الإرهاب ليس الضحايا وحدهم ولا عددهم ولكن الرمزية كذلك. ومصدر بشاعة مجزرة كريستشرتش ما اقترن بها من رمزية: تقتيل يوم الجمعة، داخل دار عبادة ، في وقت الصلاة، مع التسجيل المباشر، والإحالات الخطابية التي رافقتها.

المجزرة التي تعرض لها مسجد النور بنيوزلندا بتاريخ 15 مارس الحالي فصل مريع في تاريخ الإرهاب وتحول خطير. الإرهاب ليس الضحايا وحدهم ولا عددهم ولكن الرمزية كذلك. ومصدر بشاعة مجزرة كريستشرتش ما اقترن بها من رمزية: تقتيل يوم الجمعة، داخل دار عبادة ، في وقت الصلاة، مع التسجيل المباشر، والإحالات الخطابية التي رافقتها.

الجاني كان يريد أن يجعل من عمله عملا "بطوليا"، استنادا لمرجعية إيديولوجية. قرأ أدبيات وسافر ليرسخ في ذهنه ما يحمله من رؤى، ووقر في ذهنه سمو "الإنسان الأبيض" واعتنق إيديولوجية هلامية هي "الاستبدال الكبير"، واستقر في ذهنه أن هناك عدوا يزحف نحو الغرب ويهدد صفاءه ويهلهل نسيجيه.

كان ذلك التصور هلاميا عند بعض أصحاب الرأي بالغرب ولدى بعض الاتجاهات اليمينية والشعبوية. مجزرة كريستشرتش كشفت عنه. لم يعد هلاميا أو متناثرا في أقوال بعض المثقفين وأصحاب الرأي. نحن أمام مرجعية إيديولوجية قائمة الذات. وقد أسفرت التغطيات الصحافية، عقب المجزرة، عن مدى تغلغل هذه المرجعية ونفوذها في كثير من البلدان الغربية. هناك خطر داهم وينبغي أن يؤخذ مأخذ الجد، وضحاياه المحتملون هم المسلمون أو الجاليات المسلمة في الغرب.

لسنا الآن في التجني أو الإدانة لما وقع في مسجد النور، لإن أي إنسان له ذرة من إنسانية لا يسعه إلا أن يدين المجزرة التي تعرض لها المسجد، والضحايا الذين أوْدى بهم الحادث لاعتبارات إنسانية، بالأساس، وليس لعصبية إسلامية. المهم الآن هو السعي لفهم هذا الغول المتربص الذي كشفت عنه جريمة كرستشترش الذي هو وقود "الحرب الحضارية".

في كل ما أتيح لي أن أقرأ وأشاهد، ذو علاقةً بالحدث، قرّ في ذهني تحليلان، تحليل لمواطن نمساوي من أصول مغربية، مثلما يبدو من لكنته، يكشف عن المستور في أوضاع الجاليات المسلمة بأروبا. ليس القتل الذي وقع بنيوزلندا من منظوره إلا الجانب المرئي، إذ أن هناك تقتيلا بـ"التقسيط" يتعرض له المسلمون في الغرب، من خلال التعامل مع المواطنين المسلمين أو غيرهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

والواقع أن هناك ما عبر عنه الوزير الأول الفرنسي السابق مانويل فالس، عقب مجزرة شارلي إيبدو، من وجود أبارتيد فعلي. بيد أن هذا الإقرار اللفظي ما لبث أن توارى، من دون أن يغير واقع الحال، مما يظهر في سلوكات غير مرئية، وإقصاء اقتصادي واجتماعي وثقافي للمسلمين بالغرب، هذا فضلا عن الإسلاموفوبيا، أو العداء للإسلام، إما بشكل سافر، باسم حرية التعبير، من خلال التجني على رموز الإسلام، أو مستتر، من خلال الإقصاء والتجاهل والاحتقار والكراهية.

ساد الاعتقاد بعد العمليات الإرهابية التي ضربت قبل ثلاث سنوات مطار بروكسيل وميترو الأنفاق، أن هناك مشتلا للإرهاب بضاحية بركسيل، هو حي مولنبيك الذي تقطنه الجالية المغربية في الغالب. قرأت حينها تحاليل عدة من لدن "خبراء"، يُشرّحون الظاهرة، بربطها بشبكات المخدرات، والهجرة، وما لا أدري. أتيح لي أن أزور الحي بعدها، وأجالس بعضا من منتخبيه، وأسمع منهم، وأتجول في أرجائه وأحدث ساكنته.

تظل الإسلاموفبيا ضمن المسكوت عنه في الغرب ويُنظر لها كنتيجة للإرهاب والحال أن المجتمعات الغربية جعلت من "الآخر/المسلم" مشجبا لكل مشكالها.

حسن أوريد

وكان رجاؤهم هو أن أكتب عنهم لأبلّغ بحقيقتهم. والحقيقة أن الحي كان آمنا، ولا يعاني من حالة اللاقانون التي أشيعت عنه من لدن "الخبراء" والصحافة، وأصحاب الرأي، وساكنوه مسالمون.

يعيش الحي عزلة اجتماعية بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية للسكان. زهاء نصف الشباب يعاني البطالة، لأن التعليم الذي يتلقونه لا يؤهلهم للحصول على شغل في مدينة كوسموبولوتية. لا يريد "الخبراء" أن يتحدثوا عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية، ويفضلون التركيز على"التطرف الإسلامي".

ليس في الحي أي بؤرة للتطرف، والمواطنون يعيشون في هدوء، والمساجد تحت الرقابة، وليس هناك خطاب كراهية، أو ما شابه ذلك. ورغم هذه الحقائق الساطعة، فإن الاتجاه العام ظل مستمسكا بأفكاره المسبقة عن "حي مولنبيك"، وهو ما يسميه نعوم تشومسكي بالأوهام الضرورية.

تظل الإسلاموفبيا ضمن المسكوت عنه في الغرب، ويُنظر لها كنتيجة للإرهاب، والحال أن المجتمعات الغربية جعلت من "الآخر/المسلم" مشجبا لكل مشكالها، ولا يزيد الحديث عن الأوضاع المزرية التي يعيشونها في الضواحي، حالات موسمية.

أما العنصر الثاني فهو الهجرة، أو الجيل الجديد للهجرة، الناتج عن الأوضاع الاقتصادية، والحروب الأهلية، مما يغذي العداء واستفحال الاتجاهات اليمنية المتطرفة وخطابات الشعبوية، مما يعتبره البعض وقودا لرفض الآخر، وخطاب الكراهية. ومشكل الهجرة أعمق من أن يُختزل في خطاب سطحي كذلك الذي يشيعه اليمين بالغرب، أو الاتجاهات الشعبوية.

ذلك أن هذه الاتجاهات تنظر للأعراض عوض الأسباب. وأول ما ينبغي الإقرار به، هو أن الهجرة عنصر بنيوي في عالم اليوم، بالنظر إلى تاريخ الاستكشافات الجغرافية، والاستعمار، والنظام الرأسمالي، وعمال المستعمرات الذين حُمّلوا قسرا إلى "المتربول" كي يشتغلوا في ظروف غير إنسانية في معامل الغرب ومناجمه ومزارعه.هذا فضلا عن العولمة التي أعطت للهجرة زخما جديدا.

إن كثيرا من الأوضاع المزرية التي تتخبط فيها الدول الفقيرة بأفريقيا خاصة ناتجة بالأساس عن استغلال ثرواتها من قبل شركات دولية بتواطؤ أوليغارشات محلية.

حسن أوريد

صحيح أن هناك عوامل جديدة أججت الهجرة، من قبيل الفقر، والحروب الأهلية، ولكن ليس معناه، اعتبار الهجرة حالة معزولة أو مَرضية أو نشاز. هذا المعطى البنيوي هو ما يفترض إطارا جديدا لقبول الآخر، ومقاربات جديدة لحل المشاكل المطروحة، لأن القضايا أصبحت متداخلة، وعوض التجني على الهجرة، التي هي معطي بنيوي في عالم اليوم، ينبغي الاشتغال سويا بين الضفتين لفهم الآخر لحل القضايا المطروحة.

إذ لا يمكن التصدي للمشاكل التي قد تنجم في الغرب من دون التصدي لها في المصدر، كما أن كثيرا من الأوضاع المزرية التي تتخبط فيها الدول الفقيرة، بأفريقيا خاصة، ناتجة بالأساس عن استغلال ثرواتها من قبل شركات دولية ، بتواطؤ أوليغارشات محلية.

هذا الخطاب لا يروق للأذن الغربية. وقد لاحظت في معرض حديثي عن جذور التطرف الإسلامي، في المنتديات الدولية، وربطه بما يسمى بالكلبية الغربية، أي النفاق الغربي، نفورا من لدن كثير من الغربيين. والواقع أنه لا يمكن حل المشاكل المتشابكة ذات الطبيعة الكونية، من خلال "حقائق جاهزة" أو الأوهام الضرورية، أو اجتزاء المشاكل عوض النظر لها في شموليتها.

الموضوعية تقتضي التنويه بالمواقف الشهمة التي عبرت عنها رئيسة وزراء نيوزيلاندا جاسنتا أردرن، حين أبت أن يكون للكراهية موطيء قدم في بلدها، وعبرت عن تضامنها مع الضحايا واحترام مرجعيتهم، وشفعت بالفعل والخطاب والمشاعر والرموز، ورفضت التخندق في المانوية التي يريدها كل خطاب متطرف، إذ يجعل من ذاته مصدر "الخير"، والآخر موضع "الشر". وفي ذلك رسالة قوية تستحق التنويه وتبعث على الأمل. ورد مسلمو نيوزلندا التحية بمثلها، مما يستلزم التنويه كذلك.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي