منذ مطلع الألفية الثالثة بدأ الغرب تحولاً نحو ما بعد التعددية الثقافية. لم يكن واضحاً ما الذي كانت تعنيه هذه التعددية ما بعد الحداثية قبل القرن الحادي والعشرين. لا خطة متماسكة تقودها الدولة للتعددية الثقافية ولا توافق في الآراء حول القبول الثقافي.

تفهم التعددية الثقافية، بمعنى أو بآخر، بوصفها قاعدة توافق الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الوسطية التي سادت لعدة أجيال في أوروبا والتي تراجعت لصالح أحزاب اليمين واليمين الراديكالي واليمين الجديد لاحقاً. عُدَّت التعددية الثقافية في أحسن الأحوال تجربة نبيلة ولكنها مثالية محكوم عليها بالفشل في مواجهة حقائق العولمة والاختلاف الثقافي، وفي أسوأ الأحوال مؤامرة نخبوية على نقاء أوروبا.

هاجم اليسار التعددية الثقافية لأنها تحصر التفكير في الأقليات بطريقة معينة وتمارس الأبوة العنصرية القائمة على أساس مفاهيم تفاضلية مثل "التسامح" فضلاً عن أنها تُشيِّئ الخارج الثقافي. وهاجم اليمين المتطرف التعددية الثقافية لأنها تمنح الاختلاف أولوية غير طبيعية على التشابه والتجانس وتفترض "المساواة" حيث لا توجد مساواة حقيقية.

ومن اليسار ما بعد الماركسي، هاجم الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك الوسط "الليبرالي التقدمي" الذي سلّع التنوع في شكل من أشكال رأس المال الثقافي، واحتفظ، رغم الإشادة الاسمية بالتسامح والمساواة الثقافية، بمسافة من الآخر الثقافي من خلال فرض توقعات الاستيعاب وكذلك تشديد الهجرة تحت ستار التوازن "المعقول". وفي الوقت نفسه، اتهم المتطرفون اليمينيون الأحزاب الوسطية السائدة بالخنوع للكياسة السياسية في عملية جلب الغرباء الضارين المتورطين في الإرهاب والاغتصاب.

ومع ذلك فإن تحديد "الوسط" بوصفه معقل التعددية الثقافية مواجهاً الحصار من اليمين واليسار يحجب الطريقة التي اتبعتها السياسات الوسطية ذاتها في توظيف قصة "التعددية الثقافية الفاشلة" لتعميم تصورات اليمين من أجل حماية الأصوات من الأحزاب اليمينية الأكثر تطرفاً ولكنها، بهذه العملية، ساهمت في إضفاء مزيد من الشرعية على رهاب الأجانب.

خذ مثلاً إعلان المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بعد نشر السياسي الألماني تيلو سارازين من الحزب الاشتراكي الديموقراطي كتابه (ألمانيا تدمّر نفسها بنفسها) عام 2010، "أن نهج التعددية الثقافية فشل، فشل بصورة مطلقة"، ثم عادت وأكدت ذلك عام 2015 حين قالت إن "التعددية الثقافية ما زالت كذبة الحياة المستمرة".

يشير اتفاق هذين الحزبين الوسطيين الرئيسيين على "نهاية التعددية الثقافية" (أو على الأقل التسامح مع هذه السردية)، إلى أنها قد أصبحت حقيقة متكررة حتى في الوسط، الأمر الذي جعل هذا الوسط هشّاً أمام اختراق كارهي الأجانب اليمينين، موجهاً سياسات "القلق من عدم التمكين" -الاقتصادية بالدرجة الأولى- نحو الثقافة والغرباء الثقافيين.

في وقت مبكر من العام 2000، أصبح "فشل التكامل" كلمة طنانة لكل من اليمين واليسار، وتطورت سردية أن التكامل الثقافي والاقتصادي للمهاجرين فشل وأن التعددية الثقافية حبستهم في مجتمعاتهم الضيقة وخلقت طبقة دنيا لا مبالية ومعزولة، لتطالب بالاستيعاب بدلاً من التكامل من خلال التعلم القسري لتاريخ البلد الأوروبي ولغته.

يكمن الفرق الرئيسي بين التكامل integration والاستيعاب/الدمج assimilation في علاقة الثقافة الجديدة بالثقافة الأصلية. يتوقع التكامل أن تتكامل الثقافتان دون أن تفقد الثقافة الجديدة تميزها ولكن أن تتحول إلى تجمع وظيفي صغير داخل المجتمع الكبير وأن تساهم في الثقافة المحلية ككل. ويتطلب الاستيعاب أن تتبنى الثقافة المهاجرة الثقافة الأصلية لا أن تساهم فيها.

ولذلك اجتاحت المجتمعات الأوروبية فكرة (نظام الحقيقة الثقافوي) الذي يضع الاختلافات الثقافية بين المواطنين والمهاجرين في قلب قضايا قصور التكامل. ليصبح هذا القصور السردية الكبرى التي صعد منها رهاب الأجانب المعاصر.

خلقت الخطابات الثقافية وخطابات الأمن القومي والاستيعاب الجديدة أجواء أصبح فيها رهاب الأجانب والمفاهيم أحادية الجانب عن "التسامح" تدعم فكرة أن التسامح الليبرالي عرضة للتطرف الإسلامي.

أماني أبو رحمة

وسواء كانت التعددية الثقافية حقيقة ما في أي وقت مضى وسواء فشلت أم لا، فليس الأمر ذا جدوى الآن. فالسرد المتكرر هو أن كل ما كان قد فشل، وبدأت مجموعات من مختلف الطيف الإيديولوجي الانخراط في النماذج الجديدة للتفتت الاجتماعي أو سياسات الهوية.

خلقت الخطابات الثقافية وخطابات الأمن القومي والاستيعاب الجديدة أجواء أصبح فيها رهاب الأجانب والمفاهيم أحادية الجانب عن "التسامح" و"ليبرالية الهوية" و"الليبرالية اللا ليبرالية" تدعم فكرة أن التسامح الليبرالي عرضة للتطرف الإسلامي، لذا يجب أن تكون أوروبا غير ليبرالية كي تحمي نفسها مُبَرَراً بصورة متزايدة. قدمت مبررات مثل الجوهرية الثقافية ووضع عبء الاستيعاب على مجموعات الأقليات في نواحٍ كثيرة، الأسس لصعود اليمين الجديد والتحول الخطابي من ريبة خجولة ضد الأجانب إلى رهاب وشوفينية قومية أو بيضاء صريحة.

دفع ثقل الاتهام بالعنصرية في القرن الحادي والعشرين الكثيرين إلى الحديث كما لو أننا نعيش الآن في مجتمع ما بعد العنصرية. وتحالفت سردية "فشل التعددية الثقافية" مع تفسير النيوليبرالية لفشل التكامل الاقتصادي لـ"إضفاء الطابع الثقافي على العرق“، ما يختزل علاقة مجتمعات المهاجرين مع بقية المجتمع في بعد ثقافي واحد متجاهلاً تعقيداتها الداخلية والخارجية. يحدث هذا ليس فقط على حساب الاعتبارات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولكنه يتجاهل أيضاً الطرق والممارسات التي ما تزال فيها العنصرية الفجة متأصلة بعمق في التصورات والبني والممارسات السياسية في"الغرب".

ولكي نقول إن أي عمل من أعمال العنف أو الإقصاء "عنصري"، يجب إثبات أن الضحية كانت سلبية، ولم يكن لديها أي سمة عدا لون البشرة الداكن. وبمجرد اكتشاف أن الضحية كانت مشاركة في ممارسات بعينها أو أنها تمتلك صفات ثقافية تميزها عن تلك السائدة في المجتمع، أو كانت بأي حال من الأحوال غير سلبية، يصبح العنف والإقصاء أي شيء خلاف العنصرية.

يؤدي التركيز على الثقافة بطبيعته إلى التركيز على الاختلاف الثقافي. وإذا كانت القضايا اقتصادية أو سياسية، فإن عدم المساواة الطبقية أو السياسية سوف تشكل تفسيرات للمشاكل. لكن توظيف الاختلافات الـ(مبالغ فيها) بين الثقافة "الأوروبية" و"العربية" أو بين "المسيحية" و"الإسلام" في تفسير الحقائق الاجتماعية في الحياة اليومية للأغلبية والأقليات السكانية في البلدان الأوربية من شأنه أن يشرعن استغلال الأجانب إقصاءهم دون اتهام بالعنصرية التقليدية القائمة على العرق.

دشنت "الحرب على الإرهاب" فرصاً للدول لتوسيع سلطاتها وإعادة تعريف نفسها بطرق عديدة: التدخل الدولي، والمراقبة، والقيود على الهجرة، والشك في الأقليات (خاصة المسلمين)، وخلقت ما أطلق عليه ديدييه بيجو "حكومات القلق".

أماني أبو رحمة

تتسم آلية الإقصاء على أساس العنصرية الثقافية بالمرونة البالغة؛ ذلك أنها تمنح الدولة القدرة على تحديد من هو "المندمج ثقافياً" بما فيه الكفاية ومن هو غير المندمج، وبالتالي تمنح الحقوق القانونية بشكل انتقائي للمندمجين وتحرم من يعجزون عن تحقيق الاندماج.

مثَّل الحادي عشر من سبتمبر "نقطة تعسفية للتحول التاريخي" نحو رهاب الأجانب الموجه إلى المسلمين بشكل خاص. إلا أن أهميته كأداة خطابية لإعادة بناء أساطير "التهديدات للحضارة الغربية" يعطينا صورة أوسع عن كيف أصبح الحادي عشر من سبتمبر مبررًا لنموذج "قبل" و"بعد" الذي اعتاد أن يفرض قواعد جديدة في سياسة الهجرة.

دشنت "الحرب على الإرهاب" فرصاً للدول لتوسيع سلطاتها وإعادة تعريف نفسها بطرق عديدة: التدخل الدولي، والمراقبة، والقيود على الهجرة، والشك في الأقليات (خاصة المسلمين)، وخلقت ما أطلق عليه ديدييه بيجو "حكومات القلق".

تستلزم الحرب على الإرهاب عدواً "عبر وطنياً" محدداً يشمل الأنظمة العدائية في الشرق الأوسط وعملاءها داخل أوروبا؛ وبالتالي فإن التركيز على الإسلام يقدم ذريعة لخطابات الأمن بوصفها "تكنولوجيات سياسية"

أماني أبو رحمة

كل هجوم إرهابي في الغرب يؤطر بوصفه لحظة من (أنا أخبرتكم بذلك)، لحظة تُجرِّد التطورات السياسية من تعقيداتها، وتُطبّع، بدلاً من ذلك، الحاجة إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية ضد (التعددية الثقافية) بوصفها المسؤولة؛ كونها متساهلة للغاية بشأن الشروط المسبقة للإدراج، مقابل الإقصاء، وبالتالي السماح للمجموعات الأجنبية المرتبطة بالإرهاب بدخول أوروبا.

أصبح ما بدأ بوصفه عدم تسييس إخفاقات التكامل انزياحاً إلى الثقافات الجوهرية، وإلى خطابات الأمن التي استوعبت التمايز بين الداخل المتجانس والخارج المضطرب في (موضوع الأمن) ، (وتهديدات الأمن)، وبذلك كان من السهل إدراج "المجتمع الإسلامي" ككل في الحرب على الإرهاب.

تستلزم الحرب على الإرهاب عدواً "عبر وطنياً" محدداً يشمل الأنظمة العدائية في الشرق الأوسط وعملاءها داخل أوروبا؛ وبالتالي فإن التركيز على (الإسلام) يقدم ذريعة لخطابات الأمن بوصفها "تكنولوجيات سياسية" لتأكيد مركب الأمن (القومي-الفردي) الذي يعتمد على الخوف من أجل القبول الشعبي، كذلك فهو مبرر لاستبعاد المهاجرين، الجدد أو المستقرين، ليس فقط بوصفهم غير متكاملين بما يكفي، ولكن أيضاً كأشخاص تحوم حولهم الشكوك.

وهكذا توفر الشعبويون اليمينيون الأوروبيون والأمريكيون على منصة بلاغية قوية، إذ يلام أي معارض سياسي يدعم اللاجئين أو يحاول تقريب المسافة بين مجتمعات المهاجرين والمواطنين على تغلغل الإرهابيين في أوروبا.

كما يجري تعطيل محاولات تخفيف الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي بفضل سياسات حكومات القلق القائمة على الخوف، والتي تثير مخاطر التعدد الثقاف "السيئ" لتبرير سياساتها الخارجية وسياسات العداء المحلية للمهاجرين التي توجت بالعبارة الأشهر في القرن الحادي والعشرين حتى الآن (الخير مقابل الشر)، وساهمت في تقدم الأحزاب اليمينية الجديدة في الانتخابات في مختلف أرجاء القارة الأوروبية ثم أخيراً فوز دونالد ترمب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي