لطالما سعت "إسرائيل" إلى سياسة "تحالف الأقليات" من أجل تعزيز انقسامات المنطقة والاحتفاظ بموضع قدم لها في خارطة النفوذ الإقليمية.

لا يخطئ المرء حين يقول:"إن قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين هو مشروع غربي صهيوني، غايته بقاء المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط في حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. هذا المشروع الغربي كان يريد بقاء باب السيطرة على المنطقة مفتوحاً على مصراعيه لمصلحته الاستراتيجية، المتمثلة في بقاء هيمنته على مقدراتها وثرواتها.

ولعل إسرائيل التي وجدت نفسها غريبة بعد زرع كيانها من قبل بريطانيا، في محيط لا تنتمي إليه، أرادت كسر هذه العزلة، عبر تبنيها سياسة "تحالف الأقليات"، وهي سياسة تعتمد على إيجاد ركائز رخوة في المنطقة، تنفذ من خلالها، وتعمل على بناء علاقات تستطيع من خلالها فرض وجود سياسي لها، والتأثير على تطور البلدان المشكِّلة لهذه المنطقة.

وقد ظهرت السياسة الإسرائيلية جلية في هذا الاتجاه في أكثر من حالة، حيث لجأت إسرائيل إلى استمالة الأكراد في منطقة شمال العراق، أو ما يطلق عليه الآن "إقليم كردستان العراق". كذلك ظهر التدخل الإسرائيلي جلياً في منطقة عربية أخرى، هي منطقة جنوب دولة السودان. وصولاً إلى انفصال هذا الإقليم عن بلده الأم دولة السودان.

في الحالتين المذكورتين، يمكن القول إن الدور الإسرائيلي في صراعاتهما يعتمد على مبدأ تأجيج نار الصراع، من أجل الوصول إلى انفصال هذين الجزأين واستقلالهما، مما يعني حضوراً إسرائيلياً على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وهو ما يخدم استراتيجياً منع استقرار المنطقة، وبقاءها في حالة تخبط حيال تنفيذ تنمية شاملة فيها.

وفي حالة "كردستان العراق"، عملت إسرائيل وعبر مراحل متعددة، على تمكين "الحركة القومية الكردية" من تطوير قدراتها العسكرية"، وقد ظهر ذلك في فترة زمنية امتدت بين عامي 1963 – 1975 في شمال العراق، حيث كان المستشارون الإسرائيليون يساعدون في تدريب وتسليح قوات البشمركة الكردية، التي كان يقودها الملا مصطفى البرزاني.

غاية إسرائيل من هذه المساعدات ومن هذا الدور، تحقيق أهداف استراتيجية، تخص استمرار وجودها ودورها في المنطقة، ومن هذه الأهداف بقاء حالات التنازع في المنطقة، مما يضعف الروابط الوطنية بين مكوناتها، وهذا يسهل على إسرائيل تنفيذ أجندتها التي وجدت من أجلها، وهي إبقاء المنطقة في حالة صراعات وضعف، مما يسهل السيطرة عليها. وكذلك منع قيام أي مشروع تنموي وطني أو عربي أو إقليمي.

إن الدور الإسرائيلي الذي يساند قيام " دولة قومية كردية" هو دور لا يخدم شعوب المنطقة، وفي مقدمتها المكون الكردي في بلدان وجودهم الوطني، فالإسرائيليون يعرفون حق المعرفة، أن قيام دولة كردية في شمال العراق، يتعارض في المرحلة الحالية مع مصالح أربع دول هي إيران وتركيا والعراق وسوريا، وهو مشروع لا يمكن المضي به إلى نهايته، ولكنهم يشجعون الأكراد في شمال العراق على المضي به لأهداف تحقق انشغال هذه الدول بهذا الصراع.

إن إقدام إقليم "كردستان العراق" على إجراء استفتاء الاستقلال، في تشرين الثاني عام 2017م، كان يراد منه الاستفادة من حالة تفجر الربيع العربي، ومن الخلخلة السياسية الناتجة عنه، لإعلان دولة مستقلة. هذا الاستفتاء لم تؤيده دولياً سوى إسرائيل، فالغرب الأوروبي لم يشجع عليه، والولايات المتحدة قالت إنه خطوة لا تتناسب مع هذه المرحلة، حيث صرح بنيامين نتنياهو: "بينما ترفض إسرائيل الإرهاب بجميع أشكاله، يمكنها أن تدعم الجهود المشروعة التي يبذلها الشعب الكردي من خلال الحصول على دولة خاصة به". تصريح نتنياهو يصب في خانة تسعير الصراع وليس في خانة مصلحة أكراد العراق.

يمكن القول إن تأييد إسرائيل للاستفتاء كشف عنه (سيث فرانتزمان) الباحث في معهد روبين لبحوث الشرق الأوسط حيث حينما كتب "إن هناك عدداً من الأسباب التي تدفع إسرائيل لدعم استفتاء كردستان، ومن هذه الأسباب اتفاقات اسرائيل مع مصر والأردن والتي لم تحقق دفئاً بينها وبين جيرانها العرب، فغالبية المواطنين المصريين يكرهون إسرائيل، أما في الحالة الكردستانية فهناك دفْء على مستوى الشارع، وفي حالة حصلوا على الاستقلال فستكون هناك دولة أخرى لها علاقات جيدة مع إسرائيل".

هذا الاستنتاج الإسرائيلي هو استنتاج كاذب، وهو لا يمثل المكون الكردي في بلدان وجوده الوطنية، ولكنه يمثل الذهنية ونمط التفكير السياسي القومي القبلي لدى الأحزاب الكردية، وهي أحزاب لم تقم بمراجعة علمية لحركة الواقع في البلدان التي يعيش فيها المكون الكردي كأحد المكونات الوطنية.

إذن يمكننا القول، إن إسرائيل لم تُخفِ نواياها وأهدافها حيال دعمها للمشروع الكردي في شمال العراق، فالإسرائيليون يجدون في هذا المشروع قاعدة عمل تتلاقى مع استراتيجيتهم بعيدة المدى؛ فقيام دولة كردية في شمال العراق، يعني أولاً إضعاف الدولة العراقية من خلال فصل جزء من أراضيها عنها، ويعني خلق قاعدة من هذه الدولة لضم باقي أكراد المنطقة وتحديداً أكراد تركيا، والغاية من الخطوة الثانية، إرباك المشروع التنموي الناهض بقوة في الدولة التركية، من خلال تأجيج الصراع بين مكوناتها، وهذا الأمر تحدث عنه النائب الإسرائيلي يائير غولان في دفاعه عن تنظيم PKK الكردي التركي، حيث قال:" إن الـPKK ليس منظمة إرهابية كما تصفها تركيا، على الرغم من وجود الحزب على قوائم الإرهاب الأمريكية والأوروبية".

تصريحات يائير غولان ليست تصريحات فردية، بل هي جزء من استراتيجية التدخل الإسرائيلي في شؤون المنطقة، بما يخدم مشروع هيمنتها، ومشروع إعاقتها لأية تنمية شاملة في المنطقة. ولهذا يمكن فهم دعم إسرائيل لقيام دولة كردستان العراق، على أنه استخدام لقضايا المكون الكردي، خدمة لأهداف استراتيجية إسرائيلية، وهذا ما ينبغي على القوى السياسية الكردية إعادة النظر فيه، كي لا يصبح أكراد المنطقة أداة صراعات تخدم وجود إسرائيل، وتضر بالمصالح الوطنية للأكراد في الدول التي يشكلون مكوناً أساسياً من مكوناتها الوطنية.

إن تسويق كذبة تاريخية عن تعرض الأكراد للاضطهاد العرقي، يشبه تماماً كذبة الصهيونية عن تعرض اليهود للاضطهاد في بلدانهم الأصلية، وهي كذبة استخدمت لغايات سياسية لتبرير قيام دولة إسرائيل على أرض الشعب الفلسطيني، ويراد من تسويق هذه الكذبة خلق عداء يضر بالأكراد قبل غيرهم، ومنعهم من إجراء عملية مراجعة لاندماجهم كمكون وطني في بلدانهم، على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات ضمن أفق ديمقراطي غير عصبوي بأي اتجاه.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي