بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي لصفقة القرن، وإعلان الفلسطينيين رفضهم لها، وصلت جينا هاسيل رئيسة جهاز المخابرات المركزية الأمريكية سي آي إيه، بصورة سرية لمدينة رام الله وسط الضفة الغربية، والتقت اللواء ماجد فرج رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية

كما التقت هاسيل عدداً من كبار المسئولين الفلسطينيين، الذين طمأنوها بأن التنسيق الأمني الفلسطيني الأمريكي لن يتضرر عقب إعلان الصفقة.

أثارت هذه الزيارة السرية والخاطفة تساؤلات فلسطينية حول أسبابها الحقيقية، وما الأمر العاجل الذي دفع بهذه المسئولة الأمريكية الكبيرة للوصول لرام الله، ألم يكن بإمكانها أن ترسل أحد مساعديها، أو تستدعي فرج إلى واشنطن؟ وهل كانت الزيارة بغرض إقناع الفلسطينيين بقبول صفقة القرن، أم مسائل أخرى، قد يكون من بينها التحضير لخلافة عباس؟

قبل الزيارة بأيام قليلة، كُشف النقاب عن إحباط محاولة اغتيال فرج، مما أثار جدلاً كبيراً في الساحة الفلسطينية حول ارتباط الحدثين ببعضهما، لأن ذلك يفتح الباب واسعاً للحديث عن حرب تصفيات جسدية بين المتنافسين الفلسطينيين لخلافة عباس، وكيف سيكون تأثير محاولة الاغتيال على فرص فرج بخلافته.

تشير الزيارة الأمريكية المهمة إلى رام الله، ولقاء رئيسة السي آي إيه بماجد فرج، فرضيات عديدة من بينها معرفتها بالتأثير الكبير الذي يحوزه الأخير على عباس، والطلب منه إقناعه بصفقة القرن، وعدم الرفض الفوري والكامل لها، بل إخضاعها لمزيد من النقاش والمشاورات مع الإدارة الأمريكية.

هذه نقطة، نقطة أخرى ذات صلة مباشرة بالصفقة، وتتعلق بالطلب من فرج وجهازه الأمني الذي يحكم السيطرة على الضفة الغربية، الإبقاء على حالة الهدوء الأمني فيها، لا بأس من إعلان سياسي وإعلامي لرفض الصفقة، لكن دون أن يترجم ذلك عملياً على الأرض من خلال مظاهرات شعبية وفعاليات جماهيرية، قد تخرج عن السيطرة باتجاه اندلاع مواجهات مع الجيش الإسرائيلي.

مسألة ثالثة قد تبدو مرتبطة بمستقبل عباس في رئاسة السلطة الفلسطينية في ظل القطيعة التي يخوضها مع الإدارة الأمريكية الحالية، سواء بسبب تراجع وضعه الصحي، أو تقدمه في العمر، فقد أتمّ مع دخول العام الجديد 85 عاماً، أو تصاعد حرب الوراثة مبكراً في الضفة الغربية، لاسيما بين القادة المحيطين به من رجالات فتح والسلطة الفلسطينية.

في الوقت ذاته، اعتقل الأمن الوقائي الفلسطيني، وليس المخابرات العامة، مجموعة من عناصر فتح اعتزموا استهداف فرج وعائلته. بعض أفراد هذه الخلية أسرى فلسطينيون سابقون في السجون الإسرائيلية، وعلى علاقة باللواء توفيق الطيراوي، عضو اللجنة المركزية لفتح، والرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العامة الفلسطينية، وعلاقاته متوترة مع عدد غير قليل من قادة فتح.

ويقال إن علاقته جيدة مع محمد دحلان، القيادي المفصول من فتح، والعدو اللدود لعباس وفرج شخصياً، وقد حدد الأمن الوقائي موقع الأسلحة والمتفجرات بحوزة أعضاء الخلية، التي خططت لتفجير مركبات فرج الخاصة، بعد أن تتبعوا خط سير أفراد عائلته.

وقد كان لافتاً أن لا يصدر عن السلطة الفلسطينية أو فرج ذاته نفي لهذه الأخبار، باستثناء تصريح مقتضب للطيراوي اعتبرها مجرد أكاذيب، وهو نفي تحيط به كثير من الشكوك في ضوء أن المصادر الرسمية الفلسطينية التزمت الصمت إزاء محاولة الاغتيال هذه، لا نفياً ولا تأكيداً.

لكن بعض الأوساط الفتحاوية في الضفة الغربية اعتبرت هذه الأنباء مفتعلة من فرج ذاته، لمحاولة تسويق نفسه، وتلميع صورته، بدليل أن عباس قام، وعلى غير العادة، بزيارة لمقر المخابرات العامة برام الله، وأثنى على عمل الجهاز ورئيسه.

بالعودة للقاء هاسبل-فرج، فليست المرة الأولى التي يعقد فيها فرج اجتماعات سرية وخاصة مع نظرائه الأمريكيين، رغم القطيعة السياسية بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأمريكية، واللافت أن أجندة بعض هذه الاجتماعات تتجاوز الحديث عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى قضايا أمنية ذات بُعد إقليمي، وتأثيراتها المرتبطة بالمنطقة بشكل عام، علماً بأن فرج يرتبط بعلاقة شخصية قوية بوزير الخارجية الأمريكي الحالي مايك بومبياو، وهو رئيس السي آي إيه السابق.

طالما أن مباحثات فرج-هاسبل يحيط بها كثير من الغموض والضبابية، يصبح من حق كاتب السطور أن يخمن أن من بين أجندة هذا اللقاء الاطمئنان على وضع فرج في قائمة مرشحي عباس، مع اشتداد حمى التنافس بين الآخرين أمثال جبريل الرجوب ومحمد اشتيه ومحمود العالول ومروان البرغوثي، وسواهم.

وربما سعى فرج مع هاسبل لمحاولة إقناعها بترجيح كفّته على باقي المرشّحين، بعد انخفاض أسهمه، حين لم يتمّ اختياره سابقاً عضواً في اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وقبلها لم يستطع أن يصبح عضواً في اللجنة المركزيّة لفتح، وهما موقعان مهمّان لأيّ مرشّح لخلافة عبّاس.

يحظى فرج، المقرّب من عبّاس، بدعم أمريكيّ وإسرائيليّ وبعض الدول العربيّة، والجهاز الذي يقوده يرتبط بشبكة علاقات متينة مع المخابرات الأمريكيّة، وحين فرضت حماس سيطرتها على غزّة في أواسط عام 2007، ووضعت يدها على الأرشيف الأمنيّ للمخابرات، كشفت وثائق للتعاون الأمنيّ الفلسطينيّ مع الــ"CIA"، مما يشير لعمق العلاقة بينهما.

كما أن العناصر الأمنيّة الفلسطينيّة التي يقودها فرج تتدرّب بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، والضبّاط الأمريكيّون يشرفون على الأمن الفلسطينيّ بالضفّة الغربيّة، والمخابرات الفلسطينيّة لها ملحقون أمنيّون في معظم السفارات الفلسطينيّة البالغ عددها تسعين حول العالم، ويساعدون الأمن الأميركيّ في ملاحقة المجموعات المسلّحة في العالم، بتوفير بنك معلومات أمنيّة.

يتداول الفلسطينيّون في قطاع غزة والضفة الغربية معلومات متفرّقة مفادها أنّ فرج يؤدّي الكثير من الأدوار الأمنيّة بتنسيق مع المخابرات المركزيّة الأميركيّة، أو بتوجيه منها، في البلدان التي تشهد حضوراً فلسطينيّاً، ويتحرّك فيها الفلسطينيّون بسهولة، لا سيّما التي تشهد بؤر توتّر أمنيّ، وتشكّل إزعاجاً للولايات المتّحدة الأمريكيّة وإسرائيل، مثل سوريا وليبيا واليمن.

وقد حظي فرج بتكريم من واشنطن لمساهمته في توفير معلومات قيّمة للـ"CIA"، ساعدت في تحديد تحرّكات أحد قادة تنظيم القاعدة أبو أنس الليبيّ، واختطافه في 2013. وفي سوريا، شاركت المخابرات الفلسطينيّة بقيادة فرج بالإفراج عن رهينتين سويديّتين عام 2015 كانتا مختطفتين لدى المجموعات المسلّحة منذ عام 2013.

ويعد فرج من الشخصيات المحبوبة في الأوساط الأمنيّة الأمريكيّة، ولديه شبكة علاقات قويّة مع ضبّاط كبار في الـ"CIA"، المدينون له بالشكر على جهوده الأمنيّة، وهو مدين لهم بالتدريب والمال، مع أن حماس أدانت الأدوار الأمنيّة التي يؤدّيها فرج ومخابراته، لأنها تسيء للقضيّة الفلسطينيّة، ويوجد لدى الحركة مئات الوثائق التي تؤكّد أنّ المخابرات الفلسطينيّة تتجسّس على الدول العربيّة والإسلاميّة والصديقة لصالح إسرائيل والولايات المتّحدة الأميركيّة.

سبق أن وصلت إلى فرج رسالة رسميّة من البيت الأبيض تحمل توقيع جيسون غرينبلات، مبعوث الرئيس دونالد ترمب السابق لشؤون الشرق الأوسط، وجاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكيّ، وصهره، تمنى الاثنان الشفاء العاجل لفرج وطاقمه الذين زعموا تعرضهم لمحاولة اغتيال عند زيارتهم إلى غزة في 2017، وكانت الرسالة طويلةً، شخصيةً، ووديةً.

يقف فرج ابن الـ58 عاماً، على رأس جهاز المخابرات الفلسطينية العامة منذ عام 2009، ويحمل رتبة لواء، وهو من مواليد مخيم الدهيشة بمدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، ويعتبر الشخصية الأرفع من بين رؤساء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والوحيد منهم الذي يمارس نشاطاً سياسياً، والأكثر قرباً لعباس، والمسؤول المباشر عن الاتصالات التي تجري مع الإسرائيليين، وشارك بشكل فعال في المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين عام 2014، ومعروف لكل اللاعبين الدوليين، وهو الشريك الأساسي في مباحثات المصالحة مع حماس.

بجانب علاقاته الوثيقة مع الأمريكان، فإن فرج يعتبر كاتم أسرار الرئيس عباس، ويسيطر على أراضي الضفة الغربية، ومسؤول عن الاستقرار النسبي فيها، رغم أنه لا يملك رصيداً شعبياً، بسبب مفاخرته الدائمة بإحباط عمليات المقاومة الفلسطينية، وقبل الأحداث الأخيرة بقي يعمل في الظلّ بشكل أساسيّ، وليس تحت دائرة الضوء، ولذلك إذا أراد فرج الترشّح لمنصب الرئيس، فسيُضطرّ لقطع شوط طويل.

وفي حال لم تستطع موازين القوى التنظيمية داخل حركة فتح حسم الخلافة لأي من المرشحين لوراثة عباس، فقد يقدم فرج على ملء الفراغ من خلال انقلاب داخلي، لاسيما مع ما يتحدث به الفلسطينيون من معركة فلسطينية داخلية وشيكة قد تقود الضفّة الغربيّة لحالة من الفوضى العارمة، إن غاب عباس عن المشهد السياسي دون ترتيبات واضحة المعالم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي