دفعت الظرفية الحالية الناجمة عن قضية خاشقجي القوى الغربية إلى كسر جدار الصمت والجهر بضرورة وضع حد للحرب في اليمن هذا بالرغم من تواطئها السابق مع الرياض.

سرى نوع من التواطؤ الضمني للتستر على الحرب في اليمن التي شنتها قوات التحالف العسكري العربي بقيادة السعودية والإمارات في إطار ما سمي بعاصفة الحزم. الظرفية الجديدة التي نجمت عن قضية المرحوم جمال خاشقجي، وأسفرت عن المسكوت عنه في تعامل السعودية، خلّصت كثيراً من القوى، بما فيها الغربية من واجب التحفظ، رغم أن الصحافة الدولية كانت تكشف حجم المعاناة الإنسانية التي يكابدها المواطنون اليمنيون، فضلاً عن التقارير الدولية، ومنها تلك الصادرة عن الأمم المتحدة، التي كشفت عن مجاعة إنسانية غير مسبوقة، وأقرت أنه لا يمكن التغلب على الوضع المتردي في اليمن إلا بوقف الحرب.

كانت التقارير الدولية المحايدة تكشف أن القصف الجوي لقوات التحالف العربي لم يكن يراعي المدنيين، ولا حتى مآتم العزاء، ولا الزفاف، ولا حافلات الأطفال وهم يتوجهون للدراسة.كانت ظرفية ما قبل مقتل جمال خاشقجي تتيح للسعودية أن تضرب بعرض الحائط كل التقارير الدولية، وتهزأ من التغطيات الصحافية التي تكشف المستور، وتوظف إعلامها للتعتيم بل للتضليل.

كانت ظرفية ما قبل مقتل جمال خاشقجي تتيح للسعودية أن تضرب بعرض الحائط كل التقارير الدولية حول حربها اليمن.

حسن أوريد

كانت السعودية تتقنع بغطاء دولي يسمى بالتحالف العسكري العربي وتدفع باحترام الشرعية، إضافة إلى انخراط القوى الغربية إلى جانب التحالف، لاعتبارات جيوسياسية وأمنية مقترنة بالحرب على الإرهاب، وهو الأمر الذي يفسر التواطؤ الضمني حينها للدول الغربية الكبرى، وبعض الأنظمة العربية التي كانت على علم بالثمن الإنساني الذي تكلفه هذا الحرب والتي يذهب ضحيتها المدنيون والأفراد العُزّل، ولم تكن تستطيع أن تجهر بموقف يمكن أن يُغضب السعودية أو الإمارات.

التقارير التي كانت تنقل حجم المعاناة الإنسانية معززة بالصور التي يعانيها اليمنيون وبالأخص الأطفال، مع نقص الغذاء وشح البنيات الاستشفائية والدواء واشتغال الطاقم الطبي في ظروف صعبة للغاية، ومنها التضييق الذي كانت تعاني منه المنظمات الإنسانية في التنقل ونقل المساعدات والاشتغال الميداني، فضلاً عن إغلاق الموانئ والمطارات التي يمكنها نقل المساعدات، مما يزيد من حجم المأساة والمعاناة.

لم تكن الأوضاع اليمنية المأساوية سراً أو محجوبة عن الأنظار، ولكن القوى الكبرى كانت متواطئة على الصمت.

حسن أوريد

لم تكن الأوضاع اليمنية المأساوية سراً أو محجوبة عن الأنظار، ولكن القوى الكبرى كانت متواطئة على الصمت. الظرفية الحالية الناجمة عن قضية المرحوم خاشقجي، دفعت القوى الغربية إلى كسر جدار الصمت والجهر بضرورة وضع حد للحرب الدائرة رحاها في اليمن. وفي هذا الصدد كشفت جريدة نيويورك تايمز حجم المأساة الإنسانية بنشرها مؤخراً صوراً مريعة لما يعانيه الأطفال اليمنيون خاصة، من نقص في التغذية، ومنهم أطفال توفوا بعد ساعات من أخذ صور لهم.وقدمت الصحيفة رقماً مخيفاً لخمسة ملايين طفل يمني يشْكون المجاعة.وقبل ذلك نشرت صحيفة لومند الفرنسية افتتاحية بعنوان"الحرب المُغيّبة عن الأنظار"وخطر انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة.وأفصحت الأمم المتحدة عن حجم المأساة الإنسانية والمجاعة التي تنخر الشعب اليمني.

التصريحات التي أدلى بها كل من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو وكذا وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس، فضلاً عن وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي، والخارجية البريطانية عن ضرورة وقف الحرب في اليمن، تشكِّل منعطفاً مشجعاً لوقف الحرب التي يتأذى منها بالدرجة الأولى الأطفال والمواطنون الأبرياء والعُزّل.ومن الضروري أن تنتهز الأطراف اليمينية هذه الفرصة السانحة، وأن تنأى القوى الجهوية من تأجيج الصراع.

إن المناداة بعدم تدخل الأطراف الخارجية، يحتّم على أطراف النزاع من اليمنيين تغليب مصلحة اليمن.

حسن أوريد

إن الالتقاء حول مائدة المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما الهدف هو أن يتمخض اللقاء عن إطار يفضي إلى السلم الدائم والأمن في اليمن، مع إعادة بناء الدولة.ولن يتأتى ذلك إلا بحسن نية الأطراف وتغليب مصلحة اليمن، وعدم التدخل الخارجي، أياً كان مصدره وطبيعته، وكذا بالتزام الأطراف الخارجية، أياً كانت، باحترام إرادة اليمنيين وعدم التأثير عليها أو التشويش، واحترام وحدتها الترابية كاملة، وكذا ضغط القوى الدولية على الأطراف اليمنية والقوى الإقليمية بدفعها إلى التوصل إلى حل وحماية الحل المتوافق بشأنه.

بيد أن المسؤولية الكبرى تقع على أطراف النزاع اليمنيين. إن المناداة بعدم تدخل الأطراف الخارجية، يحتّم على أطراف النزاع من اليمنيين تغليب مصلحة اليمن، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بنيات الدولة، وضرورة تجريد القوى المتصارعة من السلاح لفائدة مؤسسات الدولة وعناصرها.إن الأزمة الإنسانية التي يتخبط فيها اليمن والأوضاع المأساوية التي يرزح تحتها اليمنيون، والمعاناة التي يكابدونها، والمجاعة التي يتلظون بها، شأن إنساني، ولا يمكن وضع حد لتلك المأساة في ظل الحرب والقصف الذي يستهدف المدنيين ويشل مفاصل الدولة.وهو الأمر الذي يفرض على الفرقاء اليمنيين المتنازعين الالتفاف حول هذه الفرصة السانحة من أجل المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة، الإطار الوحيد لإيجاد حل للأزمة اليمنية، بهدف وضع حد لمأساة الشعب اليمني وإعادة بناء الدولة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي