تشكل قوانين المواريث جدلاً داخل تونس وخارجها. وهو جدل يستمر طالما يم يكن هناك تجديد في الخطاب الديني القادر على ردم الهوة بين الواقع المعاش وبين مبادئ الشريعة الإسلامية.

مع دخول العام الجديد يطلّ استحقاق تشريعي أمام البرلمان في تونس للتصويت على مشروع قرار المساواة في المواريث بين النساء والرجال، والذي أثار جدلاً عريضاً العام الماضي، وكشف عن أزمة مزمنة في الخطاب الديني إزاء معالجة التحديات الطارئة على التشريع الإسلامي ومواءمته للواقع الاجتماعي والسياسي في العالم العربي، ومن المتوقع أن يُحال مشروع القانون للتصويت خلال الأشهر الأولى من 2019 قبل اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية نهاية العام.

ومن الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن هي: لماذا تونس بالذات هي من صدّرت قانون المساواة في المواريث (والذي يضمّ مواداً أخرى مثيرة للجدل في تناقضها مع الموروث الإسلامي والاجتماعي)؟ ولا شك هنا أن أجواء الحريات العامة والقدرة على الحشد والتنظيم بعد سقوط نظام بن علي ساهمتا في رفع مطالب فئة من الشارع إلى المستوى الحكومي، لكنّ السبب الأبرز يكمن في بنية النظام السياسي التونسي الذي يتبنى صيغة متشددة من اللائكية (نسبة إلى العلمانية الفرنسية) والتي تقوم على التناقض الصريح مع الفكرة الدينية ومؤسساتها، على عكس غالبية الأنظمة العلمانية في العالم التي تتبنى صيغ أكثر تسامحاً واحتواءً للدين، وفي هذا السياق نستطيع أن نفهم تصريحات الرئيس قائد السبسي حين يقول: "ليس لنا علاقة بما يقوله الدين أو القرآن" ونحن نحترم إرادة الشعب الذي يريد قانون المساواة.

بني الكثير من المدافعين عن فكرة المساواة في المواريث حجّتهم على مسألة تغيُّر الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسرة في المجتمعات المسلمة والتي تكون فيها المرأة هي المعيل الرئيس لنفسها أو لأسرتها.

أماني السنوار

ويبني الكثير من المدافعين عن فكرة المساواة في المواريث حجّتهم على مسألة تغيُّر الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسرة في المجتمعات المسلمة، والتي تكون فيها المرأة أحياناً هي المعيل الرئيس لنفسها أو لأسرتها، أو تكون شريكاً أساسياً في الإعالة كزوجة أو ابنة أو أخت عاملة تساهم في المدخول الاقتصادي للأسرة، مع تراجع ملحوظ في اعتمادها اقتصادياً على ذكور العائلة في الإنفاق، وتزداد هذه الحالات في المجتمعات التي تعاني من صعوبات اقتصادية تتطلب وجود أكثر من معيل للأسرة الواحدة، إضافة إلى التغيّر في ديناميات الأسر والتبدّل في مفاهيم الزواج والإنفاق والرعاية عما كان الحال عليه في المجتمعات الإسلامية التقليدية، الأمر الذي حدا بالعديد من التجمعات النسوية والتيارات الاجتماعية للمطالبة بمساواة المرأة في الميراث أسوةً بمطالبتها بالإنفاق.

وبعيداً عن وجهة النظر الدينية (الفقهية) التي لا أناقشها في هذا المقال، فإن مشروع القرار التونسي أثار جدلاً على المستوى العربي ككل حول مسألة المواريث في الإسلام، وعلى الرغم من كون النقاش ليس جديداً فإن المتابع له لن يجد أجوبة شافية لكثير من التساؤلات، وقد ركّز الخطاب الديني في مواجهة دعوات المساواة في المواريث ضمن موجتها الأخيرة على ركيزتين اثنتين: الأولى، إن قانون المواريث الإسلامي هو شأن مغلق أمام الاجتهاد لجهة ثبوت النص القرآني"يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ"، واعتبر أن أية دعوة لنقاش ذلك هي دعوة تُدخل المرء في إطار الشرك؛ لأن فيها إنكاراً لنص قرآني. والثانية، دعت إلى النظر إلى قانون المواريث من زاوية أوسع؛ حيث إن "هناك 4 حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل، بينما هناك حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل تماماً، وحالات أخرى ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، وحالات إضافية ترث فيها المرأة ولا يرث فيها الرجل"، وقد انتشرت هذه المقولة بشكل واسع واستخدمها البعض كطوق نجاة أمام هجمة بعض التيارات المعادية للإسلام.

استحضار المنظومة الإسلامية في تحديد مسؤوليات الإنفاق والإعالة يجعل النساء المعترضات يتقبلن فكرة أن "للذكر مثل حظ الأنثيين".

أماني السنوار

والحقيقة أن الركيزة الثانية وعلى الرغم من سعة انتشارها مؤخراً فإنها تحتوي على سطحية واضحة، وتضع الخطاب الديني في خانة محاولة التدليس على الناس؛ إذ أن فلسفة المواريث في الإسلام تعتمد على ثلاثة عوامل: الأول؛ درجة القرابة مع المتوفى فكلما كانت أقرب كلما ازداد نصيب الميراث، الثاني: موقع الجيل الوارث فكلما كان أقرب لمرحلة الشباب كلما كان نصيبه أكبر، والثالث: هو العبء المالي الذي يوجب الشرع على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين. وبينما يتساوى كل من الذكر والأنثى (وفق الشرع الإسلامي) في كل من العامل الأول والثاني، إلا أن الشرع فرّق بين الرجل والمرأة في العامل الثالث، لصالح إلزامه الرجال بأعباء الإنفاق على من هم داخل ولايته من النساء؛ لذا نجد في حال تساوى الذكر والأنثى في العامل الأول والثاني يوصي الإسلام بأن يرث الرجل ضعف المرأة، انطلاقاً من فلسفة أنه مطالب بالإنفاق، بينما سخّر الشرع للمرأة من ينفق عليها وما تتحصّل عليه من مال الميراث (أو غيره من مصادر) سيكون مكسباً خالصاً لذاتها.

والحقيقة أن استحضار المنظومة الإسلامية في تحديد مسؤوليات الإنفاق والإعالة يجعل من المنطقي والمستساغ لدى الكثير من النساء المعترضات اليوم تقبل فكرة أن "للذكر مثل حظ الأنثيين"، ولعل شرحاً من هذا النوع يبدو أكثر منطقية واحتراماً لعقل وكرامة الإنسان من السرد الإحصائي الأول الذي تناوله العديد من رجال الدين والدعاة مؤخراً.

تشكل قوانين المواريث تحدياً أمام حزب النهضة ذي الخلفيات الإسلامية لا سيما أن الحزب أكد على كونه حزباً وطنياً تونسياً ليس له ارتباط بحركة الاخوان المسلمين في مصر والعالم.

أماني السنوار

ولكن ماذا إن كانت المجتمعات المسلمة المعاصرة تعاني من خلل رهيب في تطبيق الرؤية الإسلامية للإعالة والإنفاق! بحيث صارت المرأة مسؤولة -أسوة بالرجل- عن الإنفاق على ذاتها وأسرتها وأصبحت تشاركه أعباء ومسؤوليات الحياة؟ في هذه الزاوية تحديداً عجز الخطاب الديني (ونؤكد هنا أن الحديث يدور حول الخطاب الديني وليس الدين كمنظومة تشريعية) عن إعطاء أجوبة تحاكي الواقع، وتلخِّص العجز بالبعد عن فهم الواقع الجديد للمجتمعات المسلمة، وتلمّس تحولاتها الاجتماعية والاقتصادية والخروج باستخلاصات تؤكد أو تنفي أو -على الأقل- تحدد نسب اضطلاع المرأة بمسؤوليات الإعالة والإنفاق، ما رسخ لمشكلة مستعصية بالانفصال السلبي بين علوم الشريعة والمشتغلين بها، وبقية العلوم الإنسانية. وعوضاً عن استدراك هذا الخلل؛ أشهر الكثير من العلماء والدعاة تهمة التخويف من الشِّرك لكل من يتساءل عن إمكانية إعادة النظر في قوانين المواريث نظراً لوجود نص صريح، مع العلم أن نصوصاً قرآنية أخرى تم تعطيلها بانهيار الظروف الاجتماعية والاقتصادية المواتية لتطبيقها مثل نص قطع يد السارق "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا". وهنا تبرز أهمية أن يواكب الخطاب الإسلامي هموم الشارع المسلم ويساعده في الإجابة على تساؤلاته وتبديد مصادر حيرته؛ لأن في ذلك تحصيناً من الوقوع في فخ رفض الفكرة الدينية بجريرة ضعف خطاب وتراجع حجّتها.

أخيراً، تشكل قوانين المواريث تحدياً أمام حزب النهضة ذي الخلفيات الإسلامية، لا سيما أن الحزب قد عاش تحولات هامة قبل عامين، حين أكد على كونه حزباً وطنياً تونسياً ليس له ارتباط بحركة الاخوان المسلمين في مصر والعالم، وعلى الرغم من أن مجلس شورى الحزب أعلن معارضته لمشروع القرار فإن التصويت سيشكل تحدياً كبيراً أمامه بوصفه يمتلك أكبر كتلة برلمانية؛ ولأن عيون الكثيرين داخل تونس وخارجها مركزة على تعاطيه مع هذا الملف على أعتاب جولة انتخابية جديدة أواخر 2019 ستشهد الكثير من الاستقطاب والتحريض في ظل دولة تتبنى اللائكية المتشددة منذ عقود، كما أن القواعد الانتخابية للحزب التي تميل للالتزام والمحافظة لن تتسامح مع دعم نواب النهضة لمثل هذا القانون، ما سيضع النهضة أمام خيارات صعبة، سواء قرر نوابه دعم مشروع القرار أو قاموا بمعارضته.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي