عناصر من قوات الحوثيين في محيط مدينة مأرب  (Khaled Abdullah/Reuters)

عاد اليمنيون إلى التفاؤل مجدداً بإمكانية تصويب مسار المعركة لتحقق أهدافها المعلنة منذ أن تدخلت السعودية على رأس تحالف عربي في الحرب الدائرة باليمن، قبل أن تتدحرج هذه الحرب لتتحول إلى كرة كبيرة من الأثقال الاستراتيجية على الأمن الوجودي لليمن والسعودية معاً.

تمثل مدينة مأرب أهم معاقل الشرعية، وفيها كتلة سكانية مقاتلة، لكنها مجردة من الإمكانيات العسكرية بسبب السياسة التي اتبعها التحالف وهدفت إلى تعريض هذه الكتلة من السكان لضغط عسكري لا يمكن أن يمارسه سوى الحوثيين، بهدف ضمان عدم قدرة سكان مأرب على تصدير فائض القوة للتصرف مع التمردات التي يجري دعمها من قبل التحالف في جنوب اليمن.

ففي هذه المدينة تجمع ملايين اليمنيين الذين دفعت بهم الحرب إلى البحث عن ملاذ اضطراري يحفظ كرامتهم، ويمنحهم الفرصة لمواجهة العدو الحوثي المدعوم من إيران الذي وُضعت كل إمكانيات الدولة اليمنية العسكرية والمالية واللوجستية والجغرافية بيده منذ سبتمبر/أيلول 2014، في إطار تخادم تورطت فيه أطراف محلية وإقليمية اتفقت جميعها في ذلك الوقت على إنهاء ثورة الحادي عشر من فبراير/شباط 2011.

لقد تزايد استهداف القوة العسكرية لمأرب من قبل التحالف منذ أن تمكنت القوات الحكومية المرابطة في شبوة من التغلب على تمرد النخبة الشبوانية جيدة التسليح في انقلاب العاشر من أغسطس/آب 2019 الذي نفذه المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته على السلطة الشرعية في العاصمة السياسية المؤقتة عدن.

احتدام القتال بالقرب من مدينة مأرب بين قوات الحكومة الشرعية وبين مليشيا الحوثي (AFP)

كانت السعودية في غنى عن الوضعية الحرجة التي حشرت فيها السلطة الشرعية بمدينة مأرب، وجعلتها تخوض معركة حياة أو موت على أبواب المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في وسط شرق اليمن.

إذا ما قدر للحوثيين، لا سمح الله، أن يسيطروا على مدينة مأرب فإن ثمة تغييرات جوهرية ستطرأ على المعادلة السياسية والعسكرية في اليمن، إذ سيتاح للحوثيين السيطرة على أهم حقول النفط والغاز الطبيعي المسال على مستوى البلاد، وستتمكن الإمارات من إحياء مشروع الانفصال، لأن الحوثيين سيساهمون في إعادة رسم الحدود السابقة بين شطري اليمن.

أما ارتداد تطور خطير كهذا فسيكون سيئاً على السعودية، حيث ستظهر أمام العالم باعتبارها الطرف الذي تلقى هزيمة ثقيلة في معركة يعلم الجميع أنها تكتسب على الدوام طابعها الإقليمي إذ تقف في الطرف الآخر منها إيران مزهوة بالنصر، وهي التي لم تتوقف لحظة واحدة عن تقديم الدعم المفتوح والمغامر للحوثيين محدثة فارقاً مهماً في المعركة خصوصاً خلال السنوات الثلاث الماضية.

على مدى ستة أعوام من زمن الحرب مارست السعودية وبشكل أكبر الإمارات ضغطاً غير محتمل على السلطة الشرعية، وللأسف وجد قابلية من هذه السلطة للتنازل عن مكاسب كثيرة وحلفاء وشركاء مخلصين في الداخل اليمني، وهي سياسة أفضت إلى هذه الوضعية الحرجة في جبهة مأرب التي تمنح وحدها المشروعية المتبقية للسعودية لدعم روايتها في أنها توجد في اليمن أصلاً لحماية ودعم السلطة الشرعية ومحاربة الانقلابيين.

لقد مثل مجيء الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى السلطة نذير شؤم للترتيبات السعودية في اليمن، التي غلب عليها الميل إلى التعاطي مع الحوثيين كشركاء محتملين لكن ضمن جغرافيا يمنية مجزأة، وهياكل سياسية ضعيفة، وانقسامات تضمن الأمن الاستراتيجي للسعودية والتي تعتقد أسرتها الحاكمة منذ عقود أنه سيتحقق إذا نجحت في إبقاء اليمن بلداً أو بلداناً ضعيفة.

ورث بايدن إرثاً ثقيلاً من الخلافات الحادة مع الرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري على خلفية الدعم المفتوح للسعودية، وفي الحقيقة، كانت تلك ذريعة للنيل من السياسة المكشوفة للرئيس الشعبوي السابق، المتحررة من الكوابح الدبلوماسية، والتي تعاطت مع السعودية كبلد يمكن لشركات صناعة السلاح الأمريكية أن تبيعه أسلحة بمئات المليارات من الدولارات.

كانت المواجهة بين الديمقراطيين والجمهوريين تتكئ على البعد الأخلاقي لما يعتبرونها حرباً سعودية في اليمن، وعلى تأثيراتها الإنسانية، لذا تعامل الرئيس الجديد بعناد مع القرار الأهم الذي اتخذته إدارة الرئيس ترامب وقضى بضم الحوثيين إلى قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، حيث أصر في أول خطاب سياسي ألقاه من مقر وزارة الخارجية على وضع اليمن على رأس أولوياته.

فقد شرعت إدارته وبضغط من تيار اليسار واسع النفوذ داخل الحزب الديمقراطي والذي يقوده بيرني ساندرز، بتعيين مبعوث خاص إلى اليمن، هو تيموثي ليندركينغ، ورفعت الحوثيين من قائمة الإرهاب، مع الإبقاء على زعمائهم وإضافة اثنين آخرين.

وفي المقابل ذهبت هذه الإدارة لتمارس المزيد من الضغوط على السعودية، تأسيساً على اعتقاد خاطئ ربما، ومفاده أن هذه الحرب يمكن أن تنتهي بمجرد أن تتوقف السعودية عن إرسال طائراتها الحربية إلى اليمن.

قوات الأمن الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي أثناء انتشارها في مدينة عدن  (Reuters)

لكن التصعيد العسكري الحوثي في مأرب قدم دليلاً آخر على أن الضغط على السعودية فقط لن يجلب السلام، وهو استنتاج توصل إليه تقرير لمجلة فورين بولسي الرصينة التي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي.

فالحوثيون أظهروا عزماً على إنتاج أزمة إنسانية لا يمكن التنبؤ بأبعادها عندما هددوا مدينة مأرب التي يقطنها الملايين، الذين لن يجدوا مكاناً يذهبون إليه، وفي مخيلتهم السلوك الحوثي الانتقامي الذي سيحيل المدينة إلى جحيم إن تمكنت قوات هذه الميلشيا من دخولها لا سمح الله.

عمل المجتمع الدولي طيلة السنوات الماضية على تمكين الحوثيين كقوة أمر واقع من خلال تدوير المقولات الجامدة بشأن الأزمة الإنسانية، والتي لا يمكن إنهاؤها بالسكوت عن الميلشيا أو باسترضائها للذهاب نحو مشاورات سلام تنهي الحرب.

فالأمر كما يرى الكثيرون يتطلب عزماً دولياً حقيقياً لفرض كل الخيارات التي تجبر الحوثيين على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية التي لا يكترث أحد لتطبيقها، بما في ذلك المتدخلون الإقليميون وعلى رأسهم السعودية التي تتكبد منذ أعوام خسائر مادية ومعنوية في عمقها الجغرافي، جراء هجمات الجماعة الحوثية المتمردة المدعومة من إيران.

وكما اقترح تقرير الفورين بوليسي، فإن على الولايات المتحدة أن توجد آلية تشاركية مع دول أخرى توفر إمكانيات قوية لاعتراض الأسلحة التي ترسلها إيران إلى الحوثيين، وتشديد الرقابة على السواحل اليمنية وحمل دول أخرى في المنطقة على المساعدة في منع وصول الأسلحة إلى الحوثيين، وذلك لضمان جلبهم إلى طاولة الحوار وحملهم على تقديم التنازلات التي يصعب الحصول عليها في ظل الوضعية الراهنة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي