إيران تحاول الضغط على واشنطن العودة للاتفاق النووي. (AP)
تابعنا

هذه الجولة الجديدة استبقها رئيس الوفد الإيراني السيد علي باقري كني بعقد مجموعة من اللقاءات في فيينا، حيث التقى رؤساء فريقي التفاوض الروسي والصيني، وكذلك منسق الاتحاد الأوروبي إنريكي مورا. في الوقت الذي لا ينضم فيه الفريق الأمريكي إلى المفاوضات، وينتظر الاطلاع على مسار النقاشات مع الجانب الإيراني، من خلال تقرير المبعوث الأوروبي الذي يُطْلِعه على كل التفاصيل.

تجب الإشارة في البدء إلى أن إدارة بايدن تريد أن تزيح بعضاً من آثار سياسات دونالد ترمب، وأن تهيّئ المناخ لمفاوضات مباشرة مع الجانب الإيراني بعيداً عن الوسيط الأوروبي حتى يتهيّأ لها إقناع الطرف الإيراني بشكل مباشر بما تريده، ولكن الجانب الإيراني يرفض بالمطلق إجراء حوار مباشر وجهاً لوجه مع الجانب الأمريكي مشترطاً رفع كافة العقوبات الاقتصادية من على بلاده قبل الانخراط في مباحثات مباشرة مع الجانب الأمريكي.

آمال معلقة ومستقبل ضبابي

في الوقت الذي تسعى فيه أوروبا خاصةً إلى اختراق في جدار التصلب الإيراني إزاء موقفها من مستقبل الاتفاق النووي المُبرم في عام 2015 وعودة الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى إلى الاتفاق، إلا أن الجولة السابعة ربما لا تحقق للجانب الأوروبي ما يريد، بل إنّ طهران ستخرج من هذه الجولة على أقل تقدير وقد كسبت المزيد من الوقت لإنجاز بعض من برنامج التخصيب الذي تعمل عليه، مستغلة تعثر المفاوضات.

الجانب الإيراني وقبل بدء الجولة السابعة من المفاوضات، والتي تعطلت ما يقارب الـ6 أشهر، حدد مطالبه وبوضوح من أجل العودة إلى فيينا مرة أخرى، إذ يصر قبل طرح أي نقطة من البنود للتفاوض، على أن تزيح أوروبا وواشنطن عقوباتهما المفروضة، خاصةً تلك العقوبات التي تتعلق بالتخصيب، وهي مطالب ترى أوروبا أنها غير قابلة للتحقيق قبل بدء التفاوض.

إيران من جانبها، واستغلالاً للحالة الضبابية التي تمر بها المباحثات، فعلت كما هي سياساتها دائماً، إذ استغلت الخلاف الدولي حول مستقبل مفاوضات فيينا وتعطُل بدء الجولة السابعة، وواصلت برنامج التخصيب وتعاملت بتجاهل مع ممثلي الوكالة الدولة للطاقة الذرية، حتى إن واشنطن عندما وجدت هذه الخطوة من جانب إيران، لمّحت بتهديداتها على لسان المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون إيران روبرت مالي، إلى التدخل لمنع طهران من المضي في تخصيب اليورانيوم حتى بدء المفاوضات الرسمية.

تأكيداً لمطالبها بأنها لن تلتفت إلى طرح أي بنود أخرى للتفاوض في الجولة السابعة من مفاوضات فيينا، ضمت في فريق التفاوض الذي أرسلته إلى فيينا، والذي يضم 40 عضواً، عشرات المسؤولين المعنيين بالملف الاقتصادي، وهي رسالة واضحة بأنه لا مجال لحديث عن أي ملفات أخرى تخص مستقبل اتفاق 2015 إلا بعد نسف كافة العقوبات الأمريكية والأوربية الخاصة بالجانب الاقتصادي، في المقابل لم تبرح واشنطن مكانها للرد على ذلك سوى بالتلويح المعتاد بورقة الضغوط الاقتصادية، ما سيبعد وجهات النظر بين الطرفين بشكل كبير، وينسف أي آمال متعلقة بالجولة السابعة من المباحثات.

سياسة العقوبات الإيرانية للغرب

تنتقل إيران من موقف الطرف الذي يتلقى العقوبات ويواجه الضغوط إلى كونها الطرف الفاعل في ملف المفاوضات، حتى أن كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين علي باقري كني كتب مقالة في صحيفة الفاينانشيال تايمز قبل يوم واحد من المباحثات يتحدث عن أن إيران، ولكي تضمن نجاح أي اتفاق مقبل مع الأوروبيين والأمريكان، تطالب بأن يدفع الغرب ثمناً لفشله في الحفاظ على الجزء الخاص به في الاتفاق، وأن لجوء أوروبا إلى فرض عقوبات على إيران مخالف لبنود اتفاق 2015 ومن ثم فلا مجال سوى إزاحة هذه العقوبات كَثَمن يجب على أوروبا دفعه.

إذاً فالجانب الإيراني سيعرقل بكل هدوء وعدم تعجل مسار المباحثات الجارية في فيينا الآن، ولا يعوّل على إنجاز أي تقدم فيها، ولا يتوقع أن تقدم واشنطن على تحقيق مطالبه التي يراها جوهرية، رغم حرص الولايات المتحدة الأمريكية على أن تكون نهاية العام الجاري هي نقطة بدء المباحثات المباشرة مع إيران، وهي أجواء بطبيعة الحال تُقلق الطرف الأوروبي كذلك الذي يخشى من انهيار اتفاق 2015 بالكامل وساعتها سيتطلب ذلك البدء في التفاوض حول مشروع اتفاق نووي جديد، وهي مسألة شاقة ربما ستأخذ سنوات كما حدث في الاتفاق الموقع في 2015 والذي بدأت مفاوضاته في عام 2005.

مسار ضغوط أمريكا

يتمثل الهدف الجوهري للجانب الأمريكي الذي يسعى الى تحقيقه من الانخراط غير المباشر في هذه المباحثات في تقريب الموقف الأوروبي والروسي والصيني إليه، وضمان ابتعادهم ولو جزئياً عن دعم الموقف الإيراني في المفاوضات، وهو ما سيضمن للإدارة الأمريكية تمرير أي عقوبات مستقبلية على البرنامج الإيراني حال تعثر المباحثات، وتعزيز قوة السياسة الأمريكية تجاه السياسة الإيرانية، وهو أمر بطبيعة الحال لن يتحقق بسهولة، ما لم تقْدِم الإدارة الأمريكية على تقديم تنازلات تتعلق بالعقوبات الاقتصادية، حتى يتهيّأ المناخ لبدء مباحثات مباشرة وجادة، لذلك فإن إدارة بايدن تحاول أن تنأى بنفسها عن أي عقوبات أحادية، كما فعلت الإدارة السابقة في عهد دونالد ترمب، وتريد أن تخلق مناخاً دولياً جامعاً لسياساتها لتسهيل عزل إيران دولياً وإقليمياً، ما يوفر معه القدرة على إنهاء خطوات الحكومة الإيرانية تجاه تخصيب اليورانيوم.

لكن هذا التصور الأمريكي يبدو غير منطقي لتطبيقه، فالجانب الإيراني الذي لم يعد يفصله عن امتلاك مواد كافية لصنع قنبلة نووية سوى أشهر قليلة، لم يعد تُجدي معه السياسات الرامية إلى عزله أو حتى تلك التي تستهدف المزيد من العقوبات الاقتصادية عليه، فالنظام باتت لديه مناعة حقيقية تجاه أي نمط من العقوبات، لخبراته الطويلة في هذا المجال، التي تساعده على التكيف.

لذلك واستباقاً لفشل المباحثات، فإن الجانب الأمريكي اقترح الدخول في تفاوض حول اتفاق مؤقت مفتوح مع الجانب الإيراني، حال الفشل في التوصل لاتفاق دائم في فيينا، وفي الحقيقة فإن طهران ليست في حاجة إلى الدخول في اتفاق مؤقت، فهي ترى أن اتفاق 2015 بالنسبة لها جيد، وقد ساعدها كثيراً في المضي نحو زيادة معدلات تخصيب اليورانيوم لديها، وأن كل ما يعيق العودة والانخراط فيه مرة أخرى هو عقوبات دونالد ترمب التي لا تريد إدارة بايدن إزالتها حتى الآن.

لذا، فالجميع سيكون عليه الاستعداد لحالة من الاشتباك خلال الفترة المقبلة، جراء تعثر المباحثات في فيينا، لكن هذه المرة لن يكون اشتباكاً على نهج ترمب المدمر لأهداف إيرانية في المنطقة، لكن اشتباك الجمهوريين الذي لن يتعدى سوى انتقادات إعلامية، وبعض الضوء الأخضر لإسرائيل لاستهداف مصالح وأشخاص إيرانيين كمحاولة أمريكية للضغط على إيران لإجبارها على الانخراط المباشر في مفاوضات "نووية" سريعة ومباشرة.

نجد أنه في الوقت الذي دفعت فيه إيران بمسودتين للتفاوض حول الرفع الكامل للعقوبات وبرنامج التخصيب، أعدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خطة من خمسة بدائل حال فشل المفاوضات، كما أن إسرائيل تطلب من الولايات المتحدة إيقاف التفاوض. وفي الإطار الداخلي تشرع اسرائيل في العمل على توجيه ضربة عسكرية لإيران، بيد أنه من المؤكد أن تستمر إيران في برنامج تخصيب اليورانيوم حال فشل المفاوضات، كما أن إسرائيل لو قامت بعمل عسكري سيكون محدوداً، وربما يستهدف اغتيال شخصيات فاعلة في برنامج إيران النووي أو توجيه ضربات محدودة لمنشآت نووية إيرانية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي