الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون (Pool/Reuters)

ترفض الجزائر ومعها بعض الدول المغاربية في شمال إفريقيا استقبال المُرحّلين قسراً من المهاجرين الذين تطردهم السلطات الفرنسية إلى بلادهم بحجة الهجرة غير الشرعية، فترد باريس بتضييق منح التأشيرات لمواطني هذه الدول لدخول أراضيها. بعيد ذلك يطل الرئيس الفرنسي ماكرون ليتحدث عن "الذاكرة المستأجرة" التي اعتمد عليها النظام الجزائري في نسج روايته عن تاريخ فرنسا في الجزائر متهماً إياه بممارسة "التضليل" الأمر الذي أغضب السلطات الجزائرية التي ردت على الفور باستدعاء السفير، وحرمان المقاتلات الحربية الفرنسية من العبور من الأجواء الجزائرية في طريقها لتنفيذ عمليتها في منطقة الساحل.

في لعبة البنج بونج الدبلوماسية هذه يمثل التاريخ الكرة التي يتقاذفها الطرفان باتجاه أحدهما الآخر، يسددها بالطريقة التي من خلالها يستطيع أن يسجل هدفاً في خصمه ويحتسب لصالحه نقطة. فالتاريخ هنا هو سيد الموقف، وفي الوقت الذي لا يشغل الحاضر الكثير من أذهان السياسيين الذين يبحثون فقط عن وسائل للتجديد لأنفسهم للبقاء في مناصبهم، يصبح استدعاء التاريخ الخيار الأسلم والأقل كلفة ولكنه الأجدر والأكثر نجاعة في تحقيق الغاية المنشودة خصوصاً في السياق الجزائري-الفرنسي الذي مازالت فيه الذاكرة جرحاً مفتوحاً، وربما نازفاً في الكثير من الأحيان.

فالرئيس الفرنسي اختار أن يدلي بتصريحاته المستفزة أمام مجموعة من نسل الحركيين، وهم أولئك الذين اصطفوا إلى جانب بلاده ضد أبناء جلدتهم أثناء حرب التحرير. وبالرغم من أن فرنسا لم تمنح هؤلاء الاعتبار الذي يليق بهم، وبقوا غير قادرين على الاندماج الفعلي في المجتمع الفرنسي لاعتبارات ثقافية بالأساس، إلا أن استدعاءهم في هذا التوقيت، وتكريمهم يحمل أبعاداً دلالية ذات مغزى، حيث يسعى الرئيس الفرنسي من خلال هذه المناسبة إلى إبراز الجوانب الوطنية في شخصيته من خلال محاولته الدفاع عن إرث الإمبراطورية الفرنسية في مستعمراتها السابقة وعلى رأسها الجزائر التي كانت درة التاج الفرنسي كما كانت الهند في وقت من الأوقات درة التاج البريطاني. ولا أفضل من تكريم مناضلين سابقين في صفها لتحقيق هذا الغرض. حري بالقول إن هؤلاء بنظر الجزائريين إنما هم زمرة من الخونة.

إن الرئيس الفرنسي الذي أنهكته الصفعات وحوادث الرشق بالبيض يحتاج إلى صورة يعزز بها حضوره القومي لدى الجمهور الفرنسي خصوصاً أن القومية بمعناها الأيديولوجي الضيق هي مادة الانتخابات المقبلة حيث تنافسه على كرسي الإليزيه السياسية العنصرية القادمة من أقصى اليمين مارين لوبان والتي تزايد عليه في كل كبيرة وصغيرة فيما يخص حماية مصالح فرنسا القومية وإرثها الاستعماري. يحتاج ماكرون إلى دعاية قومية، وهنا تلبي له الحالة الجزائرية المادة المطلوبة.

يتساءل الرئيس الفرنسي بكل عنجهية "هل كان هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟" وكأن بلداً ضارباً في القدم مثل الجزائر، وشعباً معبأ بالتراث والحضارة كالشعب الجزائري كان ينتظر مثل الرئيس ماكرون لكي يشكك بوجوده كأمّة. ولكنه كرجل أبيض قادم من مدارس التنوير الأوروبية التي تؤمن بعلو العرق الأبيض، فإنه لا يرى في الحضارة أبعد من أنفه، وهو لا يراها إلا انعكاساً للأمة بالمفهوم الغربي وحده، وهي نظرة اختزالية اعتاد الرجل الأوروبي تبنيها في تعاطيه مع العالم الخارجي. إنها المركزية الأوروبية بأبشع صورها والتي مازالت مهيمنة في الخطاب الغربي بالرغم من مرور أكثر من نصف قرن على نهاية حقبة الاستعمار وتحول العديد من الدول الأوروبية المُستعمِرة إلى دول صغير مثل هولندا أو متوسطة كفرنسا وبريطانيا. فما حجم فرنسا إذا ما قورنت بالصين أو البرازيل مثلاً؟

بالنسبة لماكرون فالتاريخ الجزائري هو ما سطرته فرنسا، أما ما عدا ذلك فهو مجرد تضليل وتشوهات مبنية على ذاكرة "مستأجرة" أو مجتزأة يشرف عليها "النظام العسكري" الذي يحكم البلاد منذ الاستقلال. ويتعجب ماكرون كيف أن الجزائريين يصدقون! وهو إنما يلمز بطريقة غير مباشرة بذكاء الشعب الجزائري، ولا يدري أن هذا الشعب من الذكاء والفطنة بحيث يستطيع بسهولة أن يدرك عدوه من صديقه. عدوه ذلك الذي جاء من خلف البحار وقتل منه في حرب التحرير وحدها ما يقرب من مليون وخمسمئة ألف إنسان وشرد أكثر من مليون آخرين. عدوه هو ذلك الذي دمر حواضره، وسرق تاريخه (مازالت فرنسا ترفض تسليم الأرشيف الجزائري لأصحابه)، ولوث أراضيه بالعديد من التجارب النووية (كما ترفض فرنسا تسليم الجزائر مخططات هذه التجارب النووية من أجل التعامل مع نتائجها البيئية الكارثية والحد منها)، وغير ذلك الكثير.

التاريخ كان مسيطراً على ماكرون بشدة، ولم يغادره للحظة وهو يؤدي مسرحيته الهزلية عن الوطنية والقومية والمركزية الأوروبية. كان مُستغرِباً كيف أن "التضليل" الذي يمارسه "النظام العسكري" في الجزائر لا يستهدف إلا فرنسا، ملبساً إياها لبوس المُستعمر الجائر، في حين لا يجري الالتفات إلى "الأتراك" الذين سيطروا على الجزائر سابقاً. يقول ماكرون "كان هناك استعمار سابق. أنا مفتون برؤية قدرة تركيا على جعل الناس ينسون تماماً الدور الذي لعبته في الجزائر والهيمنة التي مارستها، في الوقت الذي تُظهر أننا المستعمرون الوحيدون. إنه لشيء رائع. الجزائريون يصدقون ذلك ".

هنا يثبت ماكرون ضحالة فهمه للتاريخ، وللثقافة، ويثبت في الوقت نفسه غيظه السياسي من تركيا التي تزاحمه مناطق نفوذه بجرأة وثقة. لم يكن في السابق تركيا بل كانت الدولة العثمانية، ولم تكن هناك قومية بل جامعة إسلامية. كانت الجزائر جزءاً أصيلاً ومهماً من أراضي الدولة العثمانية، ولم تكن دولة استعمار أو احتلال. كانت الدولة العثمانية تدافع وتحامي عن الجزائر كما كانت تدافع وتحامي عن إسطنبول، لأن المقياس في ذلك الوقت كان يعبر عنه بالأخوة الإسلامية الجامعة، وبعرى أمّة تشترك في التاريخ والحضارة ووحدة المصير.

لا أحد في الجزائر ولا غيرها من الدول ينظر إلى تلك الحقبة من الزمن على أنها حقبة استعمار تركي إلا زمرة من القوم ممن رضعوا القومية العنصرية من الأثداء الأوروبية. ربما ما أغاظ الرئيس ماكرون هو ما يعرض الآن على القنوات التلفزيونية حول الإخوة بربروس وهم الذين سطروا ألمع صور البطولة في الحروب البحرية لصالح الدولة العثمانية ضد الغزاة الإسبان لدول شمال إفريقيا. في هذه الدراما لا تمارس تركيا فعلاً تضليلاً ولا بروباغندا وإنما حقائق تاريخية يعرفها الجميع.

لقد استجاب الأخوة بربروس لنداء سكان ميناء بجاية الجزائري لتخليصهم من الإسبان فاستجابوا، واستجابوا لنداء أهل تلمسان الذين حرروهم من الإسبان وواليهم العميل لهم، وقد كانت مدينة الجزائر حاضنة الأسطول العثماني الذي خلص آلاف المسلمين من الأندلس من بطش إسبانيا، كما ساهم هذا الأسطول بفتح مصر على يد السلطان سليم الأول. إذن كان تحرك العثمانيين نجدة لنداء الأخوّة وليس استعماراً بالمفهوم الغربي القائم على نهب الشعوب ومقدراتها كما فعلت فرنسا لاحقاً.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً