تقضي مغامرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الخليج على حظوظ السلام هناك. فمع زيادة الضغط الأمريكي على إيران، يُظهر حلفاء طهران الإقليميين قدرات عسكرية كبيرة.

تُظهِر هجمات الحوثيين الأخيرة باستخدام طائرات دون طيار إمكانية تصعيد الصراع الإقليمي. إذ تبنَّى الحوثيون اليمنيون مسؤولية هجومٍ باستخدام طائرات دون طيار على خط أنابيب نفط سعودي غرب الرياض يوم 14مايو/أيار، وهو الأمر الذي يُظهِر تطوراً كبيراً في القدرات العسكرية للمجموعة المقاتلة. استمر التطور منذ ذلك الحين ليشمل عمليات إطلاق صواريخ جرى اعتراضها فوق مدينتي مكة وجدة أول أمس 19مايو/أيار. لعبة الطائرات بدون طيار فوق السعودية

في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، تبنَّى الحوثيون مسؤولية شن ضربة بصاروخ باليستي على الرياض، في مظهرٍ من مظاهر القدرة على شن حربٍ حديثة. ويُعَد آخر هجوم باستخدام الطائرات دون طيار، والتي حلَّقت لأكثر من 800 كيلومتر داخل الأراضي السعودية، دليلاً آخر على ذلك.

يُظهِر هذا الهجوم الذي شُنَّ باستخدام طائراتٍ دون طيار كذلك السبل غير المباشرة التي يمكن لوكلاء إيران من خلالها رد الضربات لحلفاء الولايات المتحدة، في ظل نشر الأخيرة قواتها العسكرية في المنطقة، وبما يُمكِّن طهران في الوقت نفسه من ادعاء إنكارها المسؤولية عن تلك الضربات. وبهذا، بينما يسعى ترمب لعرضٍ عسكري يواجه فيه إيران، نجمت ملابساتٌ غير متوقعة عن تلك الإشارات إلى امتلاك الحوثيين قدراتٍ عسكرية متطورة.

الطائرات بدون طيار في عصر حرب ما بعد الحداثة

نجح الحوثيون يوم 10يناير/كانون الثاني الماضي في استخدام طائرة بدون طيار لاغتيال مسؤولين ضمن التحالف الذي تقوده السعودية بقاعدة العند الجوية في اليمن، والتي كانت تُمثِّل في وقتٍ سابق مقراً للقوات الأمريكية، التي تشرف على حرب الطائرات بدون طيار ضد تنظيم القاعدة.

وتجدر الإشارة إلى سياق هذا الهجوم الحوثي الأخير باستخدام طائرات دون طيار ضمن تاريخ الولايات المتحدة في استخدامها.

يتحدَّث آرثر هولاند ميشيل في مقالٍ بعنوان "A History of Violence" بمجلة Wired في ديسمبر/كانون الأول 2015 عن واقعةٍ حدثت يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2001. إذ كان طيارٌ أمريكي، يجلس داخل مقصورة بمقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في مدينة لانغلي بولاية فرجينيا الأمريكية، يتحكم عن بعد بطائرة دون طيار من طراز "بريداتور" فوق مدينة قندهار الأفغانية على بُعد أكثر من 11 ألف كيلومتر.

تعرَّضت الطائرة من حينٍ لآخر لتوقف في التشغيل بسبب مشكلة في الطاقة، وهي المشكلة التي تعيَّن على مهندسي برمجة في ولاية كاليفورنيا إصلاحها بينما كانت الطائرة تهوي. كان الهدف هو شاحنة متوقفة خارج مجمع يُعتقَد أنَّ الملا عمر، زعيم حركة طالبان الراحل، يختبئ داخله. وكتب ميشيل: "كانت هذه هي المرة الأولى التي تُطلق فيها طائرة أمريكية بدون طيار النار أثناء القتال. وكانت هذه هي المرة الأولى على الإطلاق التي تقتل فيها طائرة حديثة بدون طيار إنساناً".

وقد استخدمتُ في مقالٍ سابق الأسبوع الماضي على موقع TRT حول الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج تعريفاً لـ"ما بعد الحداثة باعتبارها ثقافة (التعديل) السهل، عصر يسمح لنا فيه العلم والتكنولوجيا بتغيير أي شيءٍ تقريباً".

يكشف هجوم الطائرات بدون طيار الأول عام 2001 جوانب ثقافة التعديل السهل هذه. فكان المبرمجون في كاليفورنيا هم مَن منعوا سقوط الطائرة وأبقوها مُحلِّقةً فوق أفغانستان، وعدلوا خيارات الطاقة على شاشة جهاز كمبيوتر، في حين راقب الطيار الهدف من خلال شاشة. لقد ألغت التكنولوجيا الحديثة المسافات تقريباً، فربطت فرجينيا بكاليفورنيا بأفغانستان، مُجسِّدةً عولمة عملية اغتيالٍ جوي.

لقد أَذِنَ هذا الهجوم ببدئ حرب الطائرات دون طيار، وظلَّت الولايات المتحدة طيلة عقدٍ من الزمن محتكرة لهذه الطائرات، مثل طائرات "بريداتور" و"ريبر"، لكن قريباً وبمرور الوقت سيحصل الفاعلون الآخرون في الشرق الأوسط على هذه التكنولوجيا.

هجمات الحوثيين باستخدام الطائرات دون طيار

أظهر تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" جوانب ما بعد الحداثة التي تنطوي عليها الطائرات دون طيار الترفيهية. إذ أصبح الحصول على الطائرات دون طيار، وأجهزة التحكم عن بعد، ونشر لقطات الهجمات التي تتم باستخدام الطائرات بدون طيار عبر الفضاء الإلكتروني، كل هذا أصبح ممكناً من خلال "عصر التعديل السهل".

فيمكن بسهولة الحصول على الطائرات التجارية بدون طيار، وفي معظم الحالات يكون التحكم فيها من خلال هاتف ذكي مرتبط بجهاز تحكم، ثُمَّ تُستخدَم بعد ذلك اللقطات الرقمية المُلتَقَطة بتلك الطائرات في أغراض الدعاية.

لكنَّ هجمات الطائرات دون طيار التي شنّها الحوثيون أظهرت مستوًى جديداً من التطور، لا سيما فيما يتعلَّق بالمسافات التي يمكن لتلك الطائرات قطعها.

ففي يوليو/تموز 2018، انفجرت طائرة دون طيار في مطار أبو ظبي، متسبِّبةً في أضرارٍ بسيطة، لكنَّها بعثت برسالةٍ إلى الإمارات، البلد المشارك في الحرب على الحوثيين، مفادها أنَّها ليست بمأمن من الخطر. وفي نفس الشهر، استهدفت طائرة دون طيار مصفاة نفط تابعة لشركة أرامكو السعودية خارج العاصمة الرياض.

وفي مارس/آذار 2019، حلَّقت طائرة دون طيار تابعة للحوثيين مسافة 130كيلومتر من الحدود اليمنية فوق محطة الشقيق السعودية لتحلية المياه، ولم يهاجموها، لكنَّهم نشروا لقطات مصورة تشير إلى أنَّه حتى هذا المورد الثمين يمكن الوصول إليه.

تُنتَج الطائرات بدون طيار الحوثية محلياً اعتماداً على نموذج طائرة قاصف 1 الإيرانية. وفي العصر الحديث للحرب، كان الطيار الذي يُحلِّق بطائرة مقاتلة يضطر للوجود مادياً في النطاق القريب من الهدف حتى يهاجمه، وكان يمكن للصاروخ الباليستي القيام بنفس المهمة، لكن بمجرد إطلاقه، كانت قوانين الفيزياء والجاذبية هي التي تحدد ما إن كانت الرأس الحربية ستسلك مسارها أم لا. ولا يملك الشخص الذي يُطلِق المقذوف سيطرةً تُذكَر على الصاروخ بمجرد أن يصبح في الجو.

يتمثَّل جانب ما بعد الحداثة في الهجوم الأخير بالطائرات دون طيار في أنَّ الهجوم كان معتمداً على تكنولوجيا القمر الصناعي، لأنَّ الطائرات بدون طيار التي تُحلِّق مثل هذه المسافات الطويلة تعتمد على رابط بيانات قمر صناعي لإرسال المعلومات إلى الطيار في اليمن.

لكن لا تتوافر معلوماتٌ حول امتلاك الحوثيين أقماراً صناعية للاتصالات، وكانوا يعتمدون على الأقمار الصناعية المتاحة تجارياً. وأظهر الهجوم الأخير مستوًى متطوراً من التنسيق بين الحوثيين، إذ عمل محللو الصور، ومهندسو الاتصالات الصاعدة (من الأرض إلى القمر الصناعي)، والفنيون، وأطقم الطيارين بانسجامٍ تام لإنجاح الهجوم، تماماً كما حدث في الهجوم الأمريكي بطائرة دون طيار عام 2001 في أفغانستان.

الآثار الدولية والإقليمية للهجوم

يُظهِر الهجوم باستخدام الطائرات دون طيار على منشأة نفطٍ سعودية كيف يمكن لفاعلٍ من غير الدول، مثل الحوثيين، التأثير في أسعار سلعة يعتمد عليها العالم الحديث، مثل النفط. ففي حال كانت الهجمات أحدثت ضرراً أكبر، وهو ما يمكن أن يحدث في الهجمات المستقبلية، فكانت بالتأكيد ستؤثر على سعر برميل النفط.

ثانياً، يُظهِر عصر التعديل السهل مدى سهولة إقحام الفاعلين من غير الدول مثل الحوثيين لأنفسهم في صراع القوى الكبرى الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وإيران.

لقد أسفرت خطة السلام التي ترعاها الأمم المتحدة عن انسحاب الحوثين من ميناء الحديدة الواقع على البحر الأحمر، وهو ما كان يُشكِّل عقبةً كبرى في سبيل حل الصراع هناك. وكما أنَّه توجد مسحةٌ بسيطة من الأمل بشأن آفاق السلام في البلاد، يُظهِر استفزاز ترمب ومستشاره للأمن القومي جون بولتون في الخليج مدى سهولة تقويض هذا المسعى الهش لإحلال السلام.

مقال مترجم عن موقع TRTWORLD 

المصدر: TRT عربي