عادت الجهود الدبلوماسية الأسبوع الماضي لحلحلة الأزمة الأفغانية، وتبلورت مساعي الدولتين الراعيتين لمحادثات السلام الأفغانية، قطر والولايات المتحدة، بشكل ضاغط، في محاولة لإنعاش المحادثات التي دخلت مرحلة وفاة سريري، أو اقتربت منها على أقل تقدير.

الراعيان الأساسيان، ورغم مضي سبعة أشهر على انطلاق تلك المحادثات بالعاصمة القطرية والتي توجت بتوقيع اتفاق تاريخي بين جماعة طالبان وواشنطن في فبراير/شباط 2020، فقدا بعضاً من صبرهما.

إذ لا تخفي الإدارة الأمريكية الجديدة انزعاجها من حال الجمود الذي يطبع تلك المحادثات. وزاد الضغط الأمريكي خصوصاً بعد أن ارتفعت أصوات داخل الكونغرس تجهر باستحالة انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في الوقت الراهن، وبإمكانية التراجع عن اتفاق ترمب طالبان، ما لم تتوصل الأطراف المتنازعة إلى صيغة سلام تفضي إلى وقف فوري لإطلاق النار، وتجنيب أفغانستان شبح حرب أهلية نتيجة انسحابها العسكري في الأجل المحدد، أي مطلع شهر مايو/أيار المقبل.

بحث العسكريون الأمريكيون، وعلى رأسهم قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط الجنرال كينيث ماكينزي، فرضية تأجيل موعد انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان مع نظيره الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوا، خلال زيارة قام بها لهذا الغرض إلى إسلام آباد في 18 من فبراير/شباط الماضي.

لكن ماكينزي تلقى تطمينات من نظيره الباكستاني أفادت باستمرار تشجيع باكستان لحركة طالبان على التفاوض مع حكومة كابول. بل إن الجانب الباكستاني يسجل، وعلى الرغم من استمرار مظاهر العنف الذي يصاحب العملية التفاوضية في الدوحة، التزام طالبان طوال العام الماضي بعدم استهداف الجنود الأمريكيين العاملين في أفغانستان.

هذه الحقيقة على الأرض لم تغير رأي واشنطن من كون جماعة طالبان مسؤولة عن عدم تخفيض منسوب العنف وفق التزامها الصريح بمضمون الاتفاق مع إدارة ترمب.

ويؤكد الجانب الأمريكي أن تنظيم داعش يشن هجمات هو الآخر لكنها لا تقارن بهجمات طالبان. ومن هناك فإن الهاجس الذي يقض مضاجع العسكريين الأمريكيين هو استمرار مقاتلي طالبان في السيطرة على مزيد من الولايات الأفغانية، بما يكرس احتمالات عودة طالبان إلى السلطة بقوة السلاح بمجرد انسحابهم.

واشنطن لن تسحب قواتها من أفغانستان بحلول مايو/أيار المقبل (Getty Images)

وتبدو إدارة الرئيس جو بايدن جادة في دراستها لمراجعة الاتفاق مع طالبان بعد أن منحت فرصة أخيرة لمباحثات الدوحة قبل الإعلان عن قرار التراجع المحتمل.

ومن هذا المنطلق أرسلت واشنطن رسالة واضحة إلى طالبان من خلال إبقائها على مبعوثها الخاص لأفغانستان خليل زاده في منصبه، بعد وصول الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض. وفسرت تلك الإشارة بتأكيد الرئيس بايدن للجهود التي يبذلها خليل زاده، وهو البشتوني المسلم، والدبلوماسي المتمرس الذي يتحدث لغة مفاوضيه ويعرف عقليتهم ويحظى باحترامهم منذ أن تولى مهامه قبل نحو عشرين عاماً.

إشارة ثانية بعثت بها واشنطن لإخراج محادثات الدوحة من مرحلة الجمود، تجلت في عرضها خطة على الفرقاء تقضي بتوسيع عضوية البرلمان الأفغاني الحالي ليشمل نصف أعضائه من جماعة طالبان، ويعين رئيساً بالإنابة، متفقاً عليه، لمرحلة انتقالية يتولى خلالها الرئيس بالإنابة تدبير عملية الانتخابات المقبلة. واشترطت واشنطن مقابل ذلك أن تلتزم طالبان بعدم إيواء من تنعتهم بالإرهابيين، وعدم السماح للتنظيمات الجهادية باستهداف أمن دول أخرى انطلاقاً من أفغانستان، أو توفير "الملاذات الآمنة والروابط العسكرية" في الدول المجاورة.

لكن ردود فعل الأطراف الأفغانية على هذه الخطة بدت محتشمة، ولم تتبلور بشكل نهائي حتى اللحظة.

أمام هذه التطورات المتسارعة دخلت روسيا على خط الدفع بجهود مباحثات السلام الأفغانية، ووجهت دعوة الى أطراف النزاع لحضور اجتماع في موسكو قبل نهاية الشهر الجاري. وهي دعوة لم تبحثها مسبقاً مع الراعيين الأمريكي والقطري بحجة أنها تندرج في صميم مسارات اجتماعات الدوحة، وتشكل تكملة لمبادرتين سابقتين لكل من تركيا وروسيا.

وعلل سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، تلك الدعوة حين حضوره اجتماعات ثلاثية مع نظيريه القطري والتركي في 12 مارس/آذار الجاري في الدوحة، بكون المبادرة لا تشكل منافسة لقطر، وإنما تعد تكملة لجهود مبادرة روسية صينية باكستانية لزحزحة الركود الذي توقفت عنده مباحثات السلام.

وعلى نفس هذه النغمة أيضاً عزف وزير الخارجية القطري الشيخ عبد الرحمن آل ثاني، مؤكداً وجود تنسيق بين موسكو والدوحة وتوصل قطر بدعوة للمشاركة في هذه الاجتماعات.

ومهما يكن فإن الدعوة الروسية لا يمكن أن تخرج عن جملة الضغوط السياسية الممارسة على فرقاء الأزمة الأفغانية، للوصول إلى اتفاق سريع يسبق مرحلة ما قبل الانسحاب العسكري الأجنبي من أفغانستان. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح لماذا هذا التدافع الدبلوماسي الأجنبي والإصرار الدولي على إخراج حل للأزمة من عنق الزجاجة؟

دبلوماسية السلام و… حرب المصالح

شكل الموقع الجغرافي لأفغانستان منذ القدم سبباً رئيسياً في أن يكون هذا البلد مفتاح اللعبة الجيوسياسية للقوى الكبرى في المنطقة، خصوصاً لدى دول الجوار. ولا شك أن رغبة تلك الدول في تأمين موارد آسيا من النفط، ومد خطوط نفط آسيا الوسطىنحو أسواق جنوب آسيا تشكل واحداً من عوامل الدينامية الحالية لتحريك ورقة السلام في أفغانستان.

وكما يعرف ذلكزبيغنيو برجينسكيفي في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" الصادر في عام 1997، "فإن كلاً من أفغانستان ومنطقة آسيا الوسطى تمثّلان محوراً جيوسياسياً"، والمحاور الجيوسياسية هي الدول "التي لا تَستمد أهميتها من قوتها ودوافعها، بل من موقعها الحساس ومن عواقب ظروفها الضعيفة التي تجعلها عُرضة لسلوك اللاعبين الجيواستراتيجيين".

علاوة على ما تزخر به أفغانستان من ثروات طبيعية كالنفط والغاز والذهب، والتي قدرها الرئيس السابق حامد كرزاي بحدود تريليون دولار، وفقاً لعمليات مسح طوبوغرافي نفذتها شركات أمريكية، فإن لعاب الدول الكبرى المجاورة يسيل لاستغلال مناجمالليثيومالأفغانية المستخدمة في صناعة البطاريات الفائقة الجودة المستعملة في صناعة الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر وغيرها من أدوات التكنولوجيا المعقدة.

ولا غرو أن يذكر ذلك تقرير داخلي للبنتاغون نشر في عام 2007، إذ تكهن بأن تصبح أفغانستان مستقبلاً بفضل الليثيوم في نفس مستوى السعودية.

انطلاقاً من هذه المعطيات الجيواستراتيجية يمكن فهم الاهتمام الأمريكي من جهة، والصيني الروسي من جهة ثانية بمستقبل السلام في أفغانستان. فلكل بلد حساباته التي تلتقي عند المصالح المتأتية بعد استقرار أفغانستان.

وبكلمات أخرى فإن الولايات المتحدة التي تمكنت من إسقاط نظام حركة طالبان إثر تدخل عسكري دولي في عام 2001 وطرد القاعدة من أفغانستان تتحرك ضمن هدف جيوسياسي غير معلن يروم إخراج روسيا والصين من دائرة منافستها على الموارد الطبيعية في أفغانستان وآسيا الوسطى.

في حين أن الحسابات الصينية تقوم على تعزيز روابطها الاستثمارية مع أفغانستان بما يخدم تنفيذ مشروعها العالمي "حزام واحد، طريق واحد".

فالموقع الجغرافي لأفغانستان جعل من هذا البلد همزة الوصل بين جمهوريات آسيا الوسطى وبين الصين والشرق الأوسط. ونتيجة لذلك تجد الصين في استقرار أفغانستان منفعة لمصالحها الآنية والمستقبلية. لكن في المقابل تطرح بكين إرهاصاتها الأمنية وتضع خطاً أحمر على أية علاقة تقوم مستقبلاً بين جماعة طالبان وطائفة الأويغور المسلمة ذات النزعة الانفصالية.

من هذا المنظور لا تخفي بكين قلقها من استضافة أفغانستان لمقاتلي حركة تركستان الشرقية الإسلامية المشكلة من مقاتلي الأويغور.

ولباكستان التي تعتبر أفغانستان حديقتها الخلفية، حساباتها هي الأخرى. فمنذ تسعينيات القرن الماضي شكلت إسلام آباد الداعم الرئيسي لجماعة طالبان قبل أن يشتد عودها. فكانت من بين أول ثلاث دول اعترفت بحكم طالبان حين وصولها إلى الحكم في خريف عام 1996.

كما كانت الأراضي الباكستانية الملجأ الآمن لقيادات طالبان وعائلاتهم بعد إزاحتها عن الحكم في ديسمبر/كانون الأول من عام 2001.

ومن هناك فإن الباكستان ترى في عودة طالبان إلى الحكم عاملاً إيجابياً لخدمة أهدافها الاستراتيجية، وفي مقدمتها تسوية الخلاف الحدودي بين البلدين حول خط ديورند، الممتد على مساحة 2200 كيلومتر. وهو خط يحمل اسم السير هنري مارتيمور ديورند وزير الخارجية في حكومة الهند البريطانية التي وقعت بشأنه اتفاقية مع الأمير الأفغاني عبد الرحمن خان في عام 1893.

ويعد هذا الخط من أخطر الخطوط الحدودية عبر العالم، لكونه يخترق جنوباً منطقة بشتونستان القبلية ثم منطقة بلوشستان، بعد أن قسم قبائل البشتون والبلوش وجماعات عرقية أخرى تعيش على أطراف الحدود. وتعرف المنطقة بين الفينة والأخرى تحرشات، كان آخرها توتر مسلح اندلع في عام 2017، وصرح في أعقابه الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي بأن أفغانستان لن تعترف أبداً بخط ديورند كنقطة حدودية بين البلدين.

ولعل بريطانيا استهدفت من هذا الترسيم الحدودي تأمين أفغانستان كمنطقة عازلة بين المصالح البريطانية والروسية في المنطقة. وهو الوضع الذي ورثته باكستان غداة استقلالها في عام 1947.

ولا تقل مخاوف الهند عن مخاوف المعارضين لانسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان دون توصل أطراف النزاع إلى اتفاق سياسي. فقد عاشت الهند تجربة مريرة غداة انسحاب القوات السوفييتية في عام 1989 تمثلت في التوترات التي عرفتها منطقة كاشمير.

وتخشى الهند اليوم أن يؤدي أي انسحاب في الظرف الحالي إلى اندلاع حرب أهلية داخل أفغانستان تسبب فرار الجماعات الجهادية إلى إقليم كاشمير، حيث تجمع سكانه صلات العرق والدين واللغة بالكشميريين، وتحول الإقليم قاعدة انطلاق لعمليات عسكرية على الحدود مع أفغانستان.

وفي حساب الربح والخسارة، تجد الهند نفسها الخاسر الأكبر في حال عودة طالبان إلى الحكم، خصوصاً بعد أن كثفت من مستوى علاقاتها السياسية والتجارية مع حكومة كابول، وراهنت على بقاء الحكم القائم. كما تستنج أن عودة طالبان إلى السلطة ستعزز من دور غريمها الباكستاني داخل أفغانستان، وتحجب عنها صفقات المشاركة في برامج تنمية أفغانستان.

لا شك أن الدول المجاورة لأفغانستان، ومن خلال مواكبتها لتطورات الوضع الميداني ولجهود السلام قد اختارت ضمنياً الرهان على ورقة طالبان، أو على الأقل هذا ما تتمناه.

فجماعة طالبان التي تسيطر على أكبر رقعة من أفغانستان، تعتمد على مقاتلين مدربين يزيد عددهم بقليل على 60 ألف مقاتل، وعلى حاضنة شعبية تقر لها بالولاء. وهي من أجل ذلك كله تفاوض حالياً من موقع القوة وتقدم نفسها للأفغان قوة فاعلة أنجزت ما لم تتمكن الحكومة الحالية من إنجازه، من خلال اتفاقها مع الإدارة الأمريكية على إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في البلاد.

لكن السؤال الذي يُطرَح بإلحاح في غرف النقاش الغربية يتعلق بالصورة النمطية التي علقت بالأذهان في أثناء فترة حكم طالبان. فغالبية المتتبعين يتفقون على كون تلك المرحلة وفرت الأمن والأمان للمواطن فانخفضت معدلات الجريمة، وساد العدل بحكم المركز الديني الذي يتبوؤه القضاة، وتوقف إنتاج مخدر الأفيون بشكل جد ملحوظ، لكن مستوى عيش الإنسان الأفغاني لم يتغير، كما لم تُحترم حقوقه الأساسية.

المتفائلون والساعون لدحر الصورة النمطية عن حكم طالبان يجزمون أن الجماعة تغيرت بعد سقوطها من الحكم، وأن حقبة ما بعد السقوط بلورت لدى بعض قيادات طالبان مفاهيم جديدة لما تتبناه الجماعة كعقيدة وكرؤية سياسية، ولما يطلبه المجتمع الدولي منها لتحقيق المساواة وحرية المرأة وحق الاختلاف وغيرها من المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان عموماً.

وهذه المطالب الدولية وجدت داخل الجماعة مناصرين ومؤيدين ينادون بممارسة مبدأ الليونة، وإيجاد أجوبة عن أسئلة مفاهيمية تخص جانباً من التوابث دونما التفريط في مطلبها الأساسي، أي قيام نظام حكم إسلامي يقوم على الشريعة وعلى أصول المذهب الحنفي.

ولعل من مؤشرات فهم تغيرات المرحلة، واستيعاب شروطها لدى طالبان قبولها اليوم بضم سيدات إلى وفد مفاوضيها في الدوحة، واعتراف قادتها علناً بأخطاء حصلت في الماضي كانت برأيهم نتيجة لقلة المعرفة والخبرة بتسيير الشأن العام.

ولعله من النضج السياسي أن تقيم طالبان اليوم علاقات متينة مع النظام الإيراني الذي حاربها بقوة وناصبها العداء. وكادت حرب أن تشتعل بين حكومة طالبان وإيران في عام 1998،عقب مقتل دبلوماسيين إيرانيين في مدينة مزار الشريف.

وللتذكير فإن إيران كانت من الدول التي ساهمت في عملية إسقاط حكم طالبان من خلال مساندتها ودعمها للتحالف الشمالي بقيادة أحمد شاه مسعود المناهض لطالبان، ودعم الأقليات الشيعية متمثلة في طائفتي الهزارا والطاجيك المتمركزتين في منطقتي هرات وكابل، والتي تعرض أفرادها لاضطهاد إبان حكم طالبان ما بين الفترات الممتدة من 1996 إلى 2001.

واليوم تجد إيران في طالبان حليفاً قوياً لمواجهة أكبر أعدائها في أفغانستان ممثلاً في تنظيم داعش، وضامناً لسلامة حدودها الممتدة من ولاية هلمند في الجنوب الأفغاني إلى ولاية قندوز في الشمال. ومن هذا المنظور فإن هاجس إيران الاستراتيجي لا يختلف كثيراً عن هواجس الهند والصين، فهي الأخرى تسعى لإقامة منطقة عازلة تحميها من الارتدادات التي قد يسببها شبح حرب أهلية باتت متوقعة في حال فشل المساعي الدولية لإقرار السلام في بلد حولته الحروب المتعاقبة منذ نشأته مستنقعاً للكبار.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي