تسبب الانفجار الذي وقع في مرفأ العاصمة اللبنانية بيروت في 4 أغسطس/آب الماضي، في مقتل ما لا يقل عن 154 شخصاً وإصابة أكثر من 5 آلاف آخرين، إضافة إلى تشريد نحو 300 ألف شخص.

فمنذ عقود ولبنان غارق في حالة من عدم الاستقرار السياسي والأزمات الاقتصادية، ولا شك أن هذا الانفجار سيزيد من تعقيد الأوضاع في البلاد على الصعيدين السياسي والاجتماعي. بيد أن ثمة حدثاً آخر أثار الانتباه بقدر الكارثة التي تسبب فيها الانفجار، وهذا الحدث هو زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت عقب يومين من الانفجار وأصداء هذه الخطوة.

ولعل السبب وراء الاهتمام الذي نالته زيارة ماكرون إلى بيروت يتمثل في الحفاوة التي استقبل بها سكان بيروت الرئيس الفرنسي، والدعوات إلى عودة الانتداب الفرنسي إلى لبنان.

فللتعبير عن غضبهم من أداء الحكومات اللبنانية المتعاقبة، لجأ ناشطون لبنانيون عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى تدشين عريضة إلكترونية تطالب بعودة الانتداب الفرنسي إلى لبنان لمدة 10 سنوات قادمة. وخلال ساعات وقع العريضة آلاف الأشخاص. كما أثارت الانتباه مطالب شباب التقاهم ماكرون خلال زيارته بخصوص أن تكون فرنسا دولة حامية في لبنان.

حسناً، لماذا يريد الشعب اللبناني وخاصة الشباب عودة الانتداب الفرنسي إلى بلدهم الذي انتهى في عام 1943، وهو أحد أهم الأسباب الرئيسية لحالة عدم الاستقرار السياسي والأزمات الاقتصادية والطائفية التي تعاني منها البلاد اليوم؟

في الحقيقة يكمن السبب وراء ذلك بشكل كامل في الأزمات الاقتصادية والسياسية التى يشهدها لبنان في الفترة الأخيرة.

فانسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000 ومن ورائها سوريا عام 2005، ثم الحرب اللبنانية الإسرائيلية التي بدأت عام 2006، والاضطرابات السياسية المتواصلة دون توقف منذ عام 2010، كلها أمور جعلت من لبنان بلداً أكثر عرضة للتدخل الأجنبي. بلغت نسبة البطالة بين شبابه 17.6 بالمئة. وهذه الهشاشة حولت لبنان إلى ساحة ممهدة لمصالح الدول الغربية في المنطقة، وفي مقدمتها فرنسا ورئيسها ماكرون.

في تصريحاته خلال زيارته إلى بيروت، تحدث ماكرون عن أنه سيعمل من أجل صياغة "نظام سياسي جديد" للبنان، الأمر الذي يبدو أنه طريقة جديدة لاستغلال حالة الضعف التي تعيشها البلاد. ماكرون سعى أيضاً خلال حديثه مع الشباب في بيروت إلى تمهيد مساحة لنفسه لدى المجتمع اللبناني عندما قال لهم: "لم آت إلى هنا لمساعدتهم (المسؤولين)، بل أنا هنا لأجلكم"، وهو يعرف أن الشعب يصب كامل غضبه على المسؤولين بسبب الظروف السياسية والاقتصادية قبل الانفجار وبعده.

حسناً، إلى ماذا يهدف ماكرون من وراء سعيه إلى النأي بنفسه عن "الساسة الفاسدين"؟ لمعرفة الإجابة يتعين علينا الرجوع إلى الوراء قليلاً. عندما اُنتخب ماكرون رئيساً لفرنسا في مايو/أيار 2017، زعم أنه سيُحدث "ثورة" في فرنسا، ورغم فشل إدارته للشأن الداخلي، إلا أنه أعطى أولوية كبيرة لتطوير علاقات فرنسا بمستعمراتها القديمة.

بيد أن خطابات ومواقف ماكرون بشأن مستعمرات فرنسا دائماً ما تأتي في صورة غطرسة وتعالٍ على تلك الدول.  

فنجده دائماً متبنياً عقلية استعمارية نمطية عند حديثه عن أسباب تأخر هذه البلدان، يركز على النتيجة فقط بدلاً من تسليط الضوء على الأسباب الهيكلية لذلك التخلف. على سبيل المثال، في إحدى زياراته إلى إفريقيا نصح السكان بتقليل النسل، قائلاً إنه من المستحيل تنمية إفريقيا لأن "كل امرأة إفريقية تضع من 7 إلى 8 أطفال". فماكرون الذي اعترف بأن الاستعمار الفرنسي كان بمثابة "خطأ فادح" و"جريمة ضد الإنسانية"، لم يتراجع أبداً عن إنتاج واستخدام خطاب استعماري وتبني عقلية استعمارية. 

كما انتقد زعماء سياسيون في نيجيريا خطاب ماكرون خلال زيارته الأخيرة لبلدهم، حيث اعتبروا أنه استخدم أسلوباً كما لو كان يخاطب ولاة تابعين له، وليس قادة دولة ذات سيادة.

لذا من الضروري إدراك مفهوم "الاستعمار الجديد" الذي يبدو كرافض للاستعمار القديم وطرقه التقليدية. ففرنسا عبر مفهوم الاستعمار الجديد تهدف إلى إعطاء الأولوية إلى مصالحها في هذه المنطقة الجغرافية، وفي مقدمتها الشرق الأوسط وإفريقيا، إضافة إلى لعب دور أساسي في تحديد وصياغة النظام السياسي والاجتماعي في بلدان المنطقة، وهي تزعم خلال قيامها بكل هذه الأمور رفضها الاستعمار القديم وطرقه وممارساته.

وتتمثل أبرز انعكاسات هذه المفهوم في اتهام فرنسا الدول التي استعمرتها بالتخلف، وتركيزها على أن هذه الدول تعاني من "أزمة حضارية"، وزعمها أنها تقوم بدور "المرشد" في حل وتجاوز هذه المشاكل.

ولا شك أن السياسة التي تتبعها فرنسا في ليبيا تعد من أكثر المؤشرات الملموسة على الاستعمار الفرنسي الجديد. فنرى أموراً تدعم هذا المفهوم في سياسة ماكرون بخصوص ليبيا، حيث يدعم بشكل ضمني الجنرال الانقلابي خليفة حفتر ضد الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، من أجل الحفاظ على مصالحه في نفط ليبيا إضافة إلى تأمين نفوذه في دول منطقة جنوب الصحراء.

بناء على ذلك، فإن زيارة ماكرون إلى بيروت ليست مجرد بادرة، إنما تعد تطوراً مهماً يعكس مفهوم الاستعمار الجديد. لذا من الضروري عدم الفصل بين زيارة ماكرون إلى بيروت و"النظام السياسي الجديد" الذي يقترح صياغته للبنان وبين موقفه تجاه المستعمرات القديمة لفرنسا.

وتتضح نيات ماكرون الحقيقية أكثر بخصوص تعزيز النفوذ الفرنسي في لبنان مثلما يفعل بليبيا، في التصريحات التي أدلى بها لمحطة التلفزة الفرنسية المحلية “BFMTV” عقب زيارته إلى بيروت، قائلاً إن فرنسا التي تؤمن بالتعددية في لبنان وبمصالح شعبها إن لم تقم بدورها هناك، فسيظهر الإيرانيون والسعوديون والأتراك وقوى أخرى بالمنطقة ممَّن يتدخلون بشؤون لبنان الداخلية. لذا فمن المهم والواجب التركيز على مفهوم الاستعمار الفرنسي الجديد وتأثيراته، بعيداً عن زيارة ماكرون في حد ذاتها.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً