ما يجري في ليبيا لا يشكل خطراً عليها وحدها فقط، بل يهدّد منطقة شمال إفريقيا، ومنطقة الساحل، وقد تكون له مضاعفات سلبية على الوضع المتحول سياسياً في المنطقة وتُجهَض مجدداً الآمال التي تحملها الشعوب.

في لقاء جمعني في إسطنبول قبل سنة مع مسؤول ليبي سابق، كان مما أسرّ لي به أن الليبيين أضحوا كراكيز في بلدهم بفعل التدخلات الأجنبية، وأن مجال تدخلهم محدود، بل منعدم، رغم وجود نخبة واعية. وأضاف أن ما يؤجّج الوضع هو مخلفات نظام القذافي التي غرست العنف في نفوس الناشئة بإحضار التلاميذ في الملاعب لحضور إعدامات المعارضين. تَولَّد عن ذلك ثقافة العنف والكراهية والأحقاد. كان كمن يعبّر عن يأس بفعل التدخلات الأجنبية، وأسًى بفعل مخلفات نظام القذافي.

تذكرت هذا التقييم من لدن واحد من أبناء ليبيا، ومَن تَقلَّد المسؤولية بها، وسبق أن اختُطف من قِبل ملشيات كادت تُجهِز عليه، لولا تَخوُّفها من ردود فعل قبيلته، تذكرت ذلك مع ما يجري في ليبيا، واحتدام الصراع بين قوات حفتر وقوات الوحدة الوطنية لفايز السراج، مما يدفع بحرب أهلية تهدّد وحدة البلاد ونسيجها الاجتماعي.

وهو أمر له خطورة، ليس على ليبيا وحدها، بل على منطقة شمال إفريقيا وكذا الساحل، فضلاً عن مضاعفاته الأمنية في المنطقة وأوربا، وتدفق الهجرة على أوروبا. هي بؤرة إن لم يتم وضع حدّ لها، فمن شأنها أن تهدّد الوضع المتحول سياسيّاً في شمال إفريقيا، وتجهض الآمال التي تحملها شعوب المنطقة.

من دون شك أسهمت التدخلات الأجنبية في تأجيج التوتر، وما نشرته جريدة لوموند الأسبوع المنصرم (25 أبريل) حول الوضع في ليبيا يؤكد أن التدخلات الأجنبية هي جزء من المشكلة لا من الحل. وقد شفعت الصحيفة بصورة من طرابلس تحمل صور كل من محمد بن زايد وعبد الفتاح السيسي وإيمانويل ماكرون، مع التعليق التالي بالعربية: "كُفُّوا أيديكم عنا".

التحقيق الذي نشرته جريدة لوموند يشير إلى تذبذب سياسة فرنسا التي تتأرجح ما بين التأييد الرسمي لحكومة فايز السراج، والمسانَدة الفعلية لقوات حفتر بالسلاح والمعلومات والتأطير في حربها على الإرهاب. لكي تواجَه فرنسا بعدها، رغم علاقاتها مع حفتر، بزحفه على طرابلس وقصفه لها. وتوحي الجريدة بأن حفتر لم يكن ليُقدِم على ما أقدم عليه لولا إيعاز ضمني من قِبل الولايات المتحدة، وبالضبط الرئيس ترامب الذي يكون أعطى الضوء الأخضر للرئيس المصري بالتدخل، حسب الجريدة الفرنسية.

سياسة فرنسا في ليبيا تتأرجح ما بين التأييد الرسمي لحكومة فايز السراج والمسانَدة الفعلية لقوات حفتر بالسلاح والمعلومات.

حسن أوريد

تُحيل الجريدة كذلك إلى أن من أسباب تذبذب الموقف الفرنسي، أن فرنسا لا تتكلم لغة واحدة في ما يخص الشأن الليبي، وتتوزع ما بين الخارجية التي تدعّم الحكومة الشرعية لسراج، ووزارة الدفاع التي تساند قوات حفتر. الدافع الرئيسي الذي كان يحدو فرنسا في دعمها لقوات حفتر هو القضاء على العناصر المتطرفة وبؤر الإرهاب وتأمين منطقة الساحل.

الرؤية الاستراتيجية لفرنسا تقتصر على منقطة الساحل، كما عبّر عن ذلك المبعوث الأممي غسان سلامة. وبتعبير آخر لم تكُن فرنسا تنظر إلى ليبيا إلا بمقدار ما قد يؤثر ذلك في الوضع الأمني في منطقة الساحل، ولذلك لم تبخل بالدعم على حفتر، ورأت فيه الرجل القوي الذي يمكن أن يتعقب بؤر التطرف في ليبيا. وتنقل جريدة لوموند تصريحاً للرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند الذي أشار إلى أن دعم حفتر تم بتنسيق مع مصر وبإيعاز منها.

المقال يشير إلى أن موقف فرنسا غذّى التوتر، لأن الدعم الذي كانت تقدمه فرنسا لقوات حفتر للقضاء على بؤر التطرف، تَحوَّل إلى أطماع تهدّد الحكومة الشرعية، من دون إخطار فرنسا. سياسة فرنسا تتعارض مع سياسة إيطاليا المساندة للحكومة الشرعية، وهو الأمر الذي أجّج التوتر بين البلدين، والحال أن نجاح فرنسا رهين بالتنسيق مع إيطاليا التي لها علاقات تاريخية واقتصادية عميقة مع ليبيا.

للبلدين رؤيتان مختلفتان للوضع في ليبيا. يهم إيطاليا بالدرجة الأولى ضمان إمداداتها من البترول ومراقبة تدفُّق المهاجرين، أما فرنسا فتحركها اعتبارات أمنية مرتبطة بالحرب على الإرهاب وتعقُّب بؤر المتطرفين. انعدام التنسيق بين بلدين أوربيين يخالف ما كانت تدعو إليه فرنسا من سياسة أوربية موحدة في مواجهة استفراد أمريكا ترامب بالقرار.

سياسة فرنسا في ليبيا وصلت إلى الباب المسدود، كما تشير جريدة لوموند. فلم تسهم في نزع الفتيل، الأمر الذي يفرض على فرنسا مراجعة سياستها في ليبيا.

الحلّ ينبغي أن يكون ليبيّاً بالأساس في معزل عن تدخلات أجنبية أو أجندات معيَّنة لأن التدخلات الأجنبية هي التي أجَّجَت الوضع.

حسن أوريد

لفرنسا دور في استتباب الأمن في حوض البحر الأبيض، ولكن دون أن يحجب أطرافاً أخرى، أو يُزرِي بمصالحها. لكن الحلّ ينبغي أن يكون ليبيّاً بالأساس، في معزل عن تدخلات أجنبية أو أجندات معيَّنة، لأن التدخلات الأجنبية هي التي أجَّجَت الوضع، على حساب ليبيا واللبيبين، ومن شأنها أن تزجّ بليبيا في حرب أهلية ضَرُوس.

ومن جهة ثانية ينبغي أن يتم الحل وفق ضوابط أساسية، وهي أولاً وحدة ليبيا، وثانياً نبذ الخيار العسكري، وثالثاً الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجهوية، أو الوحدات الثلاث، برقة، وطرابلس، وفزان، في إطار فيدرالي أو جهوية موسَّعة.

منطقة شمال إفريقيا تمر بمرحلة دقيقة يمكن أن تنفتح على آمال واعدة، ولكنها يمكن أن تغور في الاضطرابات والتوتُّر. ومَحَكّ النجاح يمرّ باستتباب الأمن في ليبيا في إطار الشرعية، وبغطاء أممي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي