لم يكن فيروس كورونا المستجد هو الذي انتشر فصار وباءً عالمياً يتخطى الحدود ويجتاز الحواجز حتى وصل لأطراف الأرض وحسب، بل كان الانتشار والعدوى أيضاً ملمحاً مشتركاً للعديد من الظواهر التي شهدناها عبر الثقافات والأوطان في الآونة الأخيرة.

تضرب العدوى المنظومات، تربكها وتخرجها من دورتها المعتادة، وتفسد تماسكها، ولذلك صار استخدام لفظ "فيروس" مقترنا بالأثر لا بالمسبب، فوجدناه يستخدم في إفساد منظومة الحاسوب، ووجدنا وصفه يستخدم في انتشار مقاطع للفيديو أو مقولات أو صور كاريكاتورية (ميمز) انتشاراً غير مفهوم، تغلب فيه الفكرة المتهافتة أحياناً المعلومة الصحيحة.

في كتابه The Rules of Contagion: Why Things Spread and Why They Stopالذي صدر مطلع هذا العام يسأل آدم كوتشارسكي وهو المشتغل بعلم الأوبئة سؤالاً مهماً: ما قواعد الانتشار والانحسار؟

فقد لاحظ آدم أن الانتشار والعدوى لا تتعلق بالمرض والأوبئة فقط، فقد تنتشر بعض الأفكار أو المخترعات بوتيرة أسرع وقد تأخذ وقتاً أطول. وفيما يخص الإنفلونزا والأمراض التي لها أعراض مشابهة فإن كل جولة من الوباء لها سماتها الخاصة، فكيف نميز بين خصوصية وطبيعة الانتشار في كل مرة على حدة، وكيف نجد الخيط الناظم الذي يمكننا من بناء نظرية، ثم تطبيقها في مناحي متعددة لا تفيد أهل الإحصاء ولا صناع القرار فحسب، بل تساعدنا نحن كأفراد في فهم منطق الانتشار والانحسار في كل أزمة وموقف ومشهد؟

هل هناك نمط حاكم؟ هل بمقدورنا -على اختلاف المجالات- تلمس مسار صاعد وهابط؟ هل يمكننا التنبؤ والتحسب؟

نظر آدم لعدة مجالات ووجد أن لكل مجال نمطاً ما للانتشار والانحسار، ومقارنة المنحنيات والتحليل الإحصائي مفيد، لكن الظواهر ليست كلها رقمية (عدد الحالات، نسبة الوفيات، إلخ)، ففي أمثلة كانتشار الهلع أو العنف سنحتاج لفهم أكثر قرباً واستنطاق لمن تعرض للظاهرة وكيف أثرت عليه.

ولم يكن هذا البحث عن الانتشار والانحسار بعيداً عن بحوث اقتصادية عديدة منذ الأزمة المالية 2008، فقد خضعت لتحليلات مشابهة، وقسمت البحوث عوامل الانتشار للأزمة لعوامل هيكلية ترتبط بالأسواق المالية والروابط التجارية وقواعد البنوك وتعويم العملات، وعوامل ترتبط بالمستثمرين كالحصول على المعلومات الصحيحة والتوقعات والارتباك وحجم الاستثمار الخاص بكل فرد أو كيان استثماري، وغيرها.

يمكن لفهم هذه الاتجاهات في التفكير أن يعيننا في حياتنا اليومية، فالحديث عن الصعود والهبوط في المنحنيات الاقتصادية والوبائية والانتشار والانحسار في الظواهر من شأنه أن يساعدنا في فهم "عدوى المشاعر".

فدراسات نفسية عديدة عن السلوك على شبكات التواصل الاجتماعي وأثر التعرض لمشاهد أو أخبار، ومن أي مصدر وبأي تكرارية، وهل يتم ذلك بشكل طوعي من المستخدم أم من خلال الخوارزميات تبين أن الأفراد يتأثرون بموجات من عدوى مشاعر الغضب أو الكراهية أو تقبل العنف أو الإحباط دون أن يدركوا مصدرها أو خضوع أحوالهم النفسية لتلك المؤثرات، وبدون فهم عميق لكيفية صياغة خرائط المشاعر لن يمكننا أن نفهم أنفسنا، ولا كيف أصابتنا بعدوى المشاعر، وكيف نتعافى منها.

سيفيدنا ذلك أيضاُ في فهم عالم الأفكار. ففي مراحل سابقة انتشرت إيديولوجيات انتشار النار في الهشيم وأعادت صياغة أنظمة كاملة لعقود، ثم انحسرت الأفكار ولم يعد لها جمهور عريض كسابق العهد، هل هو التشبع حتى في ظل غياب بديل؟ هل هذه لحظة أفول تواكبها دورة انتشار لأفكار جديدة أكثر قوة وفاعلية تزيح مواجهة منظومات فكر تقادمت؟ وهل قوة الفكر تكفي أم تحتاج لروافع، وهل أزمة الأفكار حقيقية أم أنه الهلع من عواقبها وأثمان التغيير إذا ما وجدت سبيلها للواقع العملي لتغير توازنات القوة فيه؟

وليس فهمنا للسوق من ذلك ببعيد، ففهم منطق انتشار وانحسار سلعة لا يتم بمعزل عن منطق العدوى، وأثر المحاكاة، فالدعاية المكثفة تخلق الطلب بشكل منفك عن الحاجة الحقيقية، وتصوغ حالة من الرغبة في الشراء، ويغدو الاستهلاك حلماً في ذاته، ينتقل من دائرة لأخرى، ويشكل سقف المأمول وحدود المنشود. تنتشر ثم تنحسر ثم يبدأ وباء جديد من الهوس بالأشياء والحرص على الاقتناء.

وفي حين يسير علم الأوبئة في مسار تحجيم العدوى، تطبق تقنيات التسويق الحديثة المنطق المقابل، الانتشار والاستمرار والاستقرار. وهناك شواهد على أن تحليلات الارتباط الإحصائية للأوبئة يتم توظيفها بشكل معكوس في خطط التسويق- فهم المنطق الحاكم يمكن من توظيفه في أي اتجاه.

في عدد مجلة "نيو ساينتيست" الأحدث، والصادر حال كتابة هذه السطور مطلع مايو 2020 كان الموضوع المحوري هو: هل هناك وعي للكون؟ وهو سؤال انشغل به سلفاً منذ سنوات ديفيد شالمرز أستاذ الفلسفة الأسترالي والذي يدير مركز دراسات الوعي بجامعة أستراليا الوطنية، كما انشغل به أعلام التصوف وفلاسفة الأخلاق طويلاً. ويدلل العدد الجديد من خلال نماذج رياضية على أن هناك وعياً للكون وعوالمه.

ليس الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء عن التحام ثقب الأوزون فوق الأرض نتيجة انخفاض مستويات التلوث في ظل إجراءات الحظر المنزلي في مدن العالم المختلفة منفصلاً عن حديثنا هذا عن منطق الانتشار والانحسار، ففي حين كان انتشار الوباء يمثل جائحة تعاني منها البشرية، كانت هناك موازين للانحسار تسير في مسار موازٍ، وحين انتشر الهلع في أوساط شعبية كثيرة، كان هناك اتجاه مقابل لانتشار الوعي بقضايا كثيرة تتعلق بالبيئة وعمل المنظمات الدولية وعجز الأنظمة الاستبدادية وفقر السياسات الصحية، ونشاطية مدنية إيجابية لتقييم القرارات والمحاسبة وتقديم البدائل والضغط من أجل الإصلاح، وكان هناك انتشار للقبضة الأمنية والرقابية تحت شعارات الحفاظ على السلامة العامة و"الحرب على الفيروس".

خلاصة القول إن التبسيط المخل ليس مفيداً لفهم أنفسنا والعالم، وأن ما يجري في البورصات العالمية وفي قاعات وزارات الدفاع لا ينفك عن انتشار الأمراض والأفكار، ونشر الهلع يتزامن مع صعود الأمل، وبث الكراهية يقابلها فهم أكبر لوحدة مستقبل البشرية، جنباً إلى جنب وبالتزامن. ومن الثابت اليوم أن متابعة ما يجري في العالم الواسع بات ضرورة لتعظيم قدرتنا على إدارة حياتنا اليومية ومشاعرنا وأفكارنا بإرادة حرة ووعي متجدد.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي