اضمحلّت في الآونة الأخيرة مفردات الديمقراطية وحقوق الإنسان في تصريحات القادة الأوروبيين عن العالم العربي، فالأولوية هي للمصالح. ولكن بعد اغتيال خاشقجي يبدو أن مهمة تسويق الاستبداد ستغدو أكثر صعوبة.

ليس مطلوباً من الحاكم العربي أن يكون ديمقراطياً، فقد يكفيه افتتاح دور السينما وإصدار بلاغات ضد التطرف وإبرام صفقات بمليارات الدولارات مع دول غربية. هذا هو مغزى اتجاهات المضامين السياسية والتغطيات الإعلامية في أوروبا والولايات المتحدة، حتى اندلاع قضية خاشقجي. احتفت الأغلفة بمنح النساء السعوديات حرية قيادة السيارة، وصرفت النظر عن الحريات الأساسية للمواطنين والمواطنات، وافتتح الفرنسيون فرعاً خليجياً لجامعة السوربون وآخر لمتحف اللوفر في دولة الإمارات دون الاستفسار عن مدى ترحيب الإقليم بقيم الثورة الفرنسية مثلاً، أما الرئيس ترمب فواصل إصدار تعليمات الدفع العلنية لدول الخليج لتوفير "وظائف، وظائف، وظائف" لمواطنيه.

تم إبراز "إصلاحات اجتماعية جريئة" لكسب الثناء السياسي والإعلامي في أوروبا التي تجاهلت خنق الحريات العامة في دول عربية عدة. جرى إظهار المرافق الترفيهية والمهرجانات الاحتفالية بديلاً عن ثقافة المواطنة والحياة الديمقراطية والحقوق والحريات. وجدّدت بعض الأنظمة العربية تسويق ذاتها في الغرب على أنها الضامن الوحيد للأمن والاستقرار، مع تأكيد دورها في "مكافحة الإرهاب" والتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي. تواطأت أوروبا السياسية، كما فعلت الولايات المتحدة، مع هذا النهج المضلل، وتجاهلت انتهاكات جسيمة واصل شركاؤها السلطويون اقترافها في العالم العربي بلا هوادة. صعد منطق المصالح التقليدي بضراوة في عهد دونالد ترمب، لكنه ترافق مع تصريحات وتغطيات تُبدي الإعجاب بخطوات "الانفتاح الاجتماعي" و "الإصلاح الديني" و "مكافحة التطرف".

كان لسياسة السكوت العالمي عن التجاوزات الجسيمة مفعولها في إغراء الاستبداد باقتراف المزيد منها.

حسام شاكر

استفادت تلك السلطات العربية من علاقاتها الوثيقة على جانبي الأطلسي بمواصلة نهج قمعي جاء في شكله ومضامينه أشدّ وطأة مما سبق "الربيع العربي". والنتيجة أنّ آلافاً مؤلفة من النخب العربية تقبع في سجون بائسة بلا أي اتصال مع العالم على خلفية آرائها ومواقفها المستقلّة، أو لرفضها الانسياق في الدعاية الرسمية المؤيدة لقادة يتم مدّ البساط الأحمر لهم في عواصم غربية، بينما يستمر القضاء المصري في إصدار أحكام جماعية بالإعدام على سجناء سياسيين.

وفي غضون ذلك وضعت السلطات الأمنية في دول عربية عدّة أيديها على اتجاهات التداول في مواقع التواصل الاجتماعي عبر حزمة خيارات مشددة أهالت التراب على سنوات من الحرية النسبية في الشبكات. كما عمدت الحكومات ذاتها إلى تدشين استراتيجيات فكرية وثقافية دؤوبة تعيد إلى الأذهان مفهوم "حرب الأفكار" الذي اشتهر خلال الحرب الباردة في مواجهة الشيوعية واستعاده المحافظون الجدد في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن. وإن زعمت الشعارات المرفوعة "مكافحة الفكر المتطرف" فإنّ المضامين الواقعية مكرّسة ضد ثقافة الحريات في العمل المدني والسياسي، وتطفح برسائل الترهيب للمجتمعات من أي تعبير مستقلّ عن الرأي أو الموقف، مع تصنيف أي نقاش حرّ أو اعتراضات علنية على أنه سلوك متطرف ودعوة إرهابية.

تفاقم الموقف على هذا النحو دون أن يستوقف السياسات الخارجية الأوروبية التي فقدت ذاكرتها سريعاً على ما يبدو. فعندما ثار الغضب الجماهيري في انتفاضات عربية غير مسبوقة سنة 2011؛ أحدثت أوروبا السياسية انعطافة في خطابها لإبداء التقدير للشعوب ولتأكيد حرصها على الحقوق والحريات. أعلن مسؤولون أوروبيون وقتها عن ضرورة الكفّ عن تغليب منطق المصالح على الالتزام المبدئي بدعم الديمقراطية، وتبنّى الاتحاد الأوروبي استراتيجية جديدة نحو جيرانه الواقعين جنوب المتوسط بما يراعي متغيرات العهد الجديد. وما إن انكفأ الربيع بعد سنتين، على مرأى من أوروبا والعالم؛ حتى وجد الاستبداد الجديد أحضاناً أوروبية دافئة، وكأنّ شيئاً لم يكن.

صحيح أنّ أوروبا السياسية واصلت إصدار بلاغات الإعراب عن القلق من حالات اعتقال أو تضييق أو حظر، خاصة إن مسّت منظمات غير حكومية معيّنة أو إن تعلّقت بوجوه معروفة من ناشطي حقوق الإنسان؛ لكنّ القطاعات الأعرض من سجناء الرأي وحالات الإخفاء القسري والجماهير المقموعة لم تحظَ بالتفاتات ملحوظة. وفي النهاية لم تكبح تلك البلاغات في مجموعها مجرى الانتهاكات، بينما أخذت العلاقات الأوروبية الوثيقة مع عواصم الانتهاكات ذاتها تتعاظم، وهو ما يشير إلى أنّ لغة الحقوق لا تقوى على مناهزة استراتيجيات المصالح.

جاءت قضية خاشقي لتضع أوروبا والولايات المتحدة في مأزق غير محسوب مع المسار الذي استساغته الأطراف الغربية بديلاً عن الديمقراطية في العالم العربي.

حسام شاكر

اضمحلّت مفردات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية في تصريحات القادة الأوروبيين عن العالم العربي، فالأولوية هي للمصالح الاستراتيجية والتعاقدات الاقتصادية والتعاون في إبعاد اللاجئين عن سواحل أوروبا.

ثم جاءت قضية الكاتب والإعلامي العربي البارز جمال خاشقي لتضع أوروبا والولايات المتحدة في مأزق غير محسوب مع المسار الذي استساغته الأطراف الغربية بديلاً عن الديمقراطية في العالم العربي؛ الذي ما عاد بالوسع تسويقه كما في السابق.

كان لسياسة السكوت العالمي عن التجاوزات الجسيمة مفعولها في إغراء الاستبداد باقتراف المزيد منها، والفارق في قضية خاشقجي أنها جاءت صادمة للغاية وما زالت تطوّراتها تشغل شاشات العالم وشبكاته وصحفه، بما يعيق الاستمرار في تسويق انطباعات وهمية عن إصلاحات شكلية. إنّ الأسئلة المتأججة عن مصير خاشقجي لن تكبحها ألف دار للسينما يتم افتتاحها في جزيرة العرب، ولن تطمسها حشود المهرجانات الغنائية التي تواصل معزوفاتها الصاخبة. فهل انتهت اللعبة أم سيُعاد إنتاجها من جديد؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي