خليج غينيا تسمية مجازية أكثر من كونها واقعية، فهو مساحة بحرية عريضة محصورة من جانبين ممدودين، تمتد على سواحله أكثر من عشر دول في غرب إفريقيا تطل على المحيط الأطلسي.

هذه الدول ذات ثروات مطلوبة بشدة في العالم، فهناك النفط والغاز وهناك الذهب والألماس، وهناك المعادن والخشب وهناك السمك والحبوب الغالية. وأكثر ثروات المنطقة من الخام الصافي الذي يدوّره المنتجون الكبار بعد ذلك كما يريدون.

وهذه المنطقة الغنية بثرواتها ما تزال تمور بالفساد الداخلي والاضطراب السياسي والاجتماعي والصراع القبلي الحاد في برّها، وهو ما يجعل بحرها مرآة تنعكس عليها مشكلات البرّ المستعصية.

بعد التراجع الكبير في عمليات القرصنة البحرية في خليج عدن وسواحل الصومال على خلفية النشاط العسكري لأساطيل الدول الإقليمية والكبرى التي كانت تحاول تبرير وجودها الاستراتيجي في المنطقة بمقاومة القرصنة، نشطت العمليات في خليج غينيا بصورة ملفتة توحي بأن ثمة استدعاءً آخر للنفوذ الدولي إلى المنطقة، يتمّ عبر استدراج العصابات لزيادة نشاطها بغرض الوصول إلى حالة تستدعي التدخّل العسكريّ الجراحي العاجل، والتموضع في هذه المساحة المتحكّمة في نقل الثروات الحيوية، وتحديد نطاق حركتها وفق تفاهمات عُرفيّة مفروضة بالقوة.

هذه المنطقة المكتظة بنشاطات السفن العملاقة والمتوسطة والصغيرة والتي تنقل كل شيء بصمت تتعرض لهجمات عصابات منظمة خبيرة في الملاحة البحرية، وخبيرة في عمليات الكوماندوز والسيطرة السريعة. كما أن عمق عملياتها يؤكد وجود جهات تمنحها معلومات خاصة عن السفن المستهدفة، والأخطر من ذلك أنها تمتلك إحداثيات دقيقة مرتبطة بالأقمار الصناعية عن تحركات هذه السفن واتجاهاتها، وهو الأمر نفسه الذي كان يحدث في عمليات القرصنة البحرية الصومالية، وتحاول بعض المنظومات الاستخبارية الدولية اتهام دول إفريقية بعينها بالتورط في بيع المعلومات للقراصنة عبر مجموعات فاسدة تخترق المنظومات الأمنية في هذه الدول، وأنها شريكة في التخطيط وتوفير المعلومات وشريكة في الغنيمة أيضاً، لا سيما أن بعض هذه العصابات لا يتحرك بزوارق صغيرة سريعة بل بزوارق كبيرة قادرة على المناورة البحرية واعتراض السفن الكبيرة وإجبارها على الاستسلام، كما أن بعض العصابات يتخذ من سواحل بعض الدول الإفريقية مركزاً لتسلم الفدية والتصرف في البضائع المنهوبة.

وتحاول الجمهورية الفرنسية إظهار اهتمامها الكبير بالأمر وتعدّه من الملفات ذات الأولوية، وتحاول ضمّ الدول الإفريقية المتضررة من هذه القرصنة إلى تحالف إقليمي بقيادتها، وهذا جانب مهم يتطلّب التعمق في فهم التدخل الفرنسي وعلاقته بالأمر، ومن المثير أيضاً أن نعرف أن هناك وجوداً أمنياً للبحرية الإيطالية في المنطقة، ممَّا يعني أن ثمة تنسيقاً إيطالياً مع البحرية الفرنسية المعنية بتعزيز حضورها الاستراتيجي في المنطقة التي تفقد فرنسا حضورها فيها باطراد يضر بالمصالح الفرنسية على المديين القريب والمتوسط فضلاً عن المدى البعيد.

ومن الملفت أن معظم الهجمات تستهدف المنظومة الشرقية الصينية والروسية والآسيوية والشرق أوسطية، ولم تكن أُخراها إلا استهداف السفينة التركية التي تحمل العلم الليبيري، وهو أمر تكرر أيضاً في التجربة الصومالية، وإن كان بعضهم يعزو ذلك إلى خوف القراصنة من استفزاز الدول الأوروبية الكبيرة والولايات المتحدة ذات المصلحة الكبيرة في استمرار ضخ الثروات الرخيصة من هناك دون مشكلات مزمنة.

ومن الملفت أيضاً أن هذه القرصنة لا تهدف بالأساس إلى الاستيلاء على حمولات السفن بقدر جباية الأموال من الشركات نظير فدية على البحارة المختطفين لا تقل في العادة عن 50000$ للشخص الواحد، وهو ما تدفعه الشركات عادة لضمان عدم توقيف سفنها العاملة خلال فترات التحقيق الطويلة، خاصة أنها يمكن أن ترتّب تفاهمات مع بعض العصابات لتدفع لها إتاوات دورية مقابل حمايتها من عصابات أخرى أو عدم التعرض لها لاحقاً، على أن الأمر يصبح خطيراً إذا كانت حمولة السفينة تتضمن مواد حساسة أو أسلحة نوعية ممَّا يعني تسربها إلى جهات غير محسوبة، ولا يخلو الأمر أيضاً من عمليات قرصنة بغرض نهب الحمولة النوعية.

وقد ترتّب على هذه القرصنة ارتفاع قيمة التأمينات البحرية إلى عدة أضعاف، وبرزت الحاجة إلى استئجار أو استصحاب قطع بحرية عسكرية مساندة عالية الكلفة.

ولأن هذه القرصنة لا تخضع لرقابة أو قانون فمن المحتمل أن تكون على صلة بكل العصابات والجماعات ذات التوجهات المعارضة لدولها أو المنتمية إلى أيديولوجيات متعصّبة، وبالتالي ستكون هذه القرصنة أحد مواردها، وربما باتت إحدى استثماراتها الكبيرة.

لعل بواعث القرصنة في المنطقة ناشئة عن هشاشة هذه الدول، وضعف قبضة إنفاذ القانون فيها، وضعف التشريعات الخاصة بمكافحة الجرائم البحرية، وربما كانت ناشئة عن ضعف إمكانات هذه الدول وارتفاع كلفة الرقابة البحرية وعمليات المكافحة.

ولكن الجانب المهم هو الوضع الاقتصادي المتردي في هذه الدول الغنية بثرواتها، وهو الباعث الأساس الذي زيّن فرص القرصنة وبريق الربح السريع، لا سيما مع الانكماش الاقتصادي العالمي الكبير بسبب وباء كورونا.

وقد تحوّل خليج غينيا منذ عام 2011 إلى بؤرة قرصنة بحرية خطيرة تضررت منها دول هذا الخليج بشدة، وهي ليبيريا وكوت ديفوار وغانا وتوغو وبنين ونيجيريا والكاميرون وغينيا الاستوائية والغابون وجمهورية ساو تومي وبرينسيبي الديمقراطية وجمهورية الكونغو "برازافيل" وجمهورية الكونغو الديمقراطية "كينشاسا" وأنغولا، في منطقة تضم نحو نصف مليار نسمة ويخرج منها نحو 40% من الورادات النفطية لأوروبا ونحو 29% من النفط لأمريكا.

ويبدو أن ثمة نشاطاً آخر يتبع هذه القرصنة وهو غسل الأموال الذي تتحرك فيه عصابات دولية عابرة للقارات، مرتبطة على ما يبدو بمنظومات استخبارية تبحث عن مكان لها في عالم مجهول لا تمتد إليه عيون القوانين، يتيح لها الاقتراب من الأماكن الأشد خطورة، وتبدو هذه العصابات قادرة على اختراق منظومة الدول وتسخيرها لمصلحتها عبر الرشوة والفساد والتهديد.

كما يتبع لهذه القرصنة نشاط غير شرعي آخر يتعلق بتهريب بعض البضائع المنهوبة، ولا سيما السيارات والمصانع المنقولة والمنصات البحرية وبضائع الحاويات، وقطع الغيار والسلاح والوقود والمخدرات وتهريب البشر أيضاً.

وتبدو الفرصة سانحة للدول الكبيرة الباحثة عن أدوار محورية ونوعية للانخراط في جهود مكافحة القرصنة في خليج غينيا والتشبيك مع دولها وتأهيل كوادرها الأمنية، وسيكون هذا المسعى بمثابة تأشيرة دخول طبيعية وقانونية إلى هذه المنطقة الغنية والواعدة اقتصادياً، وسيجعل منها دولاً منافسة لأعدائها الاستراتيجيين الساعين مثلها إلى موطئ قدم في تلك المنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي