صورة من أحد مراكز الاقتراع في العراق  (AA)

انتهت المرحلة الأولى من الانتخابات النيابية العراقية بإغلاق صناديق الاقتراع، وما زلنا عالقين في المرحلة الثانية، وهي مرحلة النتائج التي أثارت جلبة كبيرة منذ إعلان مفوضية الانتخابات النتائج الأولية، والتي لم يتم حسمها أو التصديق عليها بعد، لا سيما وأن النتائج كشفت عن تغيير كبير في تمثيل الكتل والأحزاب السياسية داخل مجلس النواب، وخصوصاً تلك التي تصدرت انتخابات، 2018 ونقصد هنا ما يُعرَف بـ "قوى السلاح".

ومنذ أن أُعلنت النتائج الأولية للانتخابات النيابية "المبكرة" في العراق، لم تهدأ الكتل الخاسرة أو المتضررة، ولجأ بعضها إلى لغة التصعيد ضد حكومة مصطفى الكاظمي ومفوضية الانتخابات والجهات الرقابية الدولية وعلى رأسها بعثة الأمم المتحدة (يونامي)، إذ أعلنت فصائل مسلحة وقوى سياسية "شيعية" رفضها لنتائج الانتخابات وطعنت بها، ولوّح بعضها بالتصعيد العسكري والاحتجاجي في حال لم يتم النزول على رغباتها بإعادة النظر في النتائج، وإن كان باللجوء إلى العدّ والفرز اليدوي، على الرغم من أن الانتخابات إلكترونية.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه جهات إعلامية وأوساط سياسية وشعبية، عن وجود ضغوط إقليمية، تمارَس على الجهات المعنية بالانتخابات في العراق، غير زعيم التيار الصدري والمتصدّر للانتخابات مقتدى الصدر، من خطابه التصعيدي الذي أشار فيه إلى نزع سلاح الفصائل وحصره بيد الدولة، الذي جوبه برفض مباشر، وقال إن إضافة أو خسارة بعض المقاعد في مجلس النواب لن يؤثر في الكتلة الكبرى، لتسارع بعد ساعات قليلة مفوضية الانتخابات إلى إعادة عدّ وفرز محطات انتخابية أسفرت عن منح القوى المعترضة على النتائج مقاعد جديدة، وهي ليست كافية بالنسبة إلى هذه القوى الطامعة في الحفاظ على وضعها الخاص سياسياً وعسكرياً.

أما الصدر وكتلته المتصدرة للانتخابات بأكثر من 70 مقعداً، فأمام خيارين: أولهما أن يتمسك بكونه الكتلة المتصدرة وفقاً للدستور، واختيار مرشح لرئاسة الحكومة مع حقيبته الوزارية، والحصول على حلفاء داخل مجلس النواب للموافقة عليها بالأغلبية. والثاني أن يذهب إلى التحالف مع آخرين لتشكيل الكتلة الكبرى داخل المجلس، والامتثال لتفسير المحكمة الاتحادية بعد انتخابات 2010، الذي ينصّ على أن الكتلة الكبرى هي التي تتشكّل داخل مجلس النواب وتعرض مرشحيها للحكومة على المجلس للتصويت عليها. وفي كلتا الحالتين سيخضع لضغوط الحلفاء، خصوصاً أولئك الذين قد يتم فرضهم على الكتلة الكبرى من قبل اللاعب الإقليمي، الأمر الذي قد يدفع بالصدر إلى التلويح بالاعتزال مجدداً، أو القبول بشروطه، وأبرزها أن يكون رئيس الحكومة صدرياً.

ووسط كل هذا التناحر السياسي قبل بعد إجراء الانتخابات، والمتوقع أن يستمر حتى تشكيل الحكومة التي يبدو أنها ستتأخر لعدة أشهر، خصوصاً في ظل ما تشهده العملية السياسية العراقية من شبه انسداد وانعدام للثقة بين الأطراف المختلفة. يبدو أن الشارع العراقي سئم إعادة المشهد ذاته في كل انتخابات، إذ وصفت وكالة رويترز الانتخابات النيابية في العراق بأنها الأقل مشاركة منذ 2003، على الرغم من إعلان مفوضية الانتخابات مشاركة 41 بالمئة، لكن المفوضية احتسبت النسبة بناءً على عدد المستلمين لبطاقة الناخب وقسمتها على أعداد المشاركين، وهذا لا يتناسب بطبيعة الحال مع مجمل أعداد المسموح لهم بالانتخاب في البلاد.

وعلى الرغم من ذلك شكك كثيرون في النسبة المعلنة، لا سيما بعد أن حذفت المفوضية تقريرها للنصف الأول من يوم الاقتراع الذي كانت فيه نسبة المشاركة حتى قبل 3 ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع 21 بالمئة. جاء ذلك بالتزامن مع إطلاق دعوات لمقاطعة الانتخابات تبناها مثقفون ونخب عراقية، بالإضافة إلى عدم مشاركة عدة أحزاب وتيارات سياسية في الانتخابات مثل الحزب الشيوعي وآخرين، لأسباب مختلفة أبرزها التشكيك في سلامة البيئة الانتخابية في ظلّ وجود السلاح والمال السياسي.

ولعل سبب تناقص الإقبال على صناديق الاقتراع من انتخابات إلى أخرى، هو فقدان الناخب العراقي ثقته بالأحزاب والتيارات السياسية، وبالمحصلة العملية السياسية بشكل عامّ، وهو قد يكون سبباً منطقياً لما يشهده العراق من تدهور على مختلف الجوانب "الأمنية والخدمية والتعليمية، إلخ". بالإضافة إلى عدم الأخذ بعين الاعتبار ما تشهده البلاد من أحداث طيلة السنوات الثماني الماضية، من حرب ضد تنظيم داعش واحتجاجات شعبية، وما خلفتها تلك الأحداث من دمار وقتلى وجرحى واستياء شعبي، واتساع الفجوة بين الطبقة السياسية والشعب، الذي تشير كل المعطيات إلى أن نسبة الناقمين منه على النظام والسلطة تأخذ مؤشراً تصاعدياً وفقاً لما تظهره نسب المتفاعلين منه مع الانتخابات والمشاركة بها.

وحسب قراءة للمشهد العراقي، فإنه بعد إجراء كل انتخابات نيابية وخصوصاً إذا أخذنا انتخابات 2014 و2018 نموذجاً، فإن الشارع يشهد غلياناً شعبياً يتصاعد من انتخابات إلى أخرى، إذ تُعَدّ تظاهرات أكتوبر/تشرين الأول، أكثر تأثيراً وخطورة على النظام السياسي في البلاد من تلك التي التي سبقتها. وبالنظر إلى شكل الخلافات الحالية على نتائج الانتخابات واحتدام الصراع بين الفائزين والخاسرين، يبدو أن العراق مقبل على حكومة توافقية ضعيفة خارج إطار الكتلة الكبرى التي يبدو من الصعب تشكيلها، وهو سيناريو شهده العراق بعد انتخابات 2018، أو تشكيل كتلة أكبر من الفائزين والدخول في صراع مع الخاسرين قد يتطور إلى نزاع مسلح، وبطبيعة الحال في كلتا الحالتين سينعكس تأثير ذلك على الشارع، الذي يبحث عن دولة قوية وحكومة قادرة على توفير احتياجاته دون أن تخضع لتأثير القوى السياسية المتصارعة.

وعلى الرغم من معرفة كل الأطراف السياسية بالمعطيات المذكورة أعلاه، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً، لا سيما في ظل الإصرار على نظرية "لا خاسر ولا رابح"، وهو عُرْف سنّته جميع الانتخابات السابقة في ظل توصل الكتل السياسية إلى توافق، يتم بموجبه تقاسم المناصب الوزارية والسيادية بين ممثلي الطوائف والقوميات "سياسياً"، ووفقاً للاستحقاق الانتخابي. وهذا ما لم تعُد تحتمله العملية السياسية في العراق، لا سيما بعد حدوث أكثر من شرخ داخل كتل وأحزاب المكون أو الطائفة الواحدة، الأمر الذي يحول دون العودة بشكل طبيعي إلى السياق الكلاسيكي المعتمد سابقاً.

ومع انتظار وترقب الجميع لاستكمال مراحل الانتخابات النيابية، فإن الشارع العراقي يبقى هو الحلقة الأصعب، فمحاولة الالتفاف على نتائج الانتخابات ستزيد "الطين بلّة" وتؤيد نظرية المقاطعين للعملية السياسية، وقبول الخاسرين بالنتائج يعني تحييدهم عن المشهد، وهذا لن يقبلوا به. فهل سيذهب العراق نحو انسداد سياسي، أم نحو حكومة توافقية قد لا تصمد عاماً واحداً أمام الهيجان الشعبي؟

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً