وأخيراً في احتضانها ودعمها للصهيونية. ما كان توجهات فكرية، وسياسة، أصبح أمراً واقعاً بعد الحرب العالمية الأولى، ونجحت بريطانيا، في ما سُمّي بالزمن البريطاني في رسم خارطة بناء على قوميات فعلية أو مفترضة، و إرساء وضع متحكَّم فيه وقابل للانفجار. أما فرنسا العلمانية فقد تذرعت بحماية الأقليات المسيحية من أجل الحصول على مناطق نفود في الشرق الأوسط.

يُعتبر هذا التاريخ الذي واكب الحرب العالمية الأولى وأعقبها، نوعاً من لا وعيٍ تاريخيّ، يَضمُر إلى حين، ولكنه ما يلبث أن يظهر بعدها. لذلك يقال إن الحرب العالمية الثانية انتهت، أما الأولى فلا. تلقفت الولايات المتحدة المشعل من بريطانيا في المنطقة، ورسخت التمايزات الطائفية، وفرضتها.

قبل حرب 2003 على العراق، كان مما يردّده بعض أصحاب الرأي في الولايات المتحدة هو توظيف الأقليات الدينية والإثنية في العالم العربي، وكان ممن يدعو لذلك ويحظى بتغطية إعلامية كبيرة واستماع من أصحاب القرار، الباحث الأمريكي من أصل لبناني فؤاد عجمي، وعبّر عن ذلك قُبيل حرب 2003 في مقال حظي بتغطية واسعة في مجلة فورين أفيرز (الشؤون الخارجية)، بالإضافة إلى برناد لويس. 

أصبح العراق مختبَراً للطائفية، وتوزع العراقيون من خلال انتماءات طائفية أو عقدية أو لسانية، وتأججت الخلافات واستفحل العداء، وأفضى الأمر إلى ما سُمّي بغضب السُّنة angry sunnis، وأصبح ما سُمي بالمحاصصة سُنَّة مؤكَّدة، وفريضة محكمة، وكانت سبباً للنهب والفساد والمحسوبية، وتوارت معها الكفاءة والمواطنة.

لم يكن للداء أن يكون دواء. لم يبرز للعيان بالنظر إلى الخوف، واليأس، وربما الأمل، بالنظر إلى ما عانى منه العراقيون من بطش تحت حكم صدَّام، ولما عرفه الشيعة وبخاصة رموزها من تنكيل، وكذا لما تَعرَّض له الأكراد من تحريق في حلبجة. لكن تلك المظالم لم يكن لها أن تكون مسوغاً لظلم أكبر، من خلال تمزيق بنية البلد.

والأدهى أن الإدارة الأمريكية سعت، بخاصة مع رئيسة الدبلوماسية الأمريكية السابقة هيلاري كلنتون، لتبيع "النموذج العراقي" وما يقوم عليه من محاصصة إلى أرجاء عدة من العالم العربي.

لا بد من الجهر بحقائق في هذا الخضم الذي يعرفه العالم العربي، الذي يحمل من الآمال قدر ما يحمل من المخاوف، وهو أن الطائفية شَرٌّ كلُّها، وأنها كلمة حقّ أُريدَ بها باطل، وأنها إحدى أدوات التوغُّل والتدخُّل، فلا مواطنة مع طائفية. 

من المفهوم أن يكون لمختلف الحساسيات تمثيل سياسي دونما خضوع لقاعدة الأغلبية، ولكن لا يُسوَّغ أن تنتقل الطائفية إلى الإدارة والتعليم والاقتصاد والجيش، أي إلى بنية الدولة وجسم الأمة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي