FILE PHOTO: A Facebook logo is displayed on a smartphone in this illustration (Dado Ruvic/Reuters)

ولا يكلف المستخدم أكثر من بحث بسيط ومتواضع على محرك البحث Google حتى يكتشف العشرات بل ربما الآلاف من التقارير والمقالات والدراسات التي تتحدث عن هذا الموضوع بالذات. ولكن المهم في هذا الاكتشاف إنما يتعلق بأن شركة فيسبوك تعرف عن هذه الأضرار بشكل مفصل ودقيق ومع ذلك سكتت عنها ولم تقم بما يكفي للحد منها أو حتى القضاء عليها تماماً وفق ما تفرضه عليها التزاماتها الأخلاقية التي لطالما تغنت بها تجاه المستخدمين ومجتمعاتهم المحلية.

الصادم في الموضوع، أن تجاهل شركة فيسبوك لهذه الأضرار الماحقة التي تصيب المليارات من المستخدمين قد مرّت مرور الكرام بالرغم من الملاحقات التشريعية والقانونية التي طالتها على مدار سنوات بعد اتهامها بالضلوع في حملات التضليل التي شهدتها الانتخابات الأمريكية عام 2016، واستثمرتها جهات محسوبة على روسيا للتأثير على نتائج الانتخابات، الأمر الذي كانت نتيجته فوز الرئيس السابق دونالد ترامب على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون. لقد وقف مارك زوكربيرغ أكثر من مرة أمام لجان التحقيق في الكونجرس ولم يحدث شيء، فنحن أمام حالة تعتبر عن إفلات واضح من المساءلة من ذلك النوع الذي يترتب عليه إيقاع جزاء حقيقي، وهذا يحيلنا إلى أمر جوهري يتعلق بلوبيات الضغط التي تعمل لصالح شبكات التواصل الاجتماعي في واشنطن والتي يصرف عليها مئات الملايين من أجل حماية مصالح هذه الشركات وتساهم في إفلاتها من العقاب.

عندما يتعلق الأمر بشبكة مثل فيسبوك تتمتع بحوالي 2.6 مليار مستخدم، فإن أي تحديث ولو بسيط ربما يكون له نتائج وخيمة على الأفراد والمجتمعات على حد سواء. على سبيل المثال، قامت فيسبوك بإجراء تعديل على الخوارزميات المتعلقة بخدمة Friend and Family News Feed عام 2018. كان الهدف من هذا التحديث هو تخفيف المحتوى الذي يساهم في تعزيز نزعات الانقسام والتحيز. قام التحديث في الأساس على إعطاء درجات لكل نقرة حسب نوعها، فنقرة الإعجاب حصلت على درجة واحدة، بينما حصلت التعليقات على 5 درجات، وفي بعض الأحيان وصلت بعض التعليقات التي توصف بأنها VIP على 15 درجة. أرادت فيسبوك من هذا التحديث زيادة التفاعل بين المستخدمين عبر تعليقات حقيقية، ولكن مع الوقت شكل التحديث فرصة لوسائل الإعلام لاستثماره في نشر محتوى جدلي من أجل زيادة التعليقات وبالتالي زيادة التفاعل مع صفحاتهم الرقمية على فيسبوك الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لزيادة حدة الاستقطاب بدلاً من التخفيف منه.

ما كشفت عنه "ملفات فيسبوك" هو أن الشركة كانت تعلم بهذا الضرر الذي لحق بالمستخدمين والمجتمع جراء هذا التحديث ومع ذلك أبقته حيز التنفيذ والسبب في ذلك أن مثل هكذا تحديثات من شأنها أن ترفع نسبة التفاعل على المنصة والتي شهدت تراجعات سابقة. والسبب الجوهري الذي يقف وراء شهية فيسبوك للإبقاء على هذه التحديثات، وبالتالي زيادة التفاعل، هو اقتصادي بحت. فالأرباح التي تجنيها الشركة تعتمد اعتماداً كليا على نسب التفاعل والإبقاء على المستخدمين متمترسين خلف شاشات أجهزتهم اللوحية. فشركة فيسبوك في الأساس هي Money-machine، وتعمل وفق مبادئ الرأسمالية الجديدة، والسوق الحر. فما يعنيها بالأساس هو منطق الربح، أما المبادئ الاجتماعية فتأتي لاحقاً، وتكيّف وفق ما يمليه عليها المنطق الأول.

الإشكالية الكبرى مع فيسبوك وأخواتها من منصات التواصل الاجتماعي هي أن خوارزمياتها تعمل في منطقة معتمة تماماً. ما يرشح منها للجمهور يقوم إما من خلال حديث فيسبوك عنها وهذا شحيح، أو من خلال التسريبات وهي لا تنقل إلا جزءاً من الحقيقية وهذا يعني أن شبكة بهذا الحجم، وهذا التداخل مع الفضاء العام، تعمل في الظل وبعيداً عن أعين المراقبين والمشرعين. إننا ننتظر دوما صحوة ضمير لواحد من موظفي فيسبوك أو غيرها من الشركات، مثل تيم كيندال الذي شغل منصب رئيس تنفيذي في الشركة أو جيستن روزينتشاين الذي ساهم في اختراع زر الإعجاب أو مثل هذا الذي سرّب الملفات لصحيفة وول ستريت جورنال ولم يجرِ الكشف عن هويته بعد، لكي يخرج على العلن ويكشف لنا بعضاً من أسرار عمل خوارزميات الشركة التي تثبت التجربة مع الوقت أنها سلاح فتاك يهز بنيان المجتمعات بشكل لم يسبق له مثيل.

الذكاء الاصطناعي (TRT Arabi)

في السياق ذاته، فإن كشفاً آخر أفصحت عنه "ملفات فيسبوك" يتعلق بتأثير انستغرام على فئة الشباب والمراهقين خصوصاً على قدراتهم الذهنية. فنسبة 32% من الفتيات المراهقات قلن بأنهن عندما يشعرن بالسوء تجاه أجسادهن، فإن انستغرام يجعل شعورهن أكثر سوءاً. كما أن نسبة كبيرة من الشباب المراهقين يلومون انستغرام على زيادة معدل الشعور بالقلق والاكتئاب. تفضي هذه المشاعر إلى زيادة شعور المستخدمين بالعزلة والانطواء على الذات، وهي التوجهات التي لطالما حاولت فيسبوك ترويج نموذجها التشغيلي بما يتناقض معها. فشركة فيسبوك تتباهى دوما بأنها الشبكة الأكثر والأوسع على الإطلاق التي سهلت تواصل الناس فيما بينهم البين بطريقة غير مسبوقة بالتاريخ الإنساني. مع ذلك فإن تأثيراتها الضارة على الأفراد والمجتمعات قد تجعل من إنسان العصر الحديث الأكثر شعوراً بالوحدة منذ بداية عصر الإنسان العاقل homo sapiens.

والأسوأ من ذلك هو أنه وفي ظل فترات الوباء، وفي الوقت الذي يكون فيه الإنسان في أمسّ الحاجة للمعلومات الصحيحة فقد أثبتت التسريبات بأن فيسبوك قد ساهم في نشر صورة مضللة عن لقاح كوفيد-19. فقد أشارت "ملفات فيسبوك" إلى أن 41% من التعليقات على منشورات ذات علاقة باللقاح تدعو إلى تثبيط المستخدمين عن أخذه. ولنا أن نتخيل حجم تأثير هذه التعليقات السلبية على حملات التطعيم إذا ما علمنا أن ما يقرب من المليار تعليق على فيسبوك تكتب حول اللقاحات وما يتعلق بها.

لا شك أن معرفة فيسبوك بهذه الأضرار ومن ثم السكوت عنها لهو أمر مفزع. ولكن على خطورة هذا الاعتقاد، فإن ما هو أخطر يتعلق باحتمالية عدم قدرة فيسبوك على إصلاح هذه الأضرار وخروج القضية من يديها. فإذا كانت فيسبوك المطورة لهذه الخوارزميات هي غير قادرة على السيطرة عليها أو حتى احتوائها وتحسين نتائجها فمن يستطيع يا ترى؟ في حال عدم تمكن الإنسانية من الإجابة عن هذا التساؤل، فلا شك أننا أمام واقع خطير لا يقل خطورة عن الاحتباس الحراري.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي