صحيح أن الإسرائيليين لا يوفرون بعضهم في الانتقاد وتوجيه الاتهامات وتحميل المسؤولية، لكن الجديد في هذه المواجهة أن الاتهامات طالت "البقرة المقدسة" وهي الجيش الإسرائيلي.

يمكن القول بأن الجولة العسكرية الأخيرة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تم طي صفحتها، مقابل الشروع في جولة أخرى من المواجهة السياسية الداخلية في إسرائيل، بحثاً عمن يمكن وصفه بالمتهم، أو المتهمين، فيما آلت إليه الأمور في غزة، ولماذا ظهرت إسرائيل بهذا الشكل المهين.

يمكن القول بأن الجولة العسكرية الأخيرة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تم طي صفحتها، مقابل الشروع في جولة أخرى من المواجهة السياسية الداخلية في إسرائيل.

عدنان أبو عامر

الكثير من الاستخلاصات والدروس التي خرج بها الإسرائيليون من الـ48 ساعة التي خاضوها مع حماس وباقي فصائل المقاومة في غزة، يومي 12- 13 نوفمبر/تشرين الثاني، يمكن توضيحها على النحو التالي:

1. الإخفاق الأمني: بدأ ذلك مع اندلاع الجولة العسكرية، حين اكتشف مقاتلون فلسطينيون أمر القوة الإسرائيلية الخاصة التي تسللت إلى مشارف مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة في ساعة متأخرة من يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني، لتحبط مخططاً أمنياً استخبارياً، تعددت التكهنات حوله.

لكن هذا الكشف الفلسطيني لأمر القوة الإسرائيلية الخاصة تدحرج إلى مواجهة عسكرية ضارية، مما شكل إخفاقاً ميدانياً، وصفعة مدوية في وجه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بمختلف مسمياتها وتخصصاتها، لا سيما وهي التي تنفذ عمليات أمنية واستخبارية سرية في قلب عواصم عربية وإسلامية، وتخرج منها دون كشف أمرها، فإذا بها تنكشف سوأتها في بقعة جغرافية محاصرة مثل قطاع غزة.

لا شك أن هناك العديد من لجان التحقيق الإسرائيلية التي سيتم تشكيلها خلف الكواليس للبحث في أسباب انكشاف هذه القوة، وما الدروس المستفادة منها، ووضع سيناريوهات كارثية، فيما لو تم إلقاء القبض على أفرادها، أو مقتلهم جميعاً، مما كان سيدخل الأمور في زاوية حرجة للطرفين.

2. الفشل العسكري: أجرى الجيش الإسرائيلي في الأسابيع والأشهر الأخيرة صولات وجولات من التدريبات الميدانية والمناورات العملياتية لمواجهة أي سيناريو عسكري متوقع في أي من الجبهات القتالية القائمة: إيران، سوريا، لبنان، قطاع غزة، الضفة الغربية، فجاء الإخفاق في أقل الجبهات خطورة، على الأقل من النواحي التسلحية والعسكرية.

هذا الفشل العسكري الإسرائيلي في غزة خلال الجولة الأخيرة سيطرح أسئلة عديدة بين الإسرائيليين، لا سيما الأوساط العسكرية والقتالية التي تتحضر لمعارك وحروب أشد قسوة وخطورة مما حصل في غزة: أين ذهبت تلك التدريبات والمناورات، ولماذا لم يستعد الجيش جيداً لمثل هذه المواجهة القصيرة، وكيف جاءت نتيجة المواجهة وقد اتضح بما لا يدع مجالاً للشكوك والتخمين بأن الفلسطينيين تفوقوا على الإسرائيليين هذه المرة، وحصلوا على صورة النصر التي كانوا يبحثون عنها.

الفشل العسكري الإسرائيلي في غزة خلال الجولة الأخيرة سيطرح أسئلة عديدة بين الإسرائيليين، لا سيما الأوساط العسكرية والقتالية التي تتحضر لمعارك وحروب أشد قسوة وخطورة مما حصل في غزة.

عدنان أبو عامر

3. الارتباك السياسي: تزامنت جولة التصعيد الإسرائيلية الأخيرة مع حالة من الاستقطاب الإسرائيلية الداخلية غير المسبوقة، وكأن الحلبة الحزبية باتت مُقْدمة على انتخابات مبكرة، ما جعل من هذه المواجهة وقوداً لمعركة حامية الوطيس، تجلّت آثارها الفورية في استقالة ليبرمان وزير الحرب، مروراً بتبادل اتهامات داخل الائتلاف الحكومي، ووصولاً إلى فتح بازار الترشيحات لاختيار وزير حرب جديد، وانتهاءً بالتحضير لإعلان موعد جديد للانتخابات البرلمانية الجديدة أوائل العام القادم.

صحيح أن الإسرائيليين لا يوفرون بعضهم في الانتقاد وتوجيه الاتهامات وتحميل المسؤولية، لكن الجديد في هذه المواجهة أن الاتهامات طالت "البقرة المقدسة" وهي الجيش الإسرائيلي، الذي نادراً ما ينال قسطاً من الاتهام، أو تحميل المسئولية عن أي إخفاق أو فشل، ويتم الاستعاضة عن انتقاده بتوجيه أصابع الاتهام إلى المستويات السياسية والحزبية والحكومية، بسبب ما يحظى به الجيش من احترام وتقدير كبيريْن.

ورغم أن الإسرائيليين يعتبرون الجيش هو الجدار الأخير الذي يلجؤون إليه عند الملمات الصعبة، فإن هذه المرة لم يتم استثناء الجنرالات أصحاب الزي العسكري، الذين ظهروا في منتصف ملابسهم، وهم يتلقون جام غضب الإسرائيليين، ويتهمونهم بعدم التحضير لأي مواجهة من هذا النوع؟

4. التحشيد الإعلامي: الصورة النمطية عن الإعلام الإسرائيلي أنه السلاح الأمضى في معارك إسرائيل مع أعدائها، يبرر جرائمها، ويسوّق مزاعمها، لكنّ هذه المرة بدا واقفاً على يمين الحكومة والجيش الإسرائيلييْن، بحيث اختلق الكثير من المسوغات غير المنطقية عن عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة، وحاول أن يهوّن من شأن القوة الإسرائيلية السرية التي اخترقت الحدود مع غزة، ووصلت إلى مدينة خانيونس.

بلغ حد الانسجام بين الإعلام والدولة في إسرائيل أنه لم يعد أحد منا بإمكانه التفريق بين الناطق العسكري الإسرائيلي، وبين المراسل العسكري الإسرائيلي، فقد تماهى الاثنان بصورة فظة سافرة، بما يُخل بأمانة مهنة المتاعب.

بلغ حد الانسجام بين الإعلام والدولة في إسرائيل أنه لم يعد أحد منا بإمكانه التفريق بين الناطق العسكري الإسرائيلي، وبين المراسل العسكري الإسرائيلي

عدنان أبو عامر

5. التأثيرات الإقليمية: تدرك إسرائيل جيداً أن ما شهدته غزة في اليومين الأخيرين حظي بمتابعة حثيثة ومراقبة دقيقة من قِبل أعدائها في المنطقة: إيران، سوريا، لبنان، في ظل التهديدات الإسرائيلية تجاه هذه الجبهات، وتهديدها ووعيدها، وحين رأت هذه الأطراف ذلك الأداء العسكري الإسرائيلي بهذه الطريقة، فإن ذلك من شأنه أن يشجعها على المضي قُدماً في خططها العسكرية دون أن تمنح إسرائيل ذلك الخوف الذي كان سائداً سابقاً قبل اندلاع المواجهة الأخيرة.

تدرك هذه الأطراف المحيطة بإسرائيل أن الجيش الإسرائيلي من أقوى جيوش المنطقة: قوة وتسليحاً وإمكانيات، لكن ما افتقد إليه هذ المرة هو روح المبادرة وفقدان القدرة على الاستمرار، ربما يكون ذلك لاعتبارات سياسية تتجاوز البعد العسكري، لكنه يؤخذ بعين الاعتبار في حال اندلعت أية مواجهة عسكرية مع واحدة من تلك الجبهات الساخنة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي