طفلي ابن الطبيعة، لديه احتياجٌ مؤكَّد إلى قضاء ست ساعات في الطبيعية يوميّاً بدلاً من قضائها بين أربع جدران داخل الصف يكون مجبَراً فيها على السكوت والاستماع لشرح المعلم.

(AA)

أُسأل كل يوم عدة مرات عن سبب تعليمي لطفلي منزليّاً، ورغم أن الأسباب التي قررت لأجلها أن أعلِّمه منزليّاً هي أكبر من أن أحصيها، إلا إنني قررت أن أكتب بعضها هنا.

في البداية سأكتب لكم عن الأسباب التي لم أتَبَنَّها عندما اتخذنا قرارنا -أبوه وأنا- بتعليمه منزليّاً:

حمايته من الخطر: بالتأكيد لا أتمنى أن يتعرض طفلي لأية أخطار، ولكن ليس لدي مانع أن يتعرض لها، أن يتعرض للتنمر أو للسقوط من أعلى الأرجوحة أو أن تنكسر ذراعه أو قدمه، قراري بعمل تعليم منزلي لا يشمل ضماناً لحمايته من الأخطار.

ليس لدي أى مانع أن يتعرض طفلي لعشرات الأفكار المختلفة والمضادة لما أعتقد تماماً، دوري ليس عزله عن الأفكار

أروى الطويل

حمايته من الأفكار المختلفة: ليس لدي أى مانع أن يتعرض طفلي لعشرات الأفكار المختلفة والمضادة لما أعتقد تماماً، دوري ليس عزله عن الأفكار، بل أن أعلِّمه كيف يعرف نفسه وكيف يفكر، وكيف يتخذ قراره، أن يتخذ طفلي يوماً موقفاً عكسيّا، ليس نهاية العالم، بل هو حتمية هذا الزمان.

تقديم مناهج رائعة مبدعة تخرج منه طفلاً خارقاً يأكل الفيزياء ويصنع الكيمياء: ليس هدفي على الإطلاق أن يكون طفلي خارقاً أو أن يكون الأول أكاديميّاً -أتمنى ذلك بالطبع ولكنه ليس من أولوياتي- أريد لطفلي شيئين فقط: أن يكون سويّاً نفسيّاً، وأن يكون قادراً على تعليم نفسه بنفسه.

أني عشت تجربة سيئة في المدارس: نعم سألني شخص ما إن كنت عشت تجربة فظيعة في المدارس. في الحقيقة إن العكس تماماً هو ما حدث، كنتُ طفلة مدللة، وفي المدرسة كنت طالبة مجتهدة ومتفوقة، وفوق ذلك كان المدرسون يعرفون أبي وأمي جيداً فحظيت بمعاملة مميزة طوال الوقت.

طفلي ابن الطبيعة، يحتاج احتياجاً مؤكَّداًإلى قضاء ست ساعات في الطبيعية يوميّاً بدلاً من قضائها بين أربع جدران داخل الصف يكون مجبَراً فيها على السكوت والاستماع لشرح المعلم.

أروى الطويل

أما الأسباب الحقيقة التي قررت لأجلها أن يتعلم منزليّاً، وهي أسباب يمكنني أن أكتب فيها كتاباً، لكن مختصرها كان لإيماني بالآتي:

طفلي ابن الطبيعة: لديه احتياجٌ مؤكَّدٌ إلى قضاء ست ساعات في الطبيعية يوميّاً بدلاً من قضائها بين أربع جدران داخل الصف يكون مجبَراً فيها على السكوت والاستماع لشرح المعلم.

طفلي يحتاج إلى أن ينشأ بعيداً عن السلطة التراتبية التي توجد داخل الفصول: يحتاج أن يكون حرّاً، تُحتَرم حاجاته وتُلبى بشكل سوي، أن يُحترم غضبُه وحزنه.

طفلي ذكي: بالنسبة لي أؤمن بالمساواة في الذكاء الإنساني، إذا فهمت أنا أن 2+2=4، فطفلي قادر على استنتاج ذلك بمفرده، ونعم فعلها بمفرده وفاجأني، لقد كنت متشككة في قدرته على فِعلها.

لأني أردت لطفلي أن يحب العلم والتعلم، لا الدرس والدروس: لأني آمنت بإرادة التعلم لديه، وأنه إذا تعلم الكلام والمشي وحده فهو قادر على أن يتعلم أي شيء آخر يريده.

لأن طفلي يحتاج إلى دائرة اجتماعية واسعة مختلفة الأعمار والأشكال: ولأن آخر ما يحتاجه طفل أن يحاط بدائرة بيضاء من الأطفال المتشابهين في الخبرات الاجتماعية، أيهما أجدى؟ أن يتعامل مع عشرة أطفال مصنفين حسب العمر، أم أن يتعامل مع خمسة أطفال بأعمار مختلفة، من الرضَّع وحتى البالغين؟

لأن طفلي بحاجة إلى أن يرى العالم الحقيقي: بنفس القدر الذي يحتاج أن يراه بين دفتي كتاب، يحتاج أن يبلل قدميه بماء البحيرة لا أن يسمع عنها ”بقعة ماء تحيط بها اليابسة من جميع الجهات“.

لأن طفلي يحتاج أن يسمع الحكايات بصوتي: وأن يخوض مغامرات مع عائلته، وأن يتعلم كيف يُنشيء علاقات عميقة مع نفسه أولاً ثم مع عائلته ثم مع أصدقائه، ولأن المدرسة لن توفر له الوقت لفعل هذا -لأننا نذهب إلى المدرسة كي نتعلم لا كي نتعرف-.

لأني أردت لطفلي أن يكتسب مهارات الحياة العملية الفعلية: طفلي في السادسة ولكنه يجيد صنع الكيك والبسكوت، وبعض السلطات، ويستطيع أن يعد البيض المقلي وأن يصنع الشعرية بالحليب بقليل جدّاً من الإشراف، وأنا أؤمن أن كل طفل آخر قادر على ذلك وأكثر فقط إن فكرنا فيهم ”كإنسان صغير“ لا ”كطفل جاهل“.

لأني أؤمن بحساسية الأطفال الشديدة لكل ما يتعرضون له في الصغر: فأحاول أن أهيِّئ له التجربة التي تراعي حساسيته وحبه للتعلم.

طفلي في السادسة ولكنه يجيد صنع الكيك والبسكوت، وبعض السلطات، ويستطيع أن يعد البيض المقلي وأن يصنع الشعرية بالحليب بقليل جدّاً من الإشراف

أروى الطويل

لأني أردت لطفلي أن يفهم ويعرف ويحس بقيمته الإنسانية المجردة:لا أن تُختصر قيمته في الدرجات والعلامات، أن يعرف أن الدنيا مليئة بالفرص، وأن عدم إجادته للرياضيات لا يعني تحديد مستقبله وختمه بخاتم الفشل، بل إن أمامه عشرات الفرص من النجاح والفشل، وأمامه عدد لامحدود من المحاولات مادام إنساناً حرّاً قادراً على بذل المجهود للتعلم والمعرفة.

لأني أردت لطفلي أن يكتسب الحكمة، لا أن يدرس فقط: والحكمة هبة من الله، لكنها أيضاً جهد وبذل وسعي، والعالم أوسع من الجدران، هل يمكننا أن نلاحق الحكمة؟ نعم يمكننا، إن اشتغلنا بكدٍّ، وهل أصفى من نفس طفل ينطلق إلى العالم ليكتسب الحكمة؟

أما السبب الأخير،فهو أنني نظرت في مسيرة حياتي القصيرة، فوجدت أن كل شيء جيد تعلمته كان خارج نطاق المؤسسة، كل شيء جوهري حقيقي قيم وحكيم كان محض اجتهاد وتجربة، وأن كثيراً مما تعلمته كان نتيجة أني أخطأت كثيراً فتعلمت أكثر، وهذا ما وددته لطفلي أن يجربويخطئ ونفرح بالخطأ ونصلحه معاً ونتعلم منه.

هل هذا سهل؟ لا، ليس سهلاً على الإطلاق، بل هو صعب ومجهد -وسأكتب عن الصعوبات التي واجهتنا لاحقًا-، لكن هل يستحق؟ نعم هذا الأمر من أكثر الأمور التي تستحق الجهد المبذول فيها، لأنها أمر عظيم وجهد شريف، "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي