جل إيراني يرتدي قناعًا للوجه يسير في أحد شوارع العاصمة طهران ، حيث تشهد إيران ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا (كوفيد -19) (Reuters)

حيث سجّلت إيران أرقاماً قياسية في عدد الوفيات وصلت إلى أكثر من 655 حالة يومياً. ووصل عدد الحالات الإيجابية للإصابة بالفيروس إلى حوالي خمسين بالمائة من إجمالي عدد تحاليل الكشف عن الفيروس.

ومع ظهور حجم الكارثة وارتفاع عدد الضحايا والنقص الحادّ في المعدّات الطبية والأدوية اللازمة وعدم قدرة المشافي على استيعاب حالات الإصابة الجديدة وردود الفعل الغاضبة من المواطنين وانتهاء ولاية الحكومة السابقة، بدأ بعض المسؤولين بالكشف عن مدى الإهمال والتقصير والاستخفاف بروح المواطنين وسوء الأداء في التعامل مع الملف.

تسييس الوباء

رغم أن الوباء انتقل إلى إيران في يناير/كانون الثاني 2020 أي بعد أيام قليلة من مقتل قاسم سليماني وإسقاط الحرس الثوري طائرة ركاب أوكرانية، تكتّمت السلطات عن الإعلان عن دخوله البلاد حتى مارس/آذار. واتضح في ما بعد أن الهدف من إخفاء هذه الحقيقة هو الخشية من عدم مشاركة المواطنين في المسيرات في ذكرى انتصار الثورة في فبراير/شباط، والتي يحرص النظام عليها لاستعراض شعبيّته. يضاف إليها القلق من إحجامهم عن التوجه لصناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية في الشهر نفسه.

تشهد إيران ارتفاعاً حاداً في حالات الاصابة بفيروس كورونا. المصدر Statistics (Others)

في أولى تصريحاته حول الوباء، قلّل المرشد الإيراني علي خامنئي في 23 فبراير/شباط 2020 وبعد يومين فقط من الانتخابات من خطورة الوباء، واتّهم الأعداء بتضخيم خطورته لدفع المواطنين إلى عدم المشاركة في الانتخابات، واعتبر الدعاء كافياً لزواله. ثم انتقل للحديث عن مؤامرة واتّهم واشنطن في خطابه بمناسبة السنة الإيرانية الجديدة بشنّ حرب بيولوجية مصمّمة خصّيصاً ضد بلاده، زاعماً أنها قامت بتطوير جينيّ لسلالة من فيروسات كورونا لاستخدامها على الإيرانيين، ليكون بذلك واحداً من أبرز مروّجي نظرية المؤامرة بخصوص الوباء في العالم.

نتيجة هذا الإحساس بالمؤامرة، أعلن عن رفضه مساعدات أمريكية لأن واشنطن "ربما ترسل أدوية تزيد من سرعة انتشار الوباء أو تطيل أمد تفشيه في إيران"، متّهماً خبراء المنظمات الدولية القادمين إلى إيران للمساعدة في التصدّي للوباء بالعمل لصالح أمريكا، وأنّ الهدف من قدومهم معاينة أثر الفيروس على الإيرانيين. بناء على هذا التوجيه، أعادت السلطات شحنة مساعدات أرسلتها منظمة أطبّاء بلا حدود ورفضت مساعدات مقدّمة من منظّمة الصحّة العالمية.

وفي سياق الشعور بالمؤامرة، وبالتزامن مع سعي معظم الحكومات للحصول على اللقاحات المضادّة للفيروس، أصدر المرشد في بداية العام الحالي أمراً بمنع استيراد اللقاح من أمريكا وبريطانيا بحجّة حدوث كثير من حالات الوفاة فيهما رغم إعطاء اللقاح. إثر ذلك رفضت السلطات استقبال 150 ألف جرعة من لقاح فايزر من أمريكا، بحسب ما صرح به الأمين العام لمنظّمة الهلال الأحمر الإيراني.

حكومة روحاني... حين تُعتبر الكوارث إنجازات

تصدّرت إيران في الأيام الأخيرة قائمة الدول بعدد الإصابات والوفيات في العالم مقارنة بعدد سكّانها. وفق بعض الإحصائيّات، في كلّ ثانيتَين يُصاب إيراني بالوباء، وفي كلّ 3 دقائق يلقى أحد المصابين مصرعه نتيجة لذلك.

لقد أدّى ارتفاع عدد الإصابات إلى نقص حادّ في الأدوية المستخدمة في علاج الوباء وكذلك السيروم وعبوات الأكسيجين، وبيع بعضها بعشرة أضعاف ثمنها الحقيقي. وأظهرت صور مسرّبة وضع المرضى على أرض المشافي وفي ساحاتها الخارجية لعدم توفر الأسرّة. كما تجلّى الارتفاع الكبير في عدد الوفيات من خلال عدم توفّر التوابيت وسيارات الإسعاف في بعض المدن.

ولوحظت طوابير طويلة لمواطنين إيرانيين على حدود بعض دول الجوار التي تقدم اللقاح للقادمين إليها. ولم تحظَ الفئة التي تتحمّل العبء الأكبر في مواجهة الوباء بالرعاية والتشجيع اللازمين، ما أدى لارتفاع معدّلات الرغبة بالانتحار وانخفاض الأمل بالحياة لدى الكادر الطبي، بحسب مدير قسم العناية المشدّدة في مشفى الإمام الرضا في مدينة مشهد. وتم استغلال حاجة المواطنين بلقاحات مغشوشة أو مزيّفة بيعت بأسعار خيالية، حيث كشف رئيس شرطة الأمن العام في طهران قبل أيام أن أكثر من 3 آلاف مواطن تلقّوا جرعة مغشوشة من لقاح أسترازينيكا في العاصمة.

رغم كلّ ذلك، يتباهى الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني، الذي حاول توظيف الجائحة للتخفيف من العقوبات الأمريكية المفروضة على بلاده، بأداء حكومته في المجال الصحيّ، معتبراً أنه لا نظير له في تاريخ إيران منذ عهد الدولة الأخمينية وحتى الآن. ويزعم أنّ العديد من الدول تسعى لتطبيق النموذج الإيراني في مكافحة الوباء، دون أن يذكر اسم أي دولة بالطبع. وفي نفس السياق، نشر مركز الأبحاث الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية تقريراً مفصلاً يستعرض فيه إنجازات الحكومة في مواجهة الوباء في كتاب من 483 صفحة.

لم تكتف الحكومة بذلك، بل أدخلت ما اعتبرته إنجازاً لها في الكتب المدرسية. فقد ورد في كتاب الدراسات الاجتماعية في الصف الثالث الإعدادي ما يلي "استطاعت إيران أن تكون واحدة من أفضل دول العالم في مواجهة الوباء". وقال وزير الصحة إن العالم يقف حيرانا ًأمام قدرات إيران في السيطرة على الوباء وإنتاج الأدوية والمعدات اللازمة للوقاية منه.

اللقاح المحليّ... عناد يُفاقم من حجم الكارثة

بعد رفض المرشد استيراد اللقاح من أمريكا وبريطانيا، حاولت إيران تصنيع لقاح محلّي ومنح موافقة لثماني شركات محلية لتصنيعه، معظمها مرتبط بالحرس الثوري والمؤسسات التابعة للمرشد مباشرة.

وحصلت هذه الشركات على مساعدات مالية ضخمة. ورغم الوعود التي قدمها المسؤولون بتسليم عشرات ملايين الجرعات من اللقاح المحلي لوزارة الصحة منذ شهور، بل وحديثهم عن تصدير اللقاح الإيراني لأمريكا، لم تنجح سوى شركة واحدة بتسليم مليونَي جرعة فقط من لقاح أطلق عليه اسم "إيران بركت" لوزارة الصحة حتى الآن، وبُدئ بالفعل إعطاء اللقاح للمواطنين رغم أنه لم يحصل على التراخيص اللازمة من المراجع الصحية العالمية.

خلال هذه الشهور، لم تبذل السلطات جهداً حقيقياً لاستيراد اللقاح من الخارج، وكان معظم اللقاح الأجنبي الذي دخل البلاد عبارة عن هدايا من دول مختلفة. وبدا جليّاً أنها غير عابئة بمرور الزمن وسقوط مزيد من الضحايا، على أمل تصنيع اللقاح المحلي ممَّا جعل البعض يتهمها أن الهدف من تصنيع اللقاح استعراض العضلات في الساحة الدولية وإثبات مقدرات إيران وتطورّها العلمي أكثر من إنقاذ أرواح المواطنين.

بعد ارتفاع أعداد الضحايا والإصابات بشكل كبير والخشية من غضب شعبي عارم، اضطرّت السلطات إلى مراجعة حساباتها، لا سيما بعد أن أدرك فشل تجربة اللقاح المحلي حتّى الآن، وأن من الخطأ التأخّر في استيراد اللقاح وانتظار تصنيعه محليّاً.

تراجع المرشد عن قراره بحظر استيراد اللقاحات الغربية، لكنه اتّهم في نفس الوقت الغرب بوضع قيود على تصدير اللقاح لبلاده، وزعم أن تصنيعه محليّاً سهّل من إمكانية استيراده من الخارج. وعلى الفور وجّه الرئيس الجديد تعليماته بشراء ثلاثين مليون جرعة بما فيها فايزر وموديرنا، كما تحدّث عن ضرورة شراء ستين مليون جرعة أخرى للسيطرة على الوباء.

يمثّل تعامل السلطات الإيرانية مع الجائحة أنموذجاً مصغّراً لنهجها عبر أربعة عقود، فهي ترى في كلّ حدث أو ظاهرة مؤامرة تستهدف كيانها وتحوّل ذلك إلى ميدان للمواجهة، ولا تتراجع عن مواقفها إلا حين تتعرّض لتهديد حقيقي، لكنها لا تعترف بالتراجع، بل تضفي عليه صفات البطولة وتحمّل الآخرين مسؤولية سوء أدائها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي