كلنا، نحن الأردنيين، شعرنا بالصدمة مما حدث. ولنا الحق في أن نشكك في أي أحد يمكن أن يقول إن ما جرى لم يشكل صدمة له.

فطيلة عقود، كان تماسك العائلة الملكية في الأردن مصدر فخر واعتزاز، كما هو مصدر سيادة وأمن للبلاد. فكلنا مازال يحتفظ في ذاكرته، على سبيل المثال، بالعديد من الصور ومقاطع الفيديو التي كانت تجمع الملك الراحل الحسين بن طلال وولي عهده أخاه الأمير الحسن بن طلال والتي يظهران فيها مبتسمين، متماسكين، متآلفين، الأمر الذي كان يعكس قوة وتماسك العائلة الهاشمية في الأردن.

ما حدث مؤخراً كان صادماً لأنه ضرب في العمق هذه الصورة النمطية لتماسك العائلة المالكة في الأردن، وهي عائلة لا تحظى بالاحترام والتقدير كونها تمثل مؤسسة العرش وحسب، بل وكونها ترتبط بنسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام من جهة، وبكونها السلالة التي أسست الدولة منذ بدايتها، وتتمتع بتاريخ ناصع مع شعبها حيث لم يسجل تاريخ الأردن الحديث أن واجهت الأسرة الحاكمة شعبها بالعنف والقتل الجماعي كما جرى ويجري في بعض دول الجوار العربي- للأسف.

وقد كانت كلمات العاهل الأردني في رسالته التي وجهها إلى الشعب الأردني يوم أمس حول الحادثة تعبيراً حقيقياً عن مقدار الألم والصدمة التي حلت عليه كممثل لرأس الدولة، وعلى الشعب الأردني كافة عندما قال إن: تحدي الأيام الماضية لم يكن هو الأصعب أو الأخطر على استقرار وطننا، لكنه كان لي الأكثر إيلاماً، ذلك أن أطراف الفتنة كانت من داخل بيتنا الواحد وخارجه، ولا شيء يقترب مما شعرت به من صدمة وألم وغضب، كأخ وكولي أمر العائلة الهاشمية، وكقائد لهذا الشعب العزيز”.

وبالرغم من أن الأزمة قد حُلت في إطار توجيه الرسائل المطمئنة إلى الشعب الأردني من قبل العائلة المالكة، سواء رسالة الملك عبد الله، أو رسالة الأمير حمزة التي سبقتها، وأكد فيها ولاءه لأخيه جلالة الملك، إلا أن عدم الظهور العلني سواء للملك أو لأخيه الأمير حمزة أو حتى عمهما الأمير الحسن الذي أوكلت إليه مهمة إصلاح ذات البين، مازال يلقي ببعض ظلال الشك حول ما إذا كانت الأزمة قد انتهت فعلاً أم بقيت خامدة خصوصاً أن المتداول بين الناس مازال هو تلك المقاطع المسربة للأمير حمزة.

الخوف هنا يتأتي ربما من محاولة البعض استثمار هذه الثغرات لإبقاء جذوة التشكيك قائمة، وهو ما يمثل اصطياداً بالماء العكر في محاولة تهدف قدر الإمكان إلى إضعاف الموقف الأردني في بعض الملفات الإقليمية ذات الحساسية العالية كالملف الفلسطيني، وذلك من أجل تليين موقف عمّان تجاهها. ولا نذهب بعيداً إذا قلنا إن إسرائيل ربما تعتبر من أبرز اللاعبين الذين لديهم مصلحة في إضعاف الأردن سياسياً نظراً لمواقفه الرافضة لصفقة القرن وما يترتب عليه من تغير ترتيبات الأمر الواقع خصوصاً في القدس وغور الأردن.

ما يحتاجه الأردن، في ظل وجوده في إقليم يعاني من حالة شديدة من عدم الاستقرار، إلى جبهة متماسكة ليس على مستوى الواقع وحسب بل وعلى مستوى التصور. لذلك كان من منتهى الحكمة حل الأزمة داخل العائلة المالكة وهو أمر من شأنه أن يعزز تماسكها وبالتالي تماسك البلد.

وإذا كانت الرسائل في حد ذاتها ضرورية، فإن مزيداً من الإجراءات لتعزيز الثقة، وبث مزيد من روح الاطمئنان لا بد من اتخاذها من قبيل خروج الملك مخاطباً شعبه بشكل مباشر، أو ظهور صورة تظهر الأمير حمزة برفقة الملك عبد الله، هذا فضلاً عن اتصاف التحقيقات حول الجهات الخارجة الضالعة بالأزمة التي تجريها الحكومة بالشفافية الأمر الذي من شأنه أن يضع حداً للشائعات المغرضة بخاصة في عصر منصات التواصل الاجتماعي التي من شأنها أن تعظم كل شائعة لتصل بها إلى مصاف الحقيقة.

هناك تخوف من أن تقود هذه الأزمة إلى مزيد من التشدد الأمني، وتكتيم الأفواه، والتضييق على الكلمة الحرة وعلى المعارضة الوطنية. وهذا تخوف مشروع خصوصاً في ظل انتشار فيروس كورونا، والصعوبات الاقتصادية الجمّة، وأوامر الدفاع التي تحد من الحريات التي فرضت للحد من انتشار الجائحة. لا بد من التذكير أن هذا التوجه إذا حصل لن يصب في أمن المملكة بالنهاية. ففي ظل هذه الأوقات العصيبة، ما يحتاجه الأردن هو إجراءات من شأنها أن تخفف حدة الاحتقان في الشارع، خصوصاً الاحتقان الناتج عن تفاقم الحالة الاقتصادية، وانهيار القدرة الشرائية للمواطن، بخاصة أنه في الجوار هناك حالات مشابهة، كالحالة اللبنانية، التي انهار فيها الاقتصاد، ويؤدي ذلك إلى تفكك مؤسسات الدولة بشكل بطيء.

إن تعزيز الثقة مع الشعب، ومحاولة التخفيف عنه، والمحافظة على تماسك الأسرة المالكة، وإشاعة أجواء من الأمن، وحرية الكلام، والتعاطي مع المعارضة الوطنية في إطار الخلاف السياسي واختلاف الآراء، من شأنها أن تنزع عن البلد مخاطر الانزلاق إلى مسارات لا يحمد عقباها. هناك غضب شعبي لا يمكن إخفاؤه من معدلات الفساد التي أصبحت مستشرية في البلد، وأعتقد أن معضلة الفساد هي الأشد خطراً على البلاد، وربما تكون هذه الأزمة فرصة لملاحقة الفساد ووضع حد له وهو أمر من شأنه تعزيز شرعية الحكم من ناحية، وتمتين عرى الطاعة من ناحية أخرى.

انتهت الأزمة اليوم، ولكن محركاتها الجوهرية مازالت قابعة في القاع الاجتماعي، ونعتقد أن جلالة الملك عبد الله من الحصافة بمكان تُمكّنه من قراءة هذه المحركات، والعمل على نزعها في وقتها حتى لا تتفاقم لاحقاً لتهدد أمن البلد واستقراره.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي