في الوقت الذي توقع فيه كثيرون إبرام اتفاق بين طالبان وإدارة ترمب هذه الأيام، انهارت توقعات عديد من المراقبين والمحللين والصحفيين في أفغانستان أوائل هذا الأسبوع.

ومن غير المستغرب أن يُلغَى هذا الاتفاق عبر حساب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على تويتر، إذ ألغى الرئيس ترمب مساء السبت، خلال ساعات الصباح الأولى في العاصمة الأفغانية كابول، محادثات السلام الدائرة مع الجماعة المتمردة، بما فيها اجتماع سري بين دونالد ترمب "وأبرز قادة طالبان والرئيس الأفغاني، كل على حدة" في كامب ديفيد يوم الأحد.

وقال ترمب: "كانوا في طريقهم إلى الولايات المتحدة هذا المساء. وللأسف، كي يكتسبوا نفوذاً زائفاً، اعترفوا بشنّهم هجوماً في كابول أسفر عن مقتل أحد جنودنا العظام، و11 شخصاً آخر. وألغيت الاجتماع فوراً ووقفت مفاوضات السلام".

وأصبح من الواضح الآن لعديد من المراقبين أن الهجوم الذي ذكره ترمب لم يكن السبب الحقيقي وراء قراره، ولكن المنطق يستدعي نظرة فاحصة.

أولاً، الـ"11 شخصاً آخر" كانوا من المدنيين الأفغان العاديين، الذين يعانون أكثر من غيرهم من الحرب والفوضى في بلدهم. ولم يبالِ دونالد ترمب يوماً بحياة هؤلاء الأشخاص. ولم يتجاهل قتلهم عشوائياً فحسب، بل شارك في ذلك ولا يزال يفعل.

ورغم أن إدارة ترمب هي من سعى إلى إجراء محادثات مع طالبان، حطمت أيضاً رقماً قياسياً جديداً في قصف أفغانستان وقتل وجرح آلاف المدنيين الأفغان. ففي عام 2018 ألقى الجيش الأمريكي قنابل على البلاد أكثر من أي وقت مضى.

وفي النصف الأول من عام 2019 قتلت القوات الموالية للحكومة، التي تضمّ جنوداً أمريكيين ومليشيات أفغانية مدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، عدداً من المدنيين يفوق العدد الذي قتلته جميع الجماعات المتمردة مجتمعة. وبعد تصريحات ترمب على تويتر، زعم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن "أكثر من 1000 عضو في طالبان" قُتلوا في الأيام العشرة الأخيرة.

وكالعادة، تنشر الحكومة الأمريكية هذه المزاعم دون تقديم أي دليل. والضحايا في معظم الأحيان أفغان مجهولو الوجه والهُوية. وكان معروفاً بالفعل في سنوات أوباما أن كل ذكر في سن الخدمة العسكرية، بمن فيهم القُصَّر، يعتبره البيت الأبيض "مقاتلاً عدواً" أو "إرهابياً" ما لم يثبت العكس.

ولم يتغير هذا المبدأ، وأوضح ترمب نفسه عام 2017 أن "بناء الأمة انتهى" وأن "مطاردة الإرهابيين وقتلهم" أصبح هو الأولوية. لا يتمتع الرجل في البيت الأبيض بأي سلطة أخلاقية حين يتعلق الأمر بالضحايا المدنيين.

وأخيراً وليس آخِراً، أثبت ترمب، مثله مثل الآخرين من قبله، أن أرواح الأمريكيين لها قيمة أكبر من أرواح مئات الأفغانيين مجتمعة. وليس سراً أن العديد من المدنيين الأفغان قُتلوا على أيدي طالبان والجيش الأمريكي وحلفائه الأفغان في أثناء المفاوضات. وأوضح كلا الطرفين أن وقف إطلاق النار لم يكن مطروحاً على مائدة المفاوضات بعد، وأن مهاجمة كلاهما الآخر من شأنها أن تعزّز موقفهما التفاوضي بطريقة أو بأخرى.

ولم يظهر أن أرواح الأفغان وجنود قوات التحالف التي أُزهقت كانت جديرة بالاحترام، لكن الآن بعد أن كانت طالبان على وشك زيارة كامب ديفيد، أصبح إزهاق الأرواح ذا أهمية قصوى؟

يجب تأكيد أن الأفغان العاديين يرون الإرهاب والموت قادمين من كل مكان. ولا يرون أي فرق بين التفجير الانتحاري في وسط مدينة كبرى وغارة ليلية قاتلة في قرية نائية في مقاطعة نانجارهار أو في أي مكان آخر. فنتيجة كل ذلك هي الفوضى وإراقة الدماء والدمار.

وحين يهاجم الجيش الأمريكي والجيش الأفغاني مجمعات سكنية في المناطق الريفية، فإنهم يعلمون أن أول الضحايا سيكونون من المدنيين. وحين تهاجم طالبان مدرعة أمريكية في وسط كابول، فإنها تعلم أيضاً أن أول الضحايا سيكونون من المدنيين الأفغان.

لكن دونالد ترمب ختم سلسلة تغريداته الغاضبة الأخيرة بالسؤال: "إلى كَم عقد آخر ترغبون في القتال؟".

والجواب بسيط في الواقع. من كلتا القوتين، تملك طالبان النفس الطويل، في حين أن الأمريكيين مصرّون على الرحيل يوميّاً، مثل غيرهم ممن دخلوا أفغانستان في العقود أو القرون السابقة. ويحضرني هنا المثل القديم الذي يقول "أنتم تملكون الساعات، لكننا نملك الوقت"، وهو مثل أفغاني، لكن بعض المحللين الغربيين نسبوه إلى طالبان.

وبينما كانت القيادة السياسية لطالبان تتفاوض في قطر، بدأ عديد من قادتهم على الأرض يفقدون أعصابهم. ومن الواضح أنه بعد قرار ترمب إلغاء المحادثات، سيزداد موقفهم من واشنطن وعدم ثقتهم بها تشدُّداً. ووصفت طالبان تحوُّل ترمب بـ"الغريب"، وقالت إنه بالتأكيد "أضر بمصداقيته".

في الوقت نفسه، قد تكون النخب السياسية في كابول، التي لم تكن تؤيد المحادثات الأمريكية مع طالبان منذ البداية، سعيدة كثيراً بإلغائها. وهم يستفيدون في الواقع من هذا الإلغاء استفادة كبيرة لأنه يؤمّن فسادهم واستمرار حربهم.

لكن يبدو أن هذه النخب ما زالت لا تفهم طبيعة الرئيس الأمريكي المزعجة، وأنها قد تجد نفسها في وضع سيئ مجدَّداً في غضون بضعة أسابيع أو أشهر، مع أنها تُهلّل اليوم.

هذا الموضوع مترجَم عن موقع TRTWORLD.

المصدر: TRT عربي