في كل عام تتكرر المأساة، فمنذ عام 2015 نسمع ونرى غرق مدن عربية مهمة وكبيرة جرّاء السيول وغزارة المطر، ونلاحظ طرقاً بدائية في التعامل مع تلك الأزمات.

غرقت بغداد والإسكندرية وعمّان والكويت وجدة وصنعاء والخرطوم في الأوحال والسيول قبل سكانها.

 لم تصمد البنى التحتية حتى في وجه الأمطار الأولية، والنتيجة عشراتُ القتلى ومئاتُ المصابين وآلاف المشرّدين، وخسائرُ مادية فادحة.

البنى التحتية للمدن العربية كانت -ولا تزال- أمام تحدٍّ كبير، وتغيّر المناخ وما ينتج عنه من دمار لا يعفي المسؤولين من مواجهة اتهامات بالتقصير والفساد وسوء الإدارة. لذلك لا عجب أن المدن العشر الأولى في أفضلية العيش لا يوجد بينها مدينة عربية واحدة. بل على العكس تماماً حظيت مدن عربية عريقة مثل طرابلس الغرب ودمشق بأسوأ تقييم.فدمشق جاءت ضمن المدن الأكثر سوءاً للعيش في 2019.

فوضى في التخطيط

توجد هشاشة كبيرة في الهياكل المنظمة للمدن العربية، وتزدحم الهشاشة أكثر في موضوع البنية التحتية، فتوجد مشروعات وبنيات يسمح لها بأن تقام على مجاري السيول كما في جدة وعمّان.

نعم يوجد غياب واضح للتخطيط العمراني الحداثي وفوضى وعشوائية وغياب فاقع لعملية دمج الحد من الكوارث الطبيعية ضمن عمليات التخطيط المستدام والتخطيط العمراني للمدن الكبيرة.

إذن مدننا العربية تفتقد التخطيط. هذا بغض النظر عما إذا كانت غنية أو فقيرة. فبعض مدن الخليج الثرية تغرق أيضاً. وبذلك يمكن القول إن الجميع يتشارك في الكفة ذاتها أي عدم مراعاة تقلبات المناخ وتحولاته، كذلك فإنها افتقدت التخطيط الاستشرافي.

غرقى في الفساد

الفساد ضارب في حياة الأنظمة العربية سياسياً وبيروقراطياً. إن الفساد يتمثل في تولي الوظيفة العامة من لا يستحقها. فإدارة المدن في معظم البلاد العربية يتولاها من ليسوا أصحاب الكفاءة. وإنما أصحاب الحظوة.

العمل في هندسة المدن وإدارة بلدياتها يحتاج إلى أناس متخصصين، والتخطيط يحتاج إلى مستويات مختلفة من التخطيط العمراني والهيكلي، وصولاً إلى تخطيط البنية التحتية التي تعطي المدن هياكلها المترابطة في الطرق والجسور والمياه والصرف الصحي والسطحي وغيرها.

تخيل معي أن يغيب أصحاب الكفاءات لحساب أصحاب الولاءات، تحديداً في تخصصات تكنوقراطية لا تحتمل إلا وجود الخبرة والمعرفة والمهارة.

من هنا قد نفهم بعض أسباب غرق مدننا. بينما لا تغرق المدن في باريس ولندن وروما. فاستعمال الأشخاص المناسبين في الأمكنة المناسبة مع توافر الموارد، سيؤدي بالنتيجة إلى تجنب الغرق.

التغيير المناخي شماعة القصير

بمجرد غرق مدينة عربية يطلع علينا المسؤولون بالقول: إن كميات هطول الأمطار كانت فوق المتوقع وتجاوزت المعدلات السنوية، بالتالي شبكات التصريف غير معدة لتلك الكميات، والغرق عارِض مؤقت واضطراري.

نقبل كل ذلك لو أن الأمر اقتصر على عام بعينه. لكن للأسف حوادث غرق المدن تتكرر في كل عام، مما يؤكد أن قصوراً إدارياً مزمناً وفساداً عميقاً يكمنان خلف تلك الحوادث.

هذا المبرر يحتاج إلى نقاش جاد وقرار يتعلق بسؤال جوهري: هل توجد تغيرات مناخية بدأت بالاستقرار في منطقتنا وفوق مدننا؟ ومن هنا يجب اتخاذ الإجراءات المناسبة لمعالجة تلك التغيرات وعدم الاكتفاء باجترار المبررات ذاتها.

إن أخذ المخاطر التي يمكن أن تحدث نتيجة التغير المناخي بعين الاعتبار مسألة ضرورية، وهنا تظهر قدرة الإدارة على فهم تلك المعادلة ورصد الموارد لمعالجتها.

زيادة النمو السكاني ومشاكل الموازنات

توجد عوامل تساعد في هشاشة مدننا العربية. منها زيادة النمو السكاني غير المصحوب بتخطيط عمراني ملائم، وهذا جزء من فشل دولنا في التخطيط المستدام.

وتوجد حاجة إلى إعادة تخطيط المدن العربية مع زيادة النمو السكاني، بخاصة أن البنية التحتية الحالية غير مخطط لها أن تستوعب هذه الزيادة والانفجارات السكانية المتوالية.

هذا لا يمنع من القول بوجود تخطيط، لكن تغيب عنه استراتيجيات الاستجابة أو إدارة المخاطر مثل منع الكارثة قبل وقوعها أو التخفيف من آثارها.

من جهة أهم، توجد مشاكل في الموارد لا يمكن إغفالها. ففي الأردن مثلاً أزمة اقتصادية خانقة جعلت من عملية ترميم البنية التحتية وصيانتها أمراً مستحيلاً، فما بالك بتوسيع البنية التحتية وتغييرها استجابة للتغير المناخي.

سيول ونفايات.. المكتوب ظاهر من عنوانه

في بعض المدن العربية، منها بيروت، سيول الأمطار لم تكن الوحيدة التي اجتاحت شوارع المدينة وبعض المناطق، بل رافقتها أكوام النفايات التي تتكدس في الشوارع منذ أشهر.

إذن، كيف نعتب على بنية تحتية متعلقة بتصريف المياه، ما دامت أكوام النفايات لم تلق حلاً ولا اهتماماً. وهنا يمكن فهم مشاكل المدينة العربية التي تعاني فوضى إدارية لا يمكن وصفها.

لا حدود لمخاطر الكارثة إذا فشلت مدننا العربية في موضوع النظافة وإدارة النفايات. عندها يصبح الغرق نتيجة طبيعية لفشل مستدام تعيشه بنانا التحتية.

اهتراء شامل

قد تكون الطبيعة قاسية في بعض الأحيان، وقد يتغيير المناخ، لكن المنطق يقول بضرورة الاستجابة لكل ذلك. فلا يعقل أن مدناً كبيرة وعواصم لدول عريقة لا تعرف كيف تتكيف مع تلك التغيرات وتلتزم الغرق فقط.

لكن يبدو أن الاهتراء لم يصب فقط الأنظمة السياسية في بعض الدول العربية، بل امتد إلى بنيتها التحتية التي لم تستوعب هطول أول موجة من الأمطار، فغرقت الشوارع وتحولت إلى برك من المياه.

الأمطار خلّفت قتلى وخسائر كبيرة في الممتلكات كما حصل في مصر قبل عام، وحملت السيول معها النفايات في الشوارع منذرة بكارثة بيئية وصحية كما حصل في لبنان، أما في موريتانيا فلا حاجة لصيانة البنى التحتية لأنها غير موجودة أصلاً، وفي الأردن مات طلاب مدرسة في البحر الميت نتيجة أخطاء في التقدير والاستعداد.

نتيجتي التي أكاد اقتنع بها أن غرق المدن العربية ناجم عن عوامل متعددة، أهمها الترهل الذي أصاب إداراتنا، ولعلَّ تقديم الولاء على الكفاءة أصابنا بخلل لا يمكن القفز عليه.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي