مظاهرات ضد الاحتباس الحرارري في لندن (Henry Nicholls/Reuters)
تابعنا

إن لم نضع هذه المعلومة في سياقها المناسب، فقد لا يعني هذا الرقم شيئاً ذا بال لمعظم الناس، ولكن قد يبدو لهم مرتفعاً على نحو ما. ولذا دعنا نقُلْ إنه بحسابات عام 2019، فإن هذه البصمة تساوي تقريباً قدرَ البصمة نفسها التي يتركها شخص يعيش في لوكسمبورغ، ونحو 3.3 أضعاف المتوسط العالمي للبصمة الكربونية للفرد سنوياً. وباستحضارنا هذا السياق، فأنت تعلم الآن أنني أشارك في التغير المناخي بمعدل أعلى من الغالبية العظمى من الناس في العالم.

ويرجع أكثر من ثلث بصمتي الكربونية إلى السفر الجوي، الذي هو إلى حد بعيد أحد أكبر المساهمين في حصتي من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتشمل قائمة المساهمين البارزين الآخرين في هذه الانبعاثات: قيادة السيارة، والطعام الذي أتناوله (كميات كبيرة من اللحوم)، ومنزلي (تكييف الهواء، والإضاءة، واستخدام المياه).

إذا أردتُ أن أنقص بصمتي الكربونية إلى المتوسط العالمي، فسوف يتعين عليَّ تغيير كل جانب من جوانب حياتي تقريباً. وهذا، باختصار، هو السبب في أن "اتفاقية باريس للمناخ" و"مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2021" (COP26) الذي اختتم فاعلياته مؤخراً يبدوان لكثيرين عديمَي الفاعلية في معالجة الأزمة المناخية الطارئة.

فالواقع أن أسباب الأزمة، أي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغازات الاحتباس الحراري، جزءٌ لا يتجزأ من كل قطاع من قطاعات الاقتصاد الحديث. وكمية ثاني أكسيد الكربون التي نحتاج إلى الحد منها في بصمتنا الكربونية لتجنب كارثة مناخية عالمية (وتخفيف حدة التغير المناخي) يتطلب الوفاء بها تحويل النظام الاقتصادي العالمي عن الوقود الأحفوري الذي اعتمد عليه في معيشته على مدى قرنين من الزمان، إلى نظام آخر لم يُخترع بعد.

علاوة على ذلك، فإن بعض البلدان النامية، لا سيما تلك التي لديها احتياطيات كبيرة من الوقود الأحفوري، ترى أن حالة الطوارئ المناخية ليست من صنعها، وأن التخلي عن الوقود الأحفوري أزمة قد تمنعها من تحقيق الفوائد الاقتصادية القائمة على تطوير بعض مواردها المربحة، وذلك مع أن كثيراً من هذه البلدان نفسها أشد عرضة لتأثيرات التغير المناخي من غيرها.

وعلى فداحة المخاطر التي يفرضها التغير المناخي، فإن الحلول لم تتضح بعد. ويخلق هذا الافتقار إلى الوضوح بشأن ما هو قادم عقبةً كبيرة أمام اتفاقية باريس، مع أنها ترتيبٌ وضعَ إيجادَ الحلول هدفاً له وحاز إجماعاً على ذلك. لذا، يُلزِمنا ذلك طرح الأسئلة: هل هذا أحسن نهج للتعامل مع حالة الطوارئ المناخية؟ وهل يمكن أن يقودنا إلى التصرف بسرعة كافية لتجنب الوجه الأشد سوءاً للتغير المناخي؟

في وقت سابق، كان لدينا "بروتوكول مونتريال بشأن الموادّ المستنفدة لطبقة الأوزون"، المعروف اختصاراً باسم بروتوكول مونتريال. وهذه هي الاتفاقية البيئية متعددة الأطراف، التي تبناها العالم في عام 1987، ومكَّنتنا من إبطاء التآكل في طبقة الأوزون، ووضعها في مسار التعافي، بعد ما كان يهدّد به استنفادها من عواقب فورية مثل سرطان الجلد وإعتام عدسة العين وغيرها من التداعيات على الزراعة والاقتصاد في جميع أنحاء العالم.

جاء التوصل إلى كل من بروتوكول مونتريال واتفاقية باريس بهدف معالجة الانبعاثات العالمية للغازات التي تؤدي إلى عواقب سلبية على صحة الإنسان والنظم البيئية الطبيعية. لكن مع الأسف، فإن أوجه التشابه التي تجمع الاتفاقيتين تنتهي عند هذه النقطة.

يركّز بروتوكول مونتريال على مشكلة معينة، هي انبعاثات الموادّ المستنفدة لطبقة الأوزون. ويحدّد البروتوكول ما لا يجدر بالبلدان فعله، ومتى يجب الحد من انبعاثات الموادّ المستنفدة للأوزون ومتى يمكن الاعتماد على التخلص التدريجي منها، وينشئ صندوقاً متعدد الأطراف لتقديم المساعدة المالية والتقنية إلى البلدان النامية.

على خلاف ذلك، فإن اتفاقية باريس تركِّز على الحل، لكن دون أن تضع مساراً واضحاً له أو مجموعة من الالتزامات المفروضة بعدل على جميع الأطراف. فقد طلبت اتفاقية باريس من البلدان تقديم خططها للعمل المناخي، المعروفة باسم المساهمات المحددة وطنياً (NDC)، بحلول عام 2020، بهدف الحدِّ من ظاهرة الاحتباس الحراري، بحيث ينخفض متوسط الارتفاع العالمي في درجة حرارة السطح العالمية إلى "أقل بكثير من درجتين مئويتين، وحبذا لو كان 1.5 درجة مئوية فقط".

في أحدث تقرير للأمم المتحدة بشأن التغير المناخي قبل المؤتمر العالمي للتغير المناخي 2021، خلصت المنظمة إلى أن المساهمات المحددة الوطنية التي قدمتها البلدان "قد تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة العالم السطحية بنحو 2.7 درجة مئوية بحلول نهاية القرن"، وهو ما يتجاوز الهدف الذي وضعته اتفاقية باريس بنحو 1.2 درجة مئوية، وهذا إن افترضنا أن البلدان سوف توفي بالفعل بالتزاماتها.

من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي التعهدات الأخرى التي قدمتها البلدان في مؤتمر المناخ العالمي إلى تقليص الارتفاع في درجة الحرارة العالمية إلى 2.4 درجة مئوية، إذا نُفِّذت هذه التعهدات بحلول عام 2030. كما قدمت دول عديدة تعهداتٍ بالوصول إلى "الحياد الكربوني" (جعل صافي انبعاثات الكربون يساوي صفر)، وهو ما قد ينقص معدل الاحترار العالمي إلى 1.8 درجة مئوية. ويتطلب وصول البلدان إلى صافي الصفر من الانبعاثات موازنةَ الكميات المنبعثة من الغازات الدفيئة مع إزالتها من الغلاف الجوي.

بالإضافة إلى ذلك، كشف المؤتمر المناخي الأخير عن انقسامات بين البلدان المتقدمة والنامية حول مفهوم "الخسارة والضرر" (Loss and Damage)، الذي يشير إلى الضرر الناجم عن التغير المناخي الناتج عن نشاط الإنسان، ومن تقع عليه المسؤولية في هذا النوع من الخسارة والضرر، وآليات التعويض. ولطالما ضغطت الدول النامية والدول الأشد ضعفاً من أجل تحديد واضح لـ"الخسارة والضرر"، لكن الدول المتقدمة قاومت الدعوات لإجراء مناقشات وافية حول هذه القضية.

في الختام، إذا كانت حالة الطوارئ المناخية معقَّدة في الوصول إلى حلولها المطلوبة، فإن آثارها المتوقعة في جميع أنحاء العالم لا تقل إشكالاً وتعقيداً. وليس من سبيل لحلّ هذه الأزمة سوى اجتماع البلدان للحَدِّ من الأضرار الكارثية التي تحدث. والأمر نفسه يسري على المستوى الفردي لكل منا، إذ يجب علينا جميعاً أن نتخذ قرارات واعية وفعَّالة لتقليل بصمتنا الكربونية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي