أعادت المحاولة الانقلابية ترتيب أجندة السياسة الخارجية التركية دافعةً بملف محاربة تنظيم فتح الله غولن الإرهابي إلى رأس أجندة السياسة الخارجية، الأمر الذي تبلور من خلال تبني أنقرة استراتيجية سياسية-أمنية لمحاربة التنظيم في الخارج أصولاً وأفراداً.

مثّلت المحاولة الانقلابية الفاشلة في الخامس عشر من تموز/يوليو 2016، نقطة تحول مهمة في التاريخ السياسي التركي الحديث، لم تقتصر على السياسة الداخلية فحسب، بل تعدت ذلك لتمس السياسة الخارجية التركية وأولوياتها.

الجانب الأبرز لتداعيات هذه المحاولة الفاشلة على السياسة الخارجية التركية تمثل بتوتر علاقات أنقرة الثنائية مع الدول التي اعتبرتها تركيا ذات صلة بشكل أو بآخر بالمحاولة الانقلابية الفاشلة (الإمارات، وإلى حد ما الولايات المتحدة الأمريكية)، وازدياد الشرخ بعلاقاتها الأوروبية مع تعزيز علاقاتها مع موسكو.

إلا أنه إضافة إلى ذلك أعادت المحاولة الانقلابية ترتيب أجندة السياسة الخارجية التركية دافعةً بملف محاربة تنظيم فتح الله غولن الإرهابي إلى رأس أجندة السياسة الخارجية، الأمر الذي تبلور من خلال تبني أنقرة استراتيجية سياسية-أمنية لمحاربة التنظيم في الخارج أصولاً وأفراداً.

محاربة التنظيم داخلياً وخارجياً بدأت بشكل رسمي منذ تصنيفه كتنظيم غير شرعي في فبراير/شباط 2014، وتبني خطوات لمواجهته من قبل مجلس الأمن القومي. الخطوة التي أخذت أبعاداً جديدة في مايو/أيار 2016، عبر تصنيف التنظيم كتنظيمٍ إرهابي. فيما أدت المحاولة الانقلابية الفاشلة إلى الدفع بالملف إلى رأس سلم أولويات السياسة الخارجية التركية، مع تكثيف الجهود لمحاربة التنظيم وفي ظل تركُّز جسم التنظيم في "المنفى".

وتجلت السياسة الخارجية التركية في محاربة التنظيم من خلال عدة مسارات وأدوات سياسية ودبلوماسية، فبالتوازي مع "تصفية" منتسبي التنظيم ضمن كادر وزارة الخارجية، سعت الحكومة للضغط باتجاه اعتبار التنظيم إرهابياً على الصعيد الدولي.

كما عملت أنقرة على "تصفية" أصول التنظيم في الخارج من خلال استلام المدارس والأوقاف التابعة للتنظيم من الدول المضيفة، والضغط على الدول لوقف نشاطات التنظيم وإعادة المطلوبين إلى تركيا. وإذ استطاعت تركيا تحقيق أهدافها في بعض المجالات والبلدان، فإنها واجهت تحديات مع حكومات أخرى على المستويين السياسي والبيروقراطي.

جرى التركيز بداية، وفي إطار إنهاء وجود "التنظيم الموازي" في مؤسسات الدولة، على العمل على "تنظيف" وزارة الخارجية وكادرها الدبلوماسي من منتسبي التنظيم أو المقربين منه. وأدت هذه العملية إلى إخراج أكثر من 600 موظف بالخارجية.

وبشكلٍ موازٍ، وفي إطار السعي لتشكيل رأي عالمي لاعتبار التنظيم تنظيماً إرهابياً، نشطت الدبلوماسية التركية محققةً نجاحاً محدوداً في هذا الصعيد مع تسجيل بعض الاختراقات. فقد استطاعت تركيا إقناع منظمة المؤتمر الإسلامي بتصنيف التنظيم كتنظيم إرهابي في أكتوبر/تشرين الأول 2016. في الوقت الذي تستمر فيه السفارات التركية عبر بعثاتها الدبلوماسية بالعمل على تشكيل رأي عام محلي في الدول المضيفة بهدف تصنيف التنظيم كتنظيم إرهابي.

الهدف الأهم على رأس السياسة الخارجية في مواجهة التنظيم كان تصفية أصول التنظيم في الخارج، بما في ذلك وسائل الإعلام التابعة له مثل مجلة حراء الناطقة بالعربية، أو المدارس التعليمية التي يديرها خارج تركيا وتعمل عادة تحت مسمى "المدارس التركية"، فضلاً عن إلغاء تراخيص الشركات التجارية التابعة له.

ولما للمجال التعليمي من أهمية مالية وتنظيمية بالنسبة إلى التنظيم ودور في اختراق المجتمعات المضيفة، قامت الحكومة التركية بمأسسة أدوات مواجهة التنظيم في الخارج من خلال تأسيس "وقف المعارف" لتوفير التعليم باسم تركيا خارج البلاد، بهدف استلام المدارس التي تتبع التنظيم في الخارج.

بالتوازي مع ذلك، بدأ الوقف تأسيس مدارس جديدة في بلدان مختلفة، الأمر الذي جعل منه أداة صاعدة من أدوات السياسة الخارجية والدبلوماسية الثقافية التركية في تعزيز قوة أنقرة "الناعمة".

وفي غضون أربع سنوات من تأسيس وقف المعارف، استطاع الوقف الانتشار في 67 دولة حتى شهر تموز/يوليو الجاري، منتشراً من أفغانستان حتى فنزويلا. فيما تسلم الوقف نحو 220 مدرسة من أصل 767 مدرسة تتبع التنظيم حول العالم.

كما أُغلقت مدارس التنظيم في 38 دولة ونقلت إدارتها إلى وقف المعارف التركي أو الجهات الرسمية في البلد المضيف. وتشير هذه الأرقام إلى أنه وعلى الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة، فإن المعركة لا تزال طويلة أمام تركيا ووقف المعارف في تحييد نشاطات الوقف التعليمية على الصعيد الدولي.

التفاعل مع طلبات الحكومة التركية وتواصلاتها الدبلوماسية اختلف من بلد إلى آخر. ففي حين تفاعلت بعض الدول بإيجابية كما هو الحال في البوسنة والسنغال وأفغانستان والمغرب، وصولاً إلى حد التناغم في اتخاذ القرار بطرد أعضاء التنظيم، واعتبار نشاطاته مخالفة للدستور المحلي، كما هو الحال في باكستان، تلكأت دول أخرى في التعامل مع طلبات الحكومة التركية.

ولعل التحدي الأكبر الذي واجه أنقرة في هذا الصدد كان مع الدول الغربية تحديداً مثل ألمانيا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية، في حين أبدت المملكة المتحدة تجاوباً نسبياً مع الجهود التركية.

مثلت كل من ألمانيا والسويد ملجأً للعديد من المطلوبين من التنظيم، ومن ضمنهم بعض أعضاء السلك الدبلوماسي سابقاً. في الوقت الذي لا يزال فيه التنظيم يعمل على إدارة عشرات المؤسسات التعليمية في الولايات المتحدة، فضلاً عن وجود "قيادة" التنظيم وزعيمه فتح الله غولن في الأراضي الأمريكية. وقد ساهم ما تراه أنقرة "خذلاناً" من قبل هذه البلدان، في إبقاء حالة التوتر في العلاقات الثنائية وزعزعة الثقة المتبادلة.

بعد مضي أربع سنوات على المحاولة الانقلابية الفاشلة، تبدو أنقرة قد حققت أهدافها فيما يتعلق بتحييد التنظيم وتفكيك شبكة تنظيمه داخل تركيا. لكن هذا في المقابل جعل وجود التنظيم يتركز بشكل كبير في "المنفى" خارج تركيا، ما يترك أعباء إضافية على السياسة الخارجية وأدواتها في هذا الصدد.

وقد استطاعت تركيا الحد من انتشار التنظيم و"تصفية" مؤسساته، تحديداً التعليمية، في العديد من البلدان، إلا أن الطريق أمامها لا يزال يبدو طويلاً. إذ إن العديد من الدول لا تزال ترفض التجاوب مع مطالبات أنقرة بملاحقة التنظيم أفراداً وأصولاً على أراضيها، تحت ذرائع مختلفة.

ومن هنا، فمن المتوقع أن يبقى ملف مواجهة تنظيم غولن الإرهابي على أجندة السياسة الخارجية التركية في الفترة القادمة، سواء في سياق المساعي لمواجهته، أو كعاملٍ محتمل لتوتير العلاقات الثنائية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي