مقاتلين تابعين للمليشيات الإيرانية في سوريا (Others)

إذ استثمرت فيه اجتماعياً ودينياً وعسكرياً، لتتوّج هذا الاستثمار بتشكيل لواء هاشميون من العشائر التي تقول إنّ نسبها يعود إلى الأشراف الهاشميين، وعلى رأسها عشيرة المشاهدة والويسات، بعد إغراءات بمنح منتسبي اللواء شهادات نسب ورواتب مغرية تصل إلى نحو 200 دولار أمريكي للمنتسب، أي أكثر من ثمانية أضعاف متوسط رواتب الموظفين الحكوميين في مؤسسات نظام الأسد.

تلك المغريات فتحت الباب واسعاً أمام نحو 250 شاباً لإعلان انتسابهم إلى هذا اللواء الذي شكّله يوسف الحمدان المعروف باسم "أبو عيسى المشهداني"، أحد أذرع إيران في مدينة البوكمال التابعة لمحافظة دير الزور، التي تُعتبر معقلاً الوجود الإيراني في سوريا بسبب محاذاتها للحدود السورية-العراقية.

يعكس تشكيل لواء هاشميون استراتيجية إيران في سوريا، التي تعتمد على الاستفادة من التنوع المذهبي وانقسامه بعد انطلاق الثورة السورية، إذ تسعى لتشكيل مليشيات عسكرية قد تنتهي بضمّها في كيانين شيعيَّين، أحدهما مؤدلَج يقوده "سرايا الغالبون" التي يطلق عليها اسم "سرايا المقاومة الإسلامية في سوريا"، ومعقلها الأساسي مدينة اللاذقية السورية، والكيان الآخر شيعي غير مؤدلَج لم تُحسم قيادته بعد، بل يُعتقد أنّ لشيخ عشيرة البقارة نواف البشير دوراً كبيراً فيه، ومعقله الأساسي مدينة دير الزور ذات الطبيعة العشائرية، وتلك التجربة سبق أن خاضتها إيران في لبنان من خلال حزب الله وحركة أمل.

تعوّل إيران أيضاً على سُنّة المنطقة، وتسعى جاهدة لتشكيل مكوّن سُنّي ذي ذراع سياسية وآخرى عسكرية، لتستنسخ نموذجاً سورياً من "حركة الجهاد الإسلامي" لكن بشكل يختلف في التبعية والولاء، متّكئة على شعور السُّنّة بخيبة الأمل، مما يسمح لها بتكييفه كيفما تشاء، وهذا يعطيها إمكانية كبيرة بالتجذر في سوريا بحيث لا يمكن لدول الصراع إخراجها من المنطقة أو إخراج سوريا التي تعتبرها واسطة عقد مشروعها ذي الخلفية القومية الفارسية الذي طرحته تحت عباءة آيديولوجية دينية.

إذاً فنحن أمام ثلاثة مكوّنات، سنّي وشيعي غير مؤدلج وشيعي مؤدلج، لا ترتبط بالدولة السورية لكن تؤثر في جميع مفاصل الدولة والمجتمع، وتستحوذ على بعضها، وهذا ما يفتح المجال لحكم الدولة عن طريق اللا دولة، ونموذج لبنان خير مثال على ذلك، فاللا دولة المتمثل بحزب الله يتحكم بالدولة ومفاصلها.

تلك الاستراتيجية لم تتبعها إيران في لبنان فقط، فلها تجربة ثانية في العراق من خلال الحشد الشعبي ومليشيا عصائب أهل الحق ومليشيا بدر التي يقودها هادي العامري صاحب الأدوار الكبيرة في التأثير في سياسية العراق، وهذا يعني أنّ إيران تعمل على أن تبدأ المليشيات الشيعية أو المتشيّعة طرح نفسها كقوة عسكرية لأغراض قتالية على الأرض، لتعمل في ما بعد على إدماجها في العملية السياسية في حال ضمنت انتماءها وولاءها لها.

تشكيل تلك المليشيات له أيضاً هدف آخر يرتبط بعملية التغيير الديموغرافي في سوريا، فهي منطقة نزاع تعرّضت لزعزعة في الدولة والمجتمع، مما يجعلها مؤهلة لأي عملية تغيير ديموغرافي، فكما تسعى مليشيا قسد المرتبطة بتنظيم PKK الإرهابي لهذا التغيير في شرق الفرات، تسعى إيران لتغييره في غرب الفرات وحمص وحلب ودمشق، وكما سيطرت على المؤسسات وعلى رأسها المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية، فهي تريد خلق كيانات عسكرية موازية للمؤسسة العسكرية، بحيث لا يمكن لأي حل سياسي أن يخرجها من الساحة السورية إن تم هذا التغيير، فسيكون لها قوة كبيرة في السياسة والمجتمع محميّة من القوة العسكرية التي لا يرتبط سلاحها بالدولة.

بالعودة إلى مليشيا هاشميون التي بدأت إيران تحويل مهامها من وظيفية تُعنى بحراسة المقرات العسكرية والمراكز الثقافية الإيرانية ومراكز التشييع، إلى وظيفة قتالية، فإنّه على ما يبدو بداية لتوظيفها كأداة شيعية جديدة وتمكينها عسكرياً وسياسياً لتحقيق مصالحها، واستخدامهما كورقة مساومة وضغط في مواجهة الأطراف الإقليمية والدولية، وتهديد خصومها في ما بعد إذا ما أُنتجَ الحل السياسي بما لا يتوافق مع رؤيتها لهذا الحلّ.

تدرك إيران أنّ المليشيات غير المحلية كحزب الله اللبناني وزينبيون وفاطميون ستخرج من سوريا بعد التفاهم على شكل الحل السياسي، وتلك رغبة إيرانية أيضاً، فهي تستنزفها اقتصادياً بشكل كبير، وتكلفة المليشيات المحلية أقلّ من تكاليف المليشيات المستجلبة من الخارج، كما أنّها تدرك استحالة توظيف تلك المليشيات لخدمة المشروع السياسي، وإن كان لها دور قتالي كبير خلال الحملات العسكرية على دير الزور وحمص وحماة وريف دمشق ودرعا وغيرها من المحافظات السورية، فإنّ دورها الوظيفي انتهى بعد سيطرة الأسد على رقعة واسعة من البلاد.

تختلف مطامع الدول الداعمة لنظام الإبادة في دمشق، إلا أنّ أخطرها هي المطامع الإيرانية التي تسعى لاستهداف عمق المجتمع وإحداث التغيير الديموغرافي بما يتناسب وأحلامها المبنية على أساس إمبراطوري قومي توسُّعي، وتلك لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الهيمنة على المفاصل السياسية والعسكرية لتحمي التغيير الذي ستُحدِثه في بنية المجتمع، وتلك هي استراتيجيتها ومشروعها الأهمّ، إن لم يكن الوحيد.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي