وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو ونظيرته الليبية نجلاء المنقوش (Cem Ozdel/AA)

الزيارة التي لم يعلن عنها سابقاً ضمت وزيرَي الخارجية والدفاع ورئيس الأركان ورئيس جهاز الاستخبارات الأتراك، فضلاً عن نائب رئيس العدالة والتنمية للشؤون الخارجية.

الزيارة التركية رفيعة المستوى حملت رسائل تركية إلى أطراف خارجية وداخلية بليبيا حول عزم أنقرة تثبيت الدور والوجود التركي هناك، بخاصة بعد عدد من التطورات التي أثارت قلق صناع القرار الأتراك.

أهم هذه التطورات التي أثارت حفيظة أنقرة تصاعُد أصوات تطالب بخروج تركيا من ليبيا. وقد تزامنت هذه المطالبات مع تخوفات من مسار حكومة الوحدة الوطنية الحالية، في ظل "سياسات الترضية" المتبعة مع خليفة حفتر ومحاولات القاهرة زيادة حضورها بالملف الليبي.

فقد أثارت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في 23 أبريل/نيسان الماضي الكثير من الجدل بتصريحات نسبتها إليها وكالة آكي الإيطالية أثناء زيارتها لروما، وقالت فيها الوزيرة: "بدأنا حواراً مع تركيا بشأن خروج قواتها من ليبيا، ومصممون على انسحابها من البلاد".

ودفع هذا التصريح رئيس المجلس الأعلى للدولة بليبيا خالد المشري إلى انتقاد التصريحات وتأكيد أن الحكومة الليبية الحالية ليست لديها صلاحيات لإلغاء أي اتفاقيات سابقة، وأن ليبيا تحترم الاتفاقيات الموقَّعة مع تركيا.

فيما عملت الخارجية الليبية لاحقاً على إصدار تنويه بأن وسائل الإعلام قد جانَبها الصواب ولم تكن دقيقة في نقل مداخلة الوزيرة المنقوش، فيما بدا أنه محاولة لاستدراك الموقف.

لكن تنويه وزارة الخارجية الليبية لم ينفِ تصريحات المنقوش كلياً، بل أشار إلى مداخلة الوزيرة أمام البرلمان الإيطالي وأنها تطرقت فيه إلى "موقف حكومة الوحدة الوطنية الثابت والواضح تجاه كل المرتزقة على الأراضي الليبية من دون استثناء أو تحديد".

إلا أن نص الكلمة التي نشرها موقع السفارة نفسه أشار إلى أن الوزيرة قالت في كلمتها إنها تتطلع إلى دور أكبر لإيطاليا في مساعدة ليبيا "في خروج وإخراج كل القوات والمرتزقة الأجانب". وهو ما يؤكد وجود نية لدى بعض الجهات الليبية لوضع ملف خروج القوات التركية على الأجندة السياسية الليبية.

ويذكر أن التدخل التركي جاء استجابة لطلب من الحكومة الليبية السابقة التي لم تجد سوى أنقرة لوضع حد لهجوم قوات حفتر وفاغنر على العاصمة الليبية طرابلس، ما مهد الطريق لتغيير موازين القوى وجعل التوصل للتفاهمات السياسية الحالية بما فيها حكومة الوحدة الوطنية ممكناً.

كما نفى رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري وجود صلاحية للحكومة الحالية لتعديل اتفاقيات دولية، على أن هذه التصريحات المطالبة بخروج القوات التركية دقت جرس الإنذار في أنقرة، التي سارعت بإرسال وفدها السياسي-الأمني عالي المستوى.

وألقت مطالبات خروج القوات التركية من ليبيا بظلالها على المؤتمر الصحفي الذي جمع وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش ونظيرها التركي مولود جاوش أوغلو في زيارة الوفد التركي الأخيرة إلى طرابلس.

فبينما عبّرت المنقوش عن رغبتها في "تعاون تركيا لإنهاء وجود القوات الأجنبية بليبيا"، قال جاوش أوغلو إن "أصواتاً تحاول مساواة الوجود العسكري التركي المشروع في ليبيا بوجود المليشيات المرتزقة، ولكننا اتفقنا في اجتماع التعاون الاستراتيجي بأنقرة (12 أبريل/نيسان الماضي) على التزامنا اتفاقيات التعاون"، في رد على مطالبات وزيرة الخارجية الليبية، وتذكير بأن وجود تركيا في ليبيا شرعي.

وترى أنقرة أن وجود قواتها بليبيا الضمانة الأهم لعدم عودة حفتر إلى تهديد العاصمة طرابلس وإسقاط المشروع السياسي بليبيا مجدداً، وهو ما يمثل ضرورة لتركيا التي تريد أن تحافظ على اتفاقياتها البحرية مع ليبيا، خصوصاً تلك التي وقِّع عليها في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

وما يزيد من مخاوف أنقرة في هذا الصدد أن المطالبات بخروج القوات التركية من ليبيا تأتي في الوقت الذي لا يزال فيه حفتر يمارس سياساته ذاتها كأن حكومة الوحدة الوطنية غير موجودة، ومن دون أي موقف رادع من المجتمع الدولي أو البعثة الأممية. هذا فضلاً عن عدم انسحاب المليشيات التي تقاتل إلى جانب حفتر وعلى رأسها فاغنر الروسية من مواقعها.

وقد اضطر رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية دبيبة إلى إلغاء زيارته إلى بنغازي في 25 أبريل/نيسان الماضي، وذلك بعد أن منعت قوات تابعة لحفتر وفد المراسم والحراسات التابعة للحكومة دخول بنغازي، بل وإجباره على العودة إلى طرابلس. هذا بالوقت الذي انتشرت فيه تهديدات من قِبل مليشيات تابعة لحفتر تهدد فيها دبيبة في حال توجه إلى بنغازي ولم يلتقِ حفتر.

وعلى الرغم من ممارسات حفتر التي لا تنسجم مع روح حكومة الوحدة الوطنية، فإن الأطراف الدولية بما فيها البعثة الأممية تستمر بسياسات الترضية لحفتر. فقد أجرى رئيس البعثة الأممية إلى ليبيا يان كوبيتش زيارته لمناقشة الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، بما في ذلك توحيد المؤسسات العسكرية الليبية. وقد كان لافتاً مرافقة نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني لرئيس البعثة الأممية في زيارته إلى حفتر.

وفي ذات السياق تراقب أنقرة باهتمام مساعي حكومة الوحدة الوطنية للتواصل مع كل الأطراف الإقليمية والدولية، بما فيها الإمارات العربية المتحدة التي كانت إحدى أولى وجهات رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد دبيبة. وكذلك تتابع أنقرة بحذر مساعي القاهرة لزيادة حضورها في الملف الليبي. إذ زار رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في 20 من الشهر الماضي طرابلس والتقى رئيس الوزراء الليبي، في أول زيارة لمسؤول مصري رفيع المستوى إلى طرابلس منذ عدة سنوات. إذ جرى التوقيع خلال الزيارة التي شارك فيها 75 شخصية من الطرف المصري من بينهم 11 وزيراً على العديد من الاتفاقيات.

وعلى الرغم من أن أنقرة تعمل على فتح صفحة جديدة بعلاقاتها مع القاهرة، فإنها لا تريد لتقاربها مع مصر أن ينعكس لصالح الأخيرة بليبيا على حساب المصالح التركية. وقد كان لافتاً أن الزيارة المفاجئة للوفد التركي إلى ليبيا ترافقت مع زيارة وفد تركي آخر برئاسة نائب وزير الخارجية التركي سادات أونال إلى مصر لبحث العلاقات الثنائية، في خطوة متقدمة لمساعي الطرفين لإذابة الجليد بينهما.

أرادت أنقرة لزيارة وفدها المفاجئة إلى طرابلس أن تمثل رداً واضحاً وحاسماً على مطالبات بعض الجهات الليبية وعلى رأسها وزيرة الخارجية بخروج القوات التركية من ليبيا. كذلك فإن التوليفة الأمنية والعسكرية للوفد أشارت إلى أولوية لتعزيز التعاون في هذه المجالات بالنسبة إلى أنقرة، بخاصة في ظل استمرار حالة السيولة السياسية في ليبيا، التي تدفع تركيا إلى ترسيخ دورها ووجودها العسكري في ليبيا، وذلك على خلاف ما يرجوه منافسوها الإقليميون.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي