العيش في وطن كريم يتطلب ليس فقط محاسبة منحازة لبعض مظاهر الفساد، بل السعي لاجتثاثها من جذورها. إن النهوض بالوطن يبدأ من القضاء على هذه المنظومة، وإشاعة روح العدل والشفافية بين الحكومة والمواطنين.

نواكب في هذه الأيام العديد من القضايا والحوادث الإنسانية والتي نجدها منتشرة في سجال كبير على جميع مواقع التواصل الاجتماعي، وكالعادة فإن الطابع العام يكون كالنار في الهشيم يأخذ حيزاً كبيراً، وفي أقل من يومين تنطفئ هذه النار لتشتعل في موضوع وقضية أخرى.

وأكاد أجزم أن الحكومة قد باتت تدرك هذه الظاهرة الآنية وتستغلها! وأحياناً ولأننا نعيش في إقليم ملتهب لم يعرف الراحة، والاستقرار يوماً، ترسَّخ في أذهاننا أن نظرية المؤامرة موجودة في كل نواحي حياتنا، والمبالغة في الحديث عنها لا تعني أنها غير موجودة، بل تؤكد على وجودها، فهل فعلاً الحكومة الحالية -والتي جاءت نتيجة وقفة شعبية لفظت ورفضت ممارسات الحكومة السابقة وسياساتها- تدرك أن حراك الشارع وموقفه صار معلقاً على حدث الساعة؟ وأنها صارت قادرة من خلال أدواتها أن توجه بوصلة حديث الناس من قضية إلى قضية مضيفة عليها القليل من بهارات الإعلام التي تحركها، فتارة تقوم باستخدام الذباب الإليكتروني، وتارة أخرى تستخدم بعض الأقلام المأجورة، فتجدنا دون إدراك أحياناً ننجرف في الحديث في سفاسف الأمور وقشورها غير مدركين أننا ابتعدنا عن القضايا المفصلية المحلية منها والإقليمية.

الضعيف هنا يحاسب بالاعتقال بينما القوي يعاقب بالاستقالة لينتقل بعدها من منصب إلى آخر.

هند الفايز

وهذا ما حدث ويحدث معنا في الآونة الأخيرة في الأردن؛ حيث أن قضية فاجعة البحر الميت وسيول ضبعة ومأدبا والبتراء قد جعلت الحكومة تنجح في نقلنا من الحديث عن قناة محاسبة المسؤولين بسبب تلك الفواجع، وحال البنية التحتية المتهالكة، وعدم استخدام الوسائل المتبعة في أي دولة تكترث لحال شعوبها، من رسائل توعوية، ونشر نقاط أمنية على الطرقات لتنبيه المواطن من خطر ما قد يكون محدقاً؛ بالإضافة إلى إغلاق المناطق التي حدثت فيها حوادث مفجعة في السابق وتسييجها، وغيرها من الإجراءات.

بل تنقلنا إلى قناة أخرى نتحدث فيها عن قضية اعتقال مديرة المدرسة الثكلى، والمشرفات في التربية؛ واللواتي وللأسف قمن بحمل الوزر ليس لأنها مسؤوليتهن، بل كالعادة لأنهن الحلقة الأضعف في كل المعادلة. فكلنا يعرف أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، لكن وللأسف في حالتنا المتهم يعتقل، ويهان، ويرتدي ثياب المعتقلين، ويُقتاد في الأغلال في أروقة المحاكم أمام الملأ حتى تثبت براءته!

فالضعيف هنا يحاسب بالاعتقال بينما القوي يعاقب بالاستقالة لينتقل بعدها من منصب إلى آخر. هذا إذا اعتبرنا أن كليهما مذنب، وكلنا يعلم أن المذنب ومن يتحمل المسؤولية هو تلك المنظومة الهشة من الداخل؛ الصلبة في ظاهرها والتي يعتقد البعض أن في توجيه البنان نحوها اغتيال للشخصية، بينما يُغتال شعب ووطن لحساب تلك الشخصية. ومع ذلك وليس من باب التفاؤل فقط بل لإصرارنا على البقاء والصمود نقول أن الأوان لم يفت على العلاج، وأن إنكار واقع الحال وعدم الاعتراف بأن لدينا مشكلة كبيرة في منظومة، وُجدت نتيجة غياب سيادة القانون، واستخدام سياسة التشكيك فيمن يطالب بوأدها، هو ما علينا وضع حد له. فلقد تحدثنا مراراً وتكراراً عن إصلاح تلك المنظومة وأن تغيير النهج أمر لا مناص منه، وأن ما كنا نعتبره في السابق من المسلمات يجب أن يتغير، ففي ذهن البعض أن ما نطالب به هو أمر من الصعب تحقيقه، ونوصف بمن "ينفخ في قربة مهترئة" وهذا وصف يعكس الشعور بالتقهقر والانهزامية والسلبية في عدم القدرة على تحقيق ما هو في نظرهم أمر من المستحيل تحقيقه.

ولكننا ندرك بأن سكوتنا عن تلك "القربة المهترئة" وفقداننا الأمل في إصلاحها هو التشكيك في حد ذاته في قدرات شعب عشق تراب وطنه، ولم يعد بالإمكان التغاضي عن التغول عليه وعلى مقدراته ومستقبل أبنائه، لا سيما أن من كانوا يعتقدون أننا نبالغ في حديثنا عن الفساد صاروا ذاتهم مقتنعين بأن الفساد في الأردن لم يترك باباً إلا طرقه ولا ديواناً إلا تصدره، حتى الحفر الامتصاصية لم تسلم منه وبشتى الوسائل!

الفساد في الأردن لم يترك باباً إلا طرقه ولا ديواناً إلا تصدره، حتى الحفر الامتصاصية لم تسلم منه وبشتى الوسائل.

هند الفايز

ففي حادثة قبل يومين خسرنا شاباً وطفلة في مأساة تعتبر من أقسى وأسوأ المآسي، ليس لأن تلك الطفلة لم تطلب من والدتها الخروج في رحلة مدرسية، فالرحلات المدرسية تجسد في ذاكرة أي إنسان لحظات البراءة في حياته، لكن تلك الطفلة لم تبتعد عن محيط بيتها بل كانت مع والدتها وأمام عينيها ولم تغادرها، تجري في اتجاه مكتبة للألعاب، والفرح يتراقص في عينيها، وفي أقل من لحظة وقعت في حفرة امتصاصية لم تسلبها فقط حياتها بل سلبت معها حياة ذاك الشاب الشهم الذي حاول إنقاذها.

وكعادتنا عدنا إلى مواقع التواصل الاجتماعي في سجالنا المعهود عمن يتحمل المسؤولية؛ فالبعض يقول: أمانة عمان، والبعض الآخر: وزارة المياه. ونتأثر قليلاً ونعلق ونكتب كثيراً، ثم نغلق الصفحة، وننتقل إلى موضوع آخر، وكأن الأمر لا يعنينا؛ بينما يدرك الكل في داخله أن ذراع الفساد صارت خلف كل حادثة وحكاية وحفرة وسيل يمر بنا، لأننا نعلم أن تلك المنظومة الفاسدة والتي صارت مؤسسة تحرك في أذرعها كل مفاصل الدولة معتبرة أنها فوق الدستور، والقوانين، لا تعترف بالفصل بين السلطات، فتجدها تتدخل من خلال أصابعها في كل قضية، وهيئة، ومؤسسة، وتستخدم كل ما أوتيت به من قوة لتشد في عكس إرادة الشعب.

لوكان هنالك حساب للكبير والصغير ولو كان هنالك احترام لسيادة القانون، ولو كانت الحكومات تتعامل معنا بشفافية، وعدالة، لما تمكنت منا منظومة الفساد.

هند الفايز

فلو كان هنالك حساب للكبير والصغير ولو كان هنالك احترام لسيادة القانون، ولو كانت الحكومات تتعامل معنا بشفافية، وعدالة، لما تمكنت منا تلك المنظومة، وما قوي عودها لتصل بنا إلى هذا المنحنى الخطر، والذي معه نتحمل كلنا المسؤولية.

علينا أن نوجه في التغيير الذي طالبنا به منذ خروج حراك الشارع في عام2011 حتى وقفة الرابع الأبية. لا نريد إسقاط حكومة ومحاسبة فاسد صغير يكون كبش فداء لمنظومة فساد؛ بل نريد تغيير النهج. فمن حقنا أن نستعيد وطننا ولن نسمح أن يكون الحل بأن نحمل أمتعنا ونغادر فنحن باقون، والتغيير قادم لا محالة، وليتم ذلك لا بد أن تسقط أقنعة تلك المنظومة، وبإرادة شعبية قوية بدأت بإسقاط الحكومة، ولن تتوانى حتى تسقط تلك المنظومة ونهجها لنحقق الهدف المرجو في كرامة شعب ووطن.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي