كيف يُحيي بوشناق كوسوفو ذكرى الحرب البوسنية ومذبحة سربرنيتسا؟ (Reuters)

خلّفت المجازر التي ارتكبها جيش جمهورية الصرب البوسنية (Republika Srpska) ما لا يقل عن 10 آلاف قتيل بوسني -في أكثر التقديرات تواضعاً- في حملات تطهير عرقي منظمة، وما لا يقل عن 10 آلاف حالة اغتصاب لنساء بوسنيات من البوشناق. استمرت الحرب طيلة عمر الجمهورية البوسنية لغاية عام 1995، الذي شهد تأسيس كيان سياسي ضمّ البوشناق وصرب البوسنة وبعض الكروات.

التوجه نحو العدالة الجنائية الدولية

بدأت قصة البوسنة مع العدالة الدولية مبكراً في نهاية عام 1992 إبان قرار الجمعية العامّة للأمم المتحدة 47/121 بوصف ما يجري بأنه سياسة هادفة إلى التطهير العرقي، وأن ذلك نوع من الإبادة الجماعية (genocide).

وفي عام 1993 مرر مجلس الأمن القرار 827 الذي أسس "المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة" أو ما عرف اختصاراً بالـ ICTY. جرى تحديد الاختصاص القضائي للمحكمة بالانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف وانتهاك قوانين وأعراف الحرب، والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. وتم تحديد أقصى عقوباتها بالسجن مدى الحياة.

وفي عام 2001، قضت المحكمة بإجماع قضاتها بأن جريمة سربرنيتشا -التي ارتكبت عام 1995 وذبح فيها ما لا يقل عن 8 آلاف رجل وطفل بوسني من البوشناق- هي إبادة جماعية. وحتى عام 2005، حكمت المحكمة بأحكام مختلفة على 166 من مجرمي الحرب من مراتب متفاوتة بين جنود وضباط وجنرالات وقادة سياسيين. كان أبرزهم سلوبودان ميلوشيفيتش، الرئيس الصربي السابق؛ ورادوفان كاراديتش، رئيس جمهورية صرب البوسنة؛ وراتكو ملاديتش، الذي قاد جيش جمهورية الصرب البوسنية أثناء الحرب.

وعام 2007، أصدرت محكمة العدل الدولية قرارها في القضية التي رفعها علي عزت بيغوفيتش رئيس البوسنة السابق ضد الجمهورية الصربية متهماً اياها برعاية الإبادة الجماعية في الحرب البوسنية. قضت المحكمة بأن ما حصل في سربيرنيتشا هو إبادة جماعية، ولكنها قالت بأن الجمهورية الصربية غير مسؤولة عن الجرائم المرتكبة ولم تكن طرفاً فيها، بالرغم من وجود اعتراضات من بعض القضاة على هذا.

هل أنصفت العدالة الجنائية الدولية البوسنيين؟

لعل الحالة البوسنية تعدّ من أكثر حالات العدالة الجنائية تعقيداً. فمن ناحية، حققت المحكمة العديد من النجاحات التي لم تشهدها العدالة الجنائية الدولية قبل ذلك. فقد كانت المحكمة هي الأولى التي تنجح في نزع الحصانة الدبلوماسية عن مجرمي حرب من دول انتصرت (أو لم تهزم) في الحرب -بخلاف محاكم نورمبرغ ضد النازيين.

وتمكنت المحكمة كذلك من حل معضلة التطبيق في القانون الدولي، فعنصر الالتزام في القانون ينبع من قرار الدولة نفسها، فلا يوجد شرطة دولية تطبّق القانون الدولي- بخلاف القانون المحلي. فقد تمكنت المحكمة من إلقاء القبض على العديد من مجرمي الحرب من الصرب وسجنهم (بالرغم من حديث عن دوافع سياسية في تسليم الجناة مثل "سلوبودان ميلوشيفيتش").

كذلك تمكنت المحكمة من تثبيت العديد من الحقائق قانوناً، وأبرزها تثبيت وصف مجزرة سربرنيتشا بالإبادة الجماعية وبالمسؤولية الصربية -نسبياً- في ذلك (من قبل المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا، لا العدل الدولية).

ولكن في الطرف المقابل، يرفض البوسنيون فكرة أن العدالة الجنائية الدولية قد أنصفتهم تماماً، فحتى الآن ما زالت صربيا ترفض الاعتراف بمسؤوليتها عن الإبادات الجماعية التي ارتكبت بدعمها المباشر أو غير المباشر، بالرغم من وضوح ما يشير إلى ذلك.

على عزت بيغوفيتش أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب البوسنة والهرسك (Others)

وما زالت ترفض تعويض الضحايا، بل وحتى مجرد الاعتراف "الواضح" عن ما ارتكب من دون تزيينها بما تيسر من "ولكن". وينتقد البوسنيون طول الفترة التي استغرقتها المحكمة لإنصاف الضحايا -الذين مات كثير منهم قبل صدور قرارات المحكمة بإدانة المجرمين.

وما زال العدد الذي أدين محدوداً (161 شخصاً) مقارنة بعشرات آلاف الضحايا في المذابح والاغتصابات الجماعية المرتكبة. وأخيراً فإنه بالرغم من إقرار المحكمتين -العدل الدولية والجنائية الدولية ليوغسلافيا- بأن ما جرى في سربرنيتشا هو إبادة جماعية فإن هناك العديد من المجازر التي ارتكبت في فوتشا، فيشيغراد، زفورنيك وغيرها "ترقى" إلى هذا الوصف إلا أن المحكمتين لم تعتبرها كذلك.

هل نجحت إذن؟

إن الحالة البوسنية هذه نموذج على التقدم في مجال العدالة الجنائية الدولية ولا شك، ولكنها في الوقت ذاته نموذج على التحديات التي تواجهها العدالة الدولية بسبب الضغوط السياسية.

فالمحكمة عاقبت الجناة -أو بعضهم، وثبتت معاناة الضحايا قانوناً، وأدانت المجرمين بحكمها وسمتهم مجرمين بنظر القانون الدولي بالرغم من أن البوسنة (أو حلفاءها) لم تهزم صربيا ولا ميليشياتها ولم تقوض المنظومة الدفاعية الصربية لحد فرض شروطها عليها، وهذه سابقة في العدالة الجنائية الدولية لا ينبغي إغفالها.

ولكن في الوقت نفسه، فإن للعدالة الدولية حدودها التي رسمت بفعل الضغوط السياسية وبفعل تعقيدات المشهد. فليس من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا أن تحمّل دولة ما المسؤولية، وإنما مسؤوليتها الأفراد فقط. وليس من اختصاصها فرض عقوبات على الدولة أو فرض اعتذار أو تعويضات. وبينما كان ذلك من صلاحيات محكمة العدل الدولية، إلا أنها لم تفعل -وقد ورد رأي معترض من أحد القضاة في المحكمة ونائب رئيسها (القاضي عون الخصاونة) يرفض عدم قيام المحكمة بذلك رغم وجود دليل دامغ على حد تعبيره.

فهل العدالة الجنائية هي الملامة؟ طبعاً لا، وإنما الضغوط والتدخلات السياسية الهادفة بالضرورة إما إلى تقويضها، أو إلى تطويعها والاستثمار فيها لخدمة أهداف سياسية، لا لمصلحة العدالة أو الضحية! لذلك فإن وجود قوى تهدف إلى تقويض العدالة الدولية لا ينبغي أن يكون مبرراً للكفر بها، أو التسليم بأنها ترف. فالضحية هي من تحتاج إلى العدالة والقانون، لا الجاني. فالجاني قانونه هو فوهة مدفعه وترسانته وقدراته الاقتصادية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي