توجد تعليقات تسعى لربط العلاقات التركية-الليبية وحصرها فقط في مذكرة التفاهم التي أبرمها البلدان عام 2019، حول مناطق الصلاحية البحرية ومصالح تركيا الخاصة والدعم الذي تحتاج إليه حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج في حربها ضد الانقلابي خليفة حفتر.

وفي هذا الإطار، نرى معلقين جرى شراء ذممهم من طرف دول عربية وغربية أو يُحمّلون أنفسهم مهمة حماية مصالح بلادهم، يسعون لإظهار تركيا على أنها دولة احتلال واستعمار ترفع شعار العثمانية الجديدة أو على أقل تقدير دولة تفكر فقط في مصالحها الخاصة.

لذا لا شك أنه من المهم للغاية شرح طبيعة العلاقات التركية-الليبية عبر التاريخ حتى اليوم في صورة صحيحة، إضافة إلى توضيح موقف تركيا تجاه ليبيا في الآونة الأخيرة.

ليبيا وتركيا.. تاريخ مديد من الصداقة والتعاون

من المهم أيضاً تأكيد أن الروابط بين الشعبين التركي والليبي متواصلة منذ قرون على الصعيد التاريخي والديني والثقافي. وقد استغلت إيطاليا ضعف الدولة العثمانية على خلفية دخولها حروب البلقان (ضد تحالف بلغاريا وصربيا واليونان والجبل الأسود) واحتلت ليبيا التي كانت حينها ولاية عثمانية، وسعت لترسيخ استعمارها هناك، كامتداد لسياسة الاستعمار التي تبنتها دول أوروبية اعتباراً من القرن السابع عشر.

استغلت إيطاليا حالة الضعف التي طرأت على الدولة العثمانية واحتلت مدينة طرابلس في 28 سبتمبر/أيلول 1911. وعلى الرغم من هذه الظروف الصعبة، نظمت الوحدات العسكرية التابعة للدولة العثمانية في مدينتَي بنغازي وطرابلس الليبيتين الشعب وسلَّحته ووفرت له الدعم لمواجهة الاحتلال.

وعلى النحو نفسه، سلَّح المسؤولون العثمانيون سكان مدينة طبرق عقب احتلالها من طرف إيطاليا، ووفروا مساعدات عبر مصر للمتطوعين العرب الذين كانوا يُنقلون من جانب شيوخ السنوسية إلى القوات المحارِبة ضد الاحتلال الإيطالي. وهذه الأمور كلها موثقة في الأرشيف العثماني.

وفي تلك الفترة، أرسلت الدولة العثمانية إلى طرابلس الليبية أحد أمهر ضباطها، النقيب أنور بك (لم يكن باشا حينها) الذي سيتولى قيادة الجيوش العثمانية لاحقاً، وبعده أرسلت إلى هناك مصطفى كمال أتاتورك القائد الذي سيربح لاحقاً حرب الاستقلال ضد الحلفاء، وسيؤسس تركيا الحديثة.

وسعت عبر هؤلاء القادة وبالتعاون مع أحمد شريف السنوسي لتنظيم الشعب الليبي، ووقف تمدد الاحتلال الإيطالي إلى المناطق الداخلية في البلاد.

غير أن بدء حرب البلقان التي مهدت الطريق لانهيار الدولة العثمانية، أجبرت العثمانيين على الانسحاب من طرابلس عقب التوقيع على معاهدة أوشي مع إيطاليا في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1912، ومن ثم احتُلت ليبيا من طرف إيطاليا.

وبدأ أبناء الشعب الليبي الذين كانوا مواطنين أحراراً خلال الحكم العثماني، يتعرضون لكل أنواع الظلم والاضطهاد من جانب المحتل الإيطالي.

بيد أن الشعب التركي اختار الوقوف إلى جانب أشقائه الليبيين سواء خلال الفترة بين أعوام 1912 و1951 إبان الاحتلال الإيطالي وبعده البريطاني، أو حتى بعد تشكيل الحكومة المؤقتة في 29 مارس/آذار 1951 عقب إعلان الاستقلال.

واكتسبت العلاقات بين البلدين زخماً واضحاً عقب الدعم الليبي لتركيا خلال عملية السلام في قبرص عام 1974. وتسارعت وتيرة تطور العلاقات بين البلدين مع زيارات الرئيس الليبي معمر القذافي ورئيس الوزراء عبد السلام جلود إلى تركيا.

فيما دخلت العلاقات بين البلدين عصرها الذهبي مع زيارة رئيس الوزراء التركي تورغوت أوزال إلى ليبيا عام 1980. وأبرم البلدان اتفاقات تعاون كبيرة في مجالات التجارة والمقاولات، فضلاً عن التعاون العسكري. ولعبت شركات تركية عديدة أدواراً مهمة في تشييد عدد من الجسور والأنفاق والمناطق السكنية ومشروعات البنى التحتية. وتواصلت العلاقات القوية بين البلدين بداية من التعليم المدني والعسكري مروراً بقطاعات الطاقة وحتى التجارة والمقاولات.

ومع بدء أولى موجات الربيع العربي في تونس نهاية عام 2010، وانتشاره في عدة دول عربية. دعمت تركيا بكل جوارحها جهود الشعوب العربية ومساعيها من أجل تأسيس أنظمة قائمة على أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتخلص من الممالك والإمارات والأنظمة الدكتاتورية التي تشكلت عقب حقبة الاستعمار الأوروبي.

غير أنها لم تقبل بجر البنى ذات التوجه الشمولي القائم على أسس قبيلة كما الحال في ليبيا، إلى الفوضى بضغط من القوى الغربية وبشكل ليس سلساً وطبيعياً. ونظرت بحذر وفتور إلى التدخلات الأجنبية. وحرصت وأصرت على ضرورة التوصل إلى حل سياسي يسهل تجاوز الشعب الليبي هذه المرحلة من دون خسائر.

وعقب مقتل معمر القذافي في مشهد تراجيدي عام 2011، دعمت تركيا حكومة المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا عام 2012، وساندت مساعيها الانتقالية نحو الديمقراطية. وعملت تركيا جاهدة في مرحلة ما بعد القذافي على الصعيد السياسي ودعم المعارضة، ونجحت في كسب تعاطف كل من الشعب والمعارضة في الكفاح من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وقد أبرمت تركيا اتفاقات تعاون عديدة ومتنوعة مع الحكومات الليبية المتعاقبة بعد عام 2012، واستمر التعاون القائم بين الجانبين في قطاعات التجارة والمقاولات والطاقة والنقل والمواصلات والسياحة.

وقد تطور ذلك التعاون خلال المرحلة اللاحقة. كما تواصلت زيارات الوفود وإبرام اتفاقات بين الجانبين في أعوام 2013 و2014 و2015. وتفاصيل الزيارات المتبادلة واتفاقات التعاون بين البلدين خلال هذه الفترة متوفرة في مصادر وزارة الخارجية التركية.

والروح والعزيمة نفسها دعمت تركيا حكومة الوفاق الوطني الليبية التي نجحت في الحصول على اعتراف الأمم المتحدة ودعمها عقب التوصل إلى اتفاق سياسي في مدينة الصخيرات المغربية عام 2015، كخطوة أولى للخروج من نفق الأزمة السياسية في ليبيا.

عودة الدكتاتورية العسكرية مع حفتر

غير أن الجنرال خليفة حفتر المعروف بهروبه إلى الولايات المتحدة وعمله مع وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، عقب هزيمته في تشاد إبان حكم القذافي، عاد بعد الثورة الشعبية الليبية، وبدأ تأسيس نظام عسكري شرقي البلاد. وتواصلت جهود إنشاء نظام عسكري بليبيا شبيه بما حدث في مصر عام 2013.

بينما واصلت تركيا دعم الجهود السياسية منذ البداية، لإيمانها الراسخ بضرورة أن يكون حل الأزمة في ليبيا سياسياً، وبناء على ذلك، دعمت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها أممياً الناجمة عن اتفاق الصخيرات.

بيد أنه في صورة مريبة، بدأ خليفة حفتر مع الوقت في الحصول على دعم دول معارِضة للربيع العربي مثل الإمارات ومصر والسعودية. ولاحقاً بدأ الاستفادة من المساعدات العسكرية والمالية واللوجستية التي حصل عليها من تلك الدول في جلب مرتزقة من دول مثل السودان وتشاد وروسيا، ومن ثم شرع في تطبيق مخططه لتأسيس نظام عسكري شبيه بالحاكم في مصر.

وخلال هذه المرحلة لم يتردد حفتر في ارتكاب جرائم حرب عديدة مثل استهداف المدنيين وقصف المستشفيات والمدارس. ووُثقت هذه الجرائم بشكل واضح في تقارير الأمم المتحدة.


وتحديداً خلال تلك الآونة، ظهرت دول مثل إسرائيل واليونان وقبرص الرومية ومن ورائها كبرى شركات النفط العالمية ودول أخرى مثل فرنسا ذات التاريخ الاستعماري الحافل، وشرعت في تنفيذ سياسات إبعاد تركيا وحرمانها موارد الثروة الهيدروكربونية شرق المتوسط، عبر إبرام اتفاقيات ثلاثية ورباعية حول استخدام حقول النفط والغاز في المنطقة، وبدأت في تقسيم شرق المتوسط.

ونظراً إلى توتر علاقاتها مع تركيا وتبنِّيها موقفاً غير عقلاني تجاهها، انضمت مصر إلى هذا التكتل حتى مع معرفتها أنه ضد مصالحها، وسيأتي على حساب حقوقها في شرق المتوسط.

ومن أجل إفشال هذه الحسابات الإمبريالية، وتلك المخططات التي تضر بجميع الدول صاحبة الحقوق الأصلية بالمنطقة، أبرمت تركيا اتفاقية في هذا الخصوص مع جمهورية شمال قبرص التركية، ولاحقاً مع الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا.

تركيا وليبيا ومعضلة شرق المتوسط

فقد أبرمت تركيا مع الحكومة الليبية مذكرة تفاهم بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية، ووقّع عليها وزيرا خارجية البلدين في إسطنبول في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

وتضمن هذه الاتفاقية حقوق الجرف القاري بين البلدين وحقوقهما في المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط. ويصعُب علينا الدخول في تفاصيل هذه الاتفاقية في هذا المقال، غير أن الإشارة إلى بعض الأرقام هنا سيوضح حجم المكاسب الكبيرة التي حققتها ليبيا عبر هذه الاتفاقية.

مذكرة التفاهم التي أبرمتها حكومة الوفاق الليبية مع تركيا زادت مساحة الجرف القاري لليبيا 16 ألفاً و700 كيلومتر مربع، بالمقارنة مع الاتفاقية التي ستوقَّع مع اليونان. إضافة إلى أنه يمكن ويحق لليبيا طلب تطبيق المبادئ والأسس الواردة في الاتفاقية المبرمة مع تركيا في الاتفاقات التي ستبرمها مع اليونان (وحتى إيطاليا أيضاً)، ما يعني أنها ستزيد من مساحة جرفها القاري 39 ألف كيلو متر مربع على أقل تقدير. وبناء على ذلك، مهما تغيرت الحكومة في ليبيا، فستكون إعادة المكاسب البحرية التي حققتها البلاد إلى اليونان، ضد المصالح الوطنية الليبية.

وإضافة إلى هذه الاتفاقية، أبرمت تركيا وليبيا اتفاقية تعاون أمني في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وصُدِّق عليها من البرلمان التركي في 14 ديسمبر/كانون الأول 2019، ومن الطرف الليبي في 19 من الشهر ذاته.

وعقب هذه الاتفاقية، أرسلت تركيا مستشارين عسكريين إلى ليبيا بدعوة من حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، لدعمها ضد مليشيات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر.

هزائم الانقلابي حفتر وقواته 

وبالدعم العسكري التركي والطائرات المسيرة التي أمدت بها الحكومة الليبية، أطلقت عملية "عاصفة السلام" لدحر المليشيات المعتدية على العاصمة طرابلس، ونجحت القوات الحكومية في تحرير العديد من البلدات والقواعد العسكرية والمناطق التي كانت تحتلها مليشيات حفتر واستعادة السيطرة عليها. وعلى الرغم من الدعم العسكري القادم من دول الإمارات ومصر وفرنسا والمرتزقة الذين جمعوهم من أنحاء العالم كافة، توالت سلسلة هزائم حفتر وذهبت سدى كل مخططات الدول التي دعمته.

فمنذ البداية دافعت تركيا عن العملية السياسية في ليبيا، وشددت على ضرورة حل الأزمة سياسياً، بعيداً عن الطرق العسكرية، لكنها غيرت مسار اللعبة الدائرة في ليبيا، وساعدت قوات حكومة الوفاق في تحقيق تفوق عسكري، ويبدو أنها ستجبر حفتر الذي طالما هرب من طاولات المفاوضات كما جرى في مباحثات موسكو وبرلين، على العودة والجلوس من جديد للتفاوض.

خلاصة القول، يظهر بصورة جلية وواضحة كذب جميع الادعاءات التي رددها، ولا يزال يرددها، بعض الحكام العرب ومن ورائهم وسائل إعلامهم بخصوص أن سبب التدخل التركي في ليبيا هو مصالحها الخاصة، وأنها قوة احتلال موجودة في ليبيا بطريقة غير شرعية.

فدائماً تمتعت تركيا بعلاقات جيدة مع كل الحكومات الليبية قبل الثورة وبعدها، وأبرمت ونفذت اتفاقات تعاون عديدة مع هذه الحكومات، ودائماً كانت لها إسهامات إيجابية في ليبيا، وحافظت على مصالح الشعب الليبي مع مصالحها.

لذا يظهر بوضوح أن السياسات التركية هي الأقرب إلى تحقيق السلام الدائم في ليبيا، نظراً إلى أنها سياسات تستند إلى القاسم التاريخي والديني والثقافي والاستراتيجي المشترك مع الشعب الليبي.

وها نحن نرى أن الجهود والتضحيات التي تبذلها تركيا من أجل تأسيس دولة ليبية ديمقراطية تتمتع بالرفاهية والسيادة على كامل أرضها، بدأ النظر إليها في صورة أكثر صحة من جانب المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

إن موقف تركيا من الأزمة الليبية يتمثل بشكل واضح بضرورة التركيز على الحل السياسي، وامتلاك الحكومة الليبية حق الدفاع عن نفسها، إلى جانب أهمية أن يكون حل الأزمة يشمل الأراضي الليبية كافة وليس منطقة بعينها، وذلك كي يكون سارياً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي