عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي (Onayli Kisi/Kurum/AA)

لم يتفاجأ الشعب السوداني بنبأ حدوث انقلاب في عاصمة بلاده الخرطوم أمس الثلاثاء 21 سبتمبر/ أيلول 2021 قبل أن يعلن الجيش إجهاضها والسيطرة على الأوضاع، إذ ظلت التكهنات بحدوث انقلاب وشيك هو حديث المدينة نسبة لتدهور الأوضاع الاقتصادية و استفحال الأزمة السياسية وغيبوبة النخب الحاكمة، وتمدد الاضطرابات في أقاليم السودان المختلفة.

لا تكشف محاولة الانقلاب في السودان عن تعقيدات المشهد السياسي الداخلي فحسب، بل عرّى حالة الهشاشة والسيولة العالية التي تكتنف الفترة الانتقالية.

وكان لافتاً أن الكتلة الجماهيرية كانت محايدة تجاه أحداث الانقلاب، إذ لم تخرج حشود تدين الانقلاب وتقف ضد تنفيذه كما فعل الشعب التركي عندما وجه إليه الرئيس أردوغان رسالة قصيرة لحماية ديمقراطيته في يوليو/تموز 2015.

وقد وضح جلياً، أن الرهان على الجماهير لدعم فترة الانتقال لم يعد يجدي بعد أن بلغ السخط ضد أداء الحكومة درجة الغليان لانعدام الخدمات، بخاصة الانقطاع شبه الدائم للكهرباء والمياه وارتفاع معدلات التضخم والغلاء الفاحش في أسعار السلع والمواد الغذائية لأكثر من 500%، مما دفع قطاعات كبيرة في الخدمة المدنية لرفع لافتة الإضرابات المطلبية لتحسين الأجور وبيئة العمل مثل المعلمين وأساتذة الجامعات وعمال ومهندسي الكهرباء وغيرهم.

صاحب كل ذلك بؤس مريع في أداء الحكومة التنفيذية خاصة في مجال التعليم، إذ تأخر العام الدراسي لأكثر من شهرين، ولم تنتظم الدراسة في معظم أنحاء السودان لانعدام الكتاب المدرسي وعدم وضوح الرؤية في تغيير المناهج وإنشاء مرحلة جديدة (المتوسطة) في السلم التعليمي وهو أمر يحتاج إلى موارد ضخمة في البناء والتشييد. ويعاني السودانيون من ارتفاع رسوم المدارس بصورة غير مسبوقة، مع تحول من المدارس الخاصة، التي أصبحت باهظة الثمن، إلى الحكومية التي لم تعد تحتمل هذه الأعداد الهائلة من الطلاب. أما ثالثة الأثافي فهو خلو منصب وزير التربية الذي لا يزال شاغراً لأزمة المحاصصات السياسية بين الأحزاب الحاكمة.

إذن لم يكن غريباً أن يوجه رئيس المجلس السيادي الفريق البرهان رسائل في كل الاتجاهات وهو يخاطب جنود سلاح المدرعات عقب دحر الانقلاب، وهو يشير إلى الانتقال المزيف وعدم تحقيق الشعارات التي رفعتها الجماهير، وأنه لن يسلم السلطة إلا لقوى وطنية مسؤولة.

في المقابل استغل المكون المدني الحاكم ملابسات الانقلاب من أجل مواصلة تصفية خصومته السياسية مع النظام السابق، إذ سرعان ما استغل الحدث وقام بتوجيه الاتهامات إلى النظام السابق تحت لافتة ( الفلول).

لكن لم تنطل هذه المسرحية على أحد، إذ لا يزال الشارع السوداني متشككاً في الانقلاب، بل ويميل إلى أنه مجرد (مسرحية) للقضاء على احتجاجات وثورة شرق السودان وامتصاص غضب الجماهير نتيجة تلاحق الأزمات المعيشية والاقتصادية والسياسية.

ولم تنمُ هذه الشكوك من فراغ إذ سبق وأن أعلنت الحكومة عن ستة انقلابات جرى إجهاضها، لكن لم تخرج لجان التحقيق والمحاكمات بأي إفادة مقنعة للرأي العام.

وكانت أكثر (المسرحيات) بؤساً في التمثيل والإخراج هو مزاعم محاولة اغتيال رئيس الوزراء حمدوك، حيث اتهمت الحكومة أيضاً ما تسميه (الفلول) وعناصر النظام السابق لتعطيل الفترة الانتقالية، لكن مر أكثر من عام ولم تتفضل الحكومة على الشعب السوداني بنتائج التحقيق، وما كان مضحكاً في حبكة هذا السيناريو البائس هو (تغريدة) حرم رئيس الوزراء بعد دقيقتين من الحادث المزعوم، مما جعل معظم المحللين يرون أن محاولة الاغتيال كانت محاولة لإلهاء الشعب عن مشاكله الحقيقية.

ضاعف من سخط الشعب السوداني على هذه الحكومة تفشي حالات الانفلات الأمني التي شهدت انتشاراً كثيفاً وغير مسبوق، إذ أصبحت جرائم الخطف والقتل والسرقة تحتل عناوين وأخبار الصحف اليومية، مما جعل المواطنين ينظمون فرق حماية أهلية في الأحياء السكنية لعجز الشرطة عن القيام بواجباتها.

وكالعادة خرجت تصريحات الحكومة تتهم بسذاجة مفرطة عناصر النظام السابق بإشاعة الفوضى، ويعلم القاصي والداني أن الفشل الأمني المريع يعود لسياسات الحكومة التي جعلت الشرطة في موضع اتهام وسحبت منهم الحصانات أثناء تأدية مهامهم، إضافة إلى تدني الأجور للجنود وكبار الضباط مع ارتفاع معدلات غلاء المعيشة.

لا تزال الكتلة الحاكمة من المكون المدني والتي يغلب عليها تحالف اليسار من الأحزاب الصغيرة، تقاوم إكمال مؤسسات الفترة الانتقالية بخاصة المحكمة الدستورية، والمجلس التشريعي والمفوضيات المتخصصة، وإغفال الحديث عن الانتخابات والبناء الدستوري. لأنها تريد تمديد الحالة الثورية للاستئثار بالحكم لأطول فترة ممكنة دون أي استحقاقات انتخابية.

يزداد البون اتساعاً كل يوم بين الحاضنة المدنية (قوى الحرية والتغيير) وبين المكون العسكري صاحب النفوذ والتأثير الأقوى، نسبة لاختلاف الأولويات والتقديرات، فعندما اندلعت احتجاجات شرق السودان الحالية ضد اتفاقية جوبا ومساراتها المتعددة، خاصة (مسار الشرق) الذي استأثرت به أقلية -حسب الرأي السائد- لأنها لا تمثل القاعدة الشعبية والنسيج الاجتماعي والجهوي في الإقليم، اندلعت انتفاضة قوية في مدن شرق السودان المختلفة وقامت بإغلاق الطريق القومي والميناء الذي يمثل الشريان الحيوي للاقتصاد السوداني.

وبدلاً من إعلاء صوت الحكمة والحوار طلب المكون المدني استخدام القوة العسكرية لفض الاحتجاجات وفتح الطريق القومي، غير أن المكون العسكري قد رفض هذا الطرح المتطرف وطالب بالحوار والحل السياسي للأزمة.

تضامن مع قضية شرق السودان، قادة من الشمال والوسط ونهر النيل، وهو نواة تحالف جديد يصطف ضد الامتيازات التي منحتها اتفاقية جوبا لبعض الأقاليم، وتطور بعد ذلك إلى تحالف سياسي عريض (قيد التشكل) ضد استئثار الطبقة السياسية بالسلطة دون تفويض انتخابي، وتحولت مطالب قادة احتجاجات شرق السودان من رفض (مسار اتفاقية جوبا) إلى مطالب سياسية تتلخص في حل الحكومة، وقيادة المكون العسكري للبلاد إلى حين إجراء انتخابات خلال عام من الآن.

يتعرض التحالف الحاكم وحاضنته السياسية إلى هزة كبيرة، تهدد مجمل مسار العملية الانتقالية بسبب ضعف الأداء، والاختلافات الداخلية التي تهدد وحدة الحاضنة والصراع على السلطة والنفوذ بمبدأ المحاصصة السياسية.

كما أن العلاقة بين المكون المدني والعسكري تشهد اضطرابات كبيرة، و تصدعاً في جدار الثقة، كما أن اضطلاع المثلث الحاكم (الحركات المسلحة، المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير)، فشلت في خلق كتلة متماسكة تقود فترة الانتقال نسبة لاختلافات جوهرية في أهدافهم ورؤاهم، خاصة في إنقاذ التزامات اتفاقية جوبا للسلام و بند الترتيبات الأمنية الذي يقتضي إدماج جميع القوات التابعة للحركات في الجيش والقوات النظامية الأخرى في نهاية أجل الاتفاقية.

إن تمادي المنظومة الحاكمة في سياسات الفصل على الهوية والإقصاء والتوقيف والاعتقالات ومصادرات الأموال والعقارات خارج النظام القضائي من خلال ما يعرف بـ"لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو" وتجاهلها التام لقضايا المواطن في توفير العيش الكريم واحترام كرامته الإنسانية، سيقود البلاد إلى المجهول، هذا فضلاً عن عدم جديتها في توفير متطلبات التحول الديمقراطي، وبناء مؤسسات الانتقال وعلى رأسها المحكمة الدستورية والمجلس التشريعي ومفوضيات الدستور والعدالة الانتقالية وغيرها.

وقد عبر خطاب رئيس المجلس السيادي الفريق البرهان ونائبه الفريق حميدتي أمام ضباط وجنود قاعدة وادي سيدنا العسكرية شمال أم درمان صباح اليوم الاربعاء، عن تباعد المواقف بين المكون العسكري والمدني، حيث اتهم البرهان وحميدتي السياسيين المدنيين بالانشغال بصراع السلطة والكراسي على حساب قضايا المواطن.

إن تأكيد البرهان على أن القوات المسلحة هي الوصي على الفترة الانتقالية وأنه لا يستطيع أحد إقصاءها من المشهد في احتجاجه على تجاوزها في مبادرة رئيس الوزراء.

وان هرولة المكون المدني لتجيير إجهاض المحاولة لصالحه لمكاسب سياسية عجولة أغضبت الجانب العسكري ورأى فيها انتقاصاً لدوره في حماية وتأمين الفترة الانتقالية. لقد دق حدث الانقلاب عطراً منشماً بين الجانبين. وأصبح المكون العسكري أكثر حماساً من ذي قبل في قيادة الفترة الانتقالية حتى الانتخابات وتسليم السلطة إلى قوى وطنية مسؤولة تتمتع بالتفويض الانتخابي اللازم.

تعتبر هذه هي التجربة الديمقراطية الرابعة في تاريخ السودان، ولقد انتهت التجارب الثلاث الماضية بانقلابات عسكرية، وكان من المأمول أن تستوعب قوى الحرية والتغيير المسيطرة على المشهد الدرس وأن تنتهج ممارسة تكون مختلفة وليس تكراراً لأخطاء الماضي، وإن لم تأبه وتنتبه لجرس الإنذار الذي أطلقته المحاولة الانقلابية المجهضة واضطرابات شرق السودان المستعرة حالياً، فإن الطوفان والفوضى وإرهاصات التفكك والحرب الأهلية ستكون أكثر السيناريوهات رجحاناً في المشهد السياسي الراهن.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي