تسعى إدارة الرئيس ترمب إلى إدراج إسرائيل ضمن التحالف الدولي الذي تنوي تشكيله لحماية أمن الخليج، وذلك جنباً إلى جنب مع الدول العربية الخليجية.

سادت علاقات سرية بين عدد من الدول العربية، سواء خليجية أو غيرها، وبين إسرائيل عبر عقود مضت، دون الإفصاح عنها إلا في بعض الأحيان من طرف إسرائيل.

لكن التغييرات الإقليمية المتواترة في السنوات الأخيرة ساهمت كثيراً في كشف المستور من هذه العلاقات، ولم يعد الأمر سراً ولا عيباً.

وقد بدأت العلاقات على وجه الخصوص في مجال مشاركة إسرائيل في مباريات رياضية، ولقاءات ثقافية، وزيارات سياحية لإسرائيليين إلى عدد من دول الخليج مكشوفة على الملأ وبتغطية إعلامية. وقد تُوِّج هذا الانفتاح الإسرائيلي الخليجي بزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى عُمان في أكتوبر/تشرين أول 2018 بصحبة زوجته ولقائه السلطان قابوس في قصره وسط ترحيب كبير.

وفي خطوة قد يعتبرها البعض مرتبطةً بخلفيات العلاقات المتبلورة تدريجيّاً بين إسرائيل ودول الخليج، جاءت دعوة ترمب إلى تشكيل تحالف دولي لتوفير الحماية الأمنية في الخليج. وكانت إسرائيل من الدول السباقة إلى إعلان مشاركتها في هذا التحالف خصوصاً في ميدان الاستخبارات ونقل المعلومات السرية والحساسة.

موافقة إسرائيل على المشاركة في هذا التحالف تُعزز كل الخطوات السياسية وغير السياسية التي اتخذتها حكومة إسرائيل منذ سنوات طويلة بتهميش وتقليص حجم القضية الفلسطينية.

جوني منصور

وبالرغم من أن إسرائيل لا تملك أسطولاً كبيراً، ولا تملك حدوداً بحرية مع دول الخليج إلا أن مشاركتها تأتي متساوقة مع وجهة نظر نتنياهو الذي لطالما تعلق بفزاعة التهديد الإيراني وضرورة مواجهته عبر تحالف تقوده الولايات المتحدة.

موافقة إسرائيل على المشاركة في هذا التحالف تُعزز كل الخطوات السياسية وغير السياسية التي اتخذتها حكومة إسرائيل منذ سنوات طويلة، بتهميش وتقليص حجم القضية الفلسطينية، واعتبارها حجر عثرة في وجه تطوير تعزيز التعاون الأمني بين إسرائيل ودول الخليج.

بالإضافة إلى تهميش القضية الفلسطينية؛ فإن انفتاح نتنياهو على دول الخليج يصب في استراتيجيته المعروفة والتي تتمحور حول إدارة الصراع مع الفلسطينيين وليس حله. وهذا الأمر ينسجم مع عملية التهميش لصالح تموضع إسرائيل ضمن دول المنطقة كدولة طبيعية، تتقاسم مع دول الجوار العربي الخطر الوجودي ذاته الذي تشكله إيران.

لقد جرب نتنياهو كل الطرق التي في جعبته للحد من مشروع إيران النووي؛ لكي تبقى إسرائيل الدولة النووية الوحيدة في المنطقة.

لقد جرب نتنياهو كل الطرق التي في جعبته للحد من مشروع إيران النووي لكي تبقى إسرائيل الدولة النووية الوحيدة في المنطقة.

جوني منصور

وفي واقع الأمر إن كل محاولاته لدفع الولايات المتحدة إلى شن حرب على إيران أو تسديد ضربات مركزة على مواقعها النووية قد باءت بالفشل. كما أن محاولاته التأثير على أوروبا لجعلها تنسحب من الاتفاقية مع إيران، كما فعلت الولايات المتحدة، قد باءت أيضاً بالفشل الذريع.

من هنا يأتي الدفع باتجاه تشكيل تحالف دولي تشارك فيه إسرائيل جنباً إلى جنب مع الدول العربية لحماية أمن الممرات المائية في الخليج؛ فنتنياهو نجح في شيطنة إيران وجعلها "العدو الأكبر"، وأصبحت بفعل ذلك تشكل التهديد المشترك لكل من إسرائيل والدول العربية في الخليج.

إذن، أصبحت إسرائيل في قلب العاصفة في الخليج، ولم يعد لديها أي تردد في بناء خطة عسكرية مستقبلية لتسديد ضربات إلى مواقع في إيران وسط غطاء دولي وعربي. أي أنها عملياً قد مُنِحت تكليفاً بتولي موقع شرطي المنطقة.

فالمسألة ليست فقط مشاركتها الاستخباراتية ونقل المعلومات، بل وجودها التدريجي والفعلي في المنطقة. صحيح أن إسرائيل تمتلك منظومات استخبارية، وإنذارات مبكرة دقيقة الصنع، وأنها – على حد قول نتنياهو – أكبر دولة في المجالات العلمية في العالم. كل هذه الخبرة وعمليات التجييش والحشد الأمريكية لدول عربية في الخليج ضد إيران ستساعد إسرائيل في أن تبسط هيمنتها على الأمن القومي في هذه الدول.

أصبحت إسرائيل في قلب العاصفة في الخليج ولم يعد لديها أي تردد في بناء خطة عسكرية مستقبلية لتسديد ضربات إلى مواقع في إيران وسط غطاء دولي وعربي.

جوني منصور

خطوة مشاركة إسرائيل في التحالف المزمع تشكيله تعد انتحاراً لحكومات خليجية، وإعلاناً عن فقدها القدرة على حماية ذاتها، وخضوعها الكامل للهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية. وهذا بالطبع نوع آخر من الاستعمار الذي يخترق ويتغلغل في المنطقة بثوب جديد.

إن انضمام إسرائيل إلى تحالف كهذا يجعلها طرفاً في أي حرب على إيران. وفي حال تعرُّض إسرائيل إلى أي عملية قصف صاروخي من طرف إيران، فإنها سترد تحت غطاء التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة وبريطانيا؛ إذ إن هذا ما تفرضه منطقياً التحالفات.

لكن بنظرة أكثر عمقاً إلى حيثيات هذا التحالف يتبين لنا أن اسرائيل قد كُلفت مسبقاً بتولّي ملف الاستخبارات وجمع المعلومات، والإعلان المبكر عن أي خطر قادم، وهذا لن يكون دون مقابل.

المقابل ستدفعه الدول الخليجية التي عرّفت نفسها أنها واقعة تحت التهديد الإيراني وخطر وجودها مرتبط بأي تحرك إيراني ضدها.

وهذا يعني أن إسرائيل ستتقاضى مقابل حسابات الحماية الاستخباراتية من خزائن الدول الخليجية.

خطوة مشاركة إسرائيل في التحالف المزمع تشكيله تعد انتحاراً لحكومات خليجية وإعلاناً عن فقدها القدرة على حماية ذاتها وخضوعها الكامل للهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية.

جوني منصور

وفيما لو حللنا دوافع قبول إسرائيل المشاركة في عضوية هذا التحالف، بالإضافة إلى ما بيّناه آنفا، فإن سعي إسرائيل للمشاركة في التحالف يأتي أيضاً في سياق أن العمق الاستراتيجي الإسرائيلي لم يعد قائماً، وأن عامل الردع قد انهار جراء التغيرات العسكرية والأمنية والسياسية التي عصفت ولا تزال بالمنطقة منذ عقد من الزمن.

لهذا تبحث إسرائيل عن غطاء أمني لتوفر لذاتها حماية مستقبلية، وتحافظ على نقل ميدان الحرب من أراضيها إلى أراضي أعدائها.

وتشكيل هذا التحالف ليس بقصد تفعيله لمدة وجيزة، وإنما لفترة طويلة تستفيد منها إسرائيل كما استفادت وتستفيد من التسويات السلمية التي أبرمتها مع مصر والأردن ومنظمة التحرير.

وهي بذلك قد أبعدت احتمالات شن حروب ضدها، ووفرت حماية لحدودها؛ ففي التحالف الخليجي ضمانة أخرى لتعزيز مساحة العمق الآمن غير المعادي لها. ونقل ساحة المعركة إلى عدو متفق عليه وهو إيران.

تعتقد إسرائيل أن مشاركتها في هذا التحالف يُكسب وجودها شرعية أكبر، وأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني الذي مر عليه سبعة عقود ونيف، لا يمنع دولاً عربية من التحالف مع إسرائيل ضد عدو مشترك.

بالأخير، إن هذه المشاركة ستغير من لعبة الصراعات والتسويات في المنطقة، ولن تكون إيجابية، على الإطلاق، للشعب الفلسطيني وقضيته.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي