السفير الإماراتي في إسرائيل اثناء زيارته للزعيم الروحي لحركة شاس اليهودية المتطرفة (Others)

في الوقت الذي كانت فيه الحرب على أشدها بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، وفي الوقت الذي كانت فيه الآلة العسكرية الإسرائيلية تدك المواقع المدنية في غزة كالأبراج السكنية والمنازل التي هوت على رؤوس أصحابها؛ في الوقت الذي كانت فيه غزة تنزف، والقدس تئن تحت وطأة عملية جديدة من التطهير العرقي، وفلسطينيو الداخل يعانون من إرهابيي اليمين المتطرف الإسرائيلي، في ذروة كل هذا كانت دولة كالإمارات ترسل أول سفنها التجارية من ميناء علي إلى ميناء حيفا في فلسطين المحتلة لتدشن بذلك أول طريق بحري تجاري بين الدولتين منذ توقيع اتفاق التطبيع بينهما إبان ولاية الرئيس دونالد ترمب.

اعتبر هذا التصرف من أبو ظبي وكأنه تحدّ سافر للمشاعر العربية والإسلامية التي ثارت جراء الانتهاكات الإسرائيلية لحرمة المقدسات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فلم تكن الحرب على غزة هذه المرة انطلاقاً من تخفيف الحصار، أو تبادل الأسرى، على أهمية كليهما، ولكن كانت من أجل القدس والمسجد الأقصى وما يتعرضان له من تهديد وجودي جراء سياسة إسرائيل القمعية والعنصرية واللاأخلاقية. لقد كانت حرباً لأجل المقدسات، ولأجل حقوق الإنسان، ولذلك كان مستغرباً أن لا تستر الإمارات تماهيها مع إسرائيل على الأقل في ذروة الأزمة والناس في غمرة غضبهم.

ليس هذا وحسب، فما إن وضعت الحرب أوزارها، وفي سياق الجهود نحو تثبيت وقف إطلاق النار، أرسلت الإمارات سفيرها إلى تل أبيب. وفي الوقت الذي لم يكن لهذا الخبر أن يثير ضجة بحد ذاته نظراً للمواقف الإماراتية التي باتت معروفه تجاه إسرائيل والتطبيع معها، فإن تصريحات السفير الإماراتي محمد آل خاجة أثناء زيارته الزعيم الروحي لحركة "شاس" الدينية المتطرفة الحاخام شالوم كوهين، في منزله بمدينة القدس المحتلة، هو ما شكل صدمة للجميع، فالأمر تجاوز حد التبرير المصلحي للتطبيع من منطق تشارك الأهداف السياسية والأخطار الأمنية، إلى حد التماهي الذي ينذر بالتبعية والمذلة.

ظهرت العديد من المتغيرات في جولة المواجهة الأخيرة في الأراضي الفلسطينية بين الفلسطينيين وإسرائيل. عودة القدس لتكون عنوان الصراع، وضرب تل أبيب بالآلاف من الصواريخ لأول مرة في التاريخ، وتحرك جميع مكونات الشعب الفلسطينية في غزة والضفة والداخل، كانت من أبرز هذه المتغيرات، غير أن واحدة أيضاً من هذه المتغيرات والتي لم يلتفت إليها الكثيرون هو أن شعورنا تجاه ما تم تحقيقه كان مختلفاً.

في الجولات السابقة كان الفلسطيني ومن خلفه العربي والمسلم هو الذي يتألم ويشعر بالحسرة تأكل كبده نظراً لفداحة التنكيل بالجسم العربي المسلم على الأراضي الفلسطينية. ولكن اليوم، كان التنكيل متبادلاً، فلأول مرة نشهد هذا الحجم من الخوف، والألم في صفوف الإسرائيليين المحتلين لأراضينا. لقد تولد لدينا شعور بالعزة والفخر مما كان يجري رغم الآلام التي تكبدتها العشرات من العائلات الفلسطينية، وقد عزز هذا الشعور حجم وسعة الحملة الشعبية العالمية المتضامنة مع القضية الفلسطينية.

فقد امتلأت شوارع كبريات المدن العالمية مثل نيويورك ولندن وكراتشي وإسطنبول بعشرات الآلاف من المتظاهرين المؤيدين للشعب الفلسطيني، هذا فضلاً عن حملة التضامن الشعبية على منصات التواصل الاجتماعي الأمر الذي أثار الرعب بين قادة الاحتلال وهو ما استدعى تدخلاً مباشراً تمثل باجتماعات رسمية على أعلى مستوى بينهم وبين الرؤساء التنفيذيين لشركات تكنولوجيا المعلومات مثل فيسبوك وتيك توك من أجل الحد من وصول المحتوى الفلسطيني، والتضييق على الرواية الفلسطينية.

إن تعزيز الشعور بالفخر والاعتزاز هو جزء مهم من المعركة النفسية والتي استطاع الشعب الفلسطيني ومن خلفه الجمهور العربي والإسلامي أن يحقق فيها اختراقاً مهماً ضد إسرائيل والجمهور المساند لها عالمياً. وهذا الشعور من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن فصله عن المسار الكبير للصراع من أجل تحرير فلسطين من الاستعمار الإسرائيلي. فلطالما كانت التعبئة النفسية، والمعنويات من أهم مقومات الشعوب في معادلة الصراع.

لقد جاءت تحركات الإمارات معاكسة تماماً لهذا التوجه. فبدلا من السير ضمن التيار العربي والإسلامي المناصر للقضية الفلسطينية سارت عكسه، وبدلا من دعم مؤشرات الفخر والاعتزاز، ذهبت لتثبيط الهمم ونخر الكرمة من خلال تصرف سفيرها الذي بدى وكأنه تابع ذليل ليس للقادة السياسيين في إسرائيل بل للقادة الدينيين المتطرفين المعروفين بعدائهم للعرب وتحريضهم على قتلهم وتهجيرهم. وهو ما أظهر نفاق دولة الإمارات، ففي الوقت الذي تحارب به تيارات الإسلام السياسي وتصفها بالإرهابية، تضع يديها بيد التيارات الدينية اليهودية المتطرفة كحركة شاس المعروف عداؤها للعرب وللمسلمين.

إن أي انتصار على الأرض عسكرياً كان أم شعبياً يجب أن يستتبعه تراكم متواصل على المستوى المعنوي والتعبئة، وهو الأمر الذي ما زالت القضية الفلسطينية تفتقر إليه للأسف. فأي انتصار على الأرض، يحدث أن تجتمع عليه العديد من الدول من أجل تفريغه من معناه، وحرمان الفلسطينيين من المراكمة عليه، واستثماره في معادلة الصراع لصالحهم، وبذلك تبقى القضية وكأنها تراوح مكانها. حدث ذلك في جولة الصراع عام 2014، فرغم صمود المقاومة الفلسطينية لأكثر من 50 يوماً، وسعي إسرائيل لدى الوسطاء من أجل التوصل إلى اتفاق تهدئة، لم يجن الفلسطينيون ثمار صمودهم، بل جرى تفريغ الأمر من خلال وعود تتعلق بتسهيلات هامشية لحياة أهل قطاع غزة، وتثبت أمراً واقعاً حول معادلة التهدئة مقابل التهدئة، فلم يُرفع الحصار، ولم يطلَق الأسرى، ولا جرت إعادة الإعمار وفق حاجة الناس الطارئة.

يجري العمل اليوم أيضاً على تفريغ إنجازات الفلسطينيين مما حققته سواء عبر تصرفات خادشة للكرامة العربية والإسلامية، أو من خلال مروحة من الشروط التي توضع في سبيل رفع الحصار وإعادة الإعمار. لذلك يجب العمل ضمن مشروع طويل الأمد على تهيئة الظروف من أجل استثمار المنجزات على الأرض للتقدم خطوة إلى الأمام في طريق التحرير الكامل للأراضي الفلسطينية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي