عد فشل عدة محاولات قام بها أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد، تحركت عملية المصالحة الخليجية خطوة إلى الأمام بالإعلان عن التقدم الذي جرى بعد زيارة جاريد كوشنر لكل من قطر والسعودية، واستئناف أمير الكويت الشيخ نواف الأحمد الصباح مساعيه للوساطة.

ويبدو أن الإنجاز الأولي الذي تَحقَّق هو بموافقة السعودية على فتح حدودها الجوية (وربما البرية أيضاً) أمام الطيران القطري بعد أكثر من ثلاث سنوات من الإغلاق والمقاطعة التي اشتركت فيها الإمارات والبحرين ومصر بذريعة دعم الدوحة المزعوم لما يُسَمَّى الإرهاب، وعلاقتها مع الإخوان وتركيا وإيران.

متغيرات مستجدة

اللافت للنظر أن إدارة ترمب التي كان لها دور في افتعال الأزمة بين قطر وكل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، هي التي سعت لحلحلتها على أبواب انتهاء ولايتها، وذلك في ما يبدو أنه محاولة لإعادة لملمة الخليج لإدماج بقية دوله في التطبيع مع إسرائيل، وتحشيده في مواجهة إيران، فضلاً عن محاولة إحكام الحصار عليها اقتصادياً بحرمانها من عائدات استخدام الطيران القطري للأجواء الإيرانية التي تبلغ نحو 100 مليون دولار سنوياً!

تجاوبت السعودية جزئياً هذه المرة مع المساعي الأمريكية لفكّ الحصار عن قطر، في سلوك مستجدّ للأمير محمد بن سلمان الذي بات يسعى لتخفيف ضغوط قادمة وأكيدة لإدارة الرئيس الأمريكي القادم جو بايدن في ما يتعلق بانتهاك الحريات داخل السعودية، وفي الحرب على اليمن، فضلاً عن محاسبة المسؤولين عن قتل وتقطيع المعارض السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول قبل أكثر من عامين.

لا يبدو أن قطر ولا حتى السعودية راغبتان في إعطاء ترمب هدية المصالحة، فقطر ليست معنية بإعطاء الإنجاز للرئيس الذي تآمر وحرّض عليها، والسعودية عينها على بايدن لا ترمب، إلا أن قطر لا تريد أن تبدو متعنتة (وهي لم تكن كذلك سابقاً)، والسعودية استجدّت لديها دوافع جديدة للنزول عن شجرة مطالبها بعد هزيمة ترمب وثيق العلاقة مع بن سلمان.

لم تدخل الإمارات في المصالحة، وهي التي عملت سابقاً على إحباط المحاولات الكويتية لرأب الصدع بإصرار عجيب على عزل قطر وإضعاف قوتها الاقتصادية المنافسة ومحاولة إحباط استضافتها لكأس العالم لكرة القدم في 2022 التي شكلت دوماً مصدر حسد وغيرة لحكام الإمارات!

ولا نعتقد أن الإمارات والبحرين ولا حتى مصر ستظلّ خارج المصالحة إذا قررت السعودية المضي بها حتى النهاية، خصوصاً أن فاعلية المقاطعة ستكون ضئيلة على قطر بعد حلّ الإشكال مع السعودية، فضلاً عن أن هذه الدول لن تكون بمنأى عن الضغوط الأمريكية إن قررت إدارة بايدن طيّ هذا الملفّ.

أين تسير المصالحة

وفي ضوء ترحيب السعودية وقطر بجهود المصالحة وإعلان نائب وزير الخارجية الكويتي خالد الجار الله أن "الأزمة الخليجية طُوِيَت وتمّ التوصل إلى اتفاق نهائي بين الأطراف الخليجية"، وفي ضوء عمق الأزمة مع قطر، فلنا أن نقول إن غاية ما سيتحقق خلال عهد إدارة ترمب التي تنتهي في 20 يناير/كانون الثاني هو مصالحة جزئية تتضمن فتح الأجواء، وربما الحدود البرية أيضاً، بين الطرفين، واتفاقاً على التهدئة الإعلامية بينهما، وربما أيضاً إسقاط قطر دعوى قضائية ضدّ إغلاق السعودية أجواءها أمام الطيران القطري في المحاكم الأمريكية والعالمية، والمطالبة بدفع تعويضات عن الضرر الذي تسبب به للدوحة.

وقد يتم تدشين هذه المصالحة في القمة الخليجية المقبلة في يناير/كانون الأول 2021، التي تم نقلها إلى الرياض دون معرفة آليات واحتمالات تطورها وإمكانية انضمام بقية الرباعي المحاصر إليها.

وبهذا تكون قطر قد حققت مكسباً على دول الحصار التي لم تحقّق مطالبها واضطُرت إلى رفع الحصار عن قطر.

مواقف غير متطابقة للمحاصِرين

ومن اللافت للانتباه الموقف الإماراتي المتشدد متمثلاً بتغريدة لافتة ومستفزة نشرها عبد الله عبد الخالق المستشار السابق لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، وقال فيها إن "قطار المصالحة الخليجية لن يتحرك مليمتراً واحداً بدون علم وبدون موافقة وبدون مباركة الإمارات المسبقة" التي تشير إلى أن الإمارات منزعجة من التقارب لأنه لم يتضمن استجابة الدوحة للمطالب الـ13 التي بررت بها دول الحصار مقاطعتها لها.

وأبرز هذه المطالب كانت إغلاق قناة الجزيرة، وفك الارتباط بشكل نهائي مع الإخوان المسلمين، والتزام مكافحة الإرهاب، والموافقة على لائحة الدول الأربع لها، وتفكيك القاعدة التركية العسكرية في قطر، وخفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران.

أما مصر فليست متشجعة للمصالحة، ولكنها تعرضت لضغوط أمريكية ليّنَت موقفها، ولا تريد مصادمة السعودية إن قررت استكمالها، إذ ستسعى مع الإمارات للتشديد على المطالب المتعلقة بالإرهاب وقوائمه، وهو ما لن تقبله الدوحة على الأرجح إلا في الإطار العامّ الذي لا ينتقص من سيادتها كما أكّدت وتؤكّد.

وستؤدي هذه المواقف إلى إطالة أمد إنجاز المصالحة الشاملة، وربما تعطيل استكمالها دون أن تتراجع السعودية عن فتح الأجواء، وهو الإجراء الذي ستقوم به أيضاً هذه الدول بضغوط أمريكية لنزع فتيل الخلاف وإبقائه في حدوده الدنيا على الأقلّ.

ولا شك أن نزع فتيل الخلاف يعزز الضغوط الأمريكية على الدول الخليجية للتطبيع ويعزز المواقف المناهضة لإيران في المنطقة كخدمة للمنهج الأمريكي والإسرائيلي الهادف إلى عزلها في ما يتعلق ببرنامجها النووي.

كما ستعرض المصالحة المصالح الاقتصادية الإيرانية مع قطر في مجال الطيران، وكذلك في تراجع التصدير الإيراني الزراعي والصناعي الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة لصالح الأردن ولبنان وسوريا.

غير أن حملات الحصار الرباعي على قطر أوجدت شرخاً سياسياً واجتماعياً بسبب ما تناوله الإعلام وطال الأعراض والأسر وشمل التخطيط لغزو قطر ومحاولة تخريب استضافتها لكأس العالم 2022 واختراق التليفزيون القطري والتعدي على حقوق قنوات bein القطرية، وغيرها من الأساليب غير الأخلاقية.

انحدار عربي

ويشير ما سبق إلى حجم الانحدار الذي وصلت إليه المنطقة العربية في خلافاتها، والتدخل الأمريكي السافر في النفخ فيها مرة ثم حلّها بما يخدم مصالحها مرة أخرى.

ولكن الأسوأ من هذا هو الدور الذي يمارسه رباعي الحصار، ليس فقط في الإطار الخليجي ولكن في الإطار العربي بشكل عام، الذي يركز الآن على تصفية القضية وإنهاء جذورها، ونجح مؤخراً في إعادة السلطة الفلسطينية إلى المفاوضات والتنسيق الأمني مع الاحتلال، وتعمل الإمارات حالياً على جرّ المزيد من الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل لاستكمال مخطَّط التصفية.

ومن غير المرجَّح أن تغيّر قطر سياساتها في التعامل مع الربيع العربي أو في طبيعة علاقاتها مع إيران وتركيا، الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد باستمرار الخلاف وربما عدم اكتمال المصالحة.

فلا يمكن لهذا الرباعي أن يتفرد في المنطقة في ظلّ وجود عوامل دفع غير متساوقة معه في عدد من الدول العربية مع استمرار المعارضة الشعبية له، إما داخل بعض دوله وإما خارجها.

وإن كان الجميع يسعد بإنجاز المصالحة الخليجية، فلا أحد يريد لها أن تكون على حساب قضية فلسطين بتسهيل عملية التطبيع مع إسرائيل.

وستظلّ هذه العملية بتداعياتها المحتمَلة أحد المعطيات المؤثرة في المنطقة، ولكنها لن تكون الوحيدة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي