الثورات العربية (AP)

وتوجد أسباب لهذا التيه أولها تسارع الأحداث وتراكماتها المفزعة التي تؤثر فيها غالباً عوامل خارجية لا تساعد على وضع منهج تحليل.

وثانيها فقدان الفاعلين أنفسهم لمنهج عمل يساعد على تأطير فعلهم من الخارج ووضعه في سياقات معرفية (منهجية).

وربما نجد من أسباب التيه خشية معرفية من تبني مناهج تحليل غربية موصومة وصمة دينية على غير وجه علمي. وأعني بذلك أن الفاعلين المؤثرين في الثورة العربية للقرن الـ21 هم من التيارات الإسلامية التي بنت عن جهل موقفاً أيديولوجياً معادياً لمناهج التحليل المادية ولم تفلح في بناء مناهج بديلة أكثر كفاءة للتحليل التاريخي للأحداث. وفي هذا المقال لا أخترع منهجاً ولكني أذكِّر ببدهيات مهمة في التحليل التاريخي للأحداث التي مرت.

كل ثورة هي ثورة اجتماعية بالقوة

هذه بديهية أولى وهي أكثر جلاء في الثورة العربية للقرن الـ21. يمكن إسناد ذلك بأدلة كثيرة بعضها بمستويات الفقر التي صنعتها دويلات فاشلة وقمعية وبعضها طبيعة الفئات التي تحركت في الشوارع ودفعت كلفة الدم يقابلها طبيعة الفئات التي عارضت الثورة وعملت على تخريبها. وبعضها الشعارات والمطالب التي رفعت وكان بمقدمتها تجاوز إرث الظلم الاجتماعي والعمل على إرساء العدالة الاجتماعية.

لم يكن مطلوباً إسقاط النظام السياسي الظاهر للعيان على شكل دولة بل إسقاط نظام الظلم الاجتماعي الذي بنته دولة الاستقلال التي كانت بجوهرها دولة طبقة اجتماعية جمعت الثروة والسلطة وإنتاج القيمة الثقافية.

ينتج عن هذه البدهية بالضرورة أن مسارات إسقاط النظام تمر عبر نزع الثروة من أيدي الطبقة الحاكمة وبالتالي انتزاع السلطة السياسية منها ضمن مسار بناء دولة أخرى عادلة ومنصفة للجميع.

ويكون ذلك بتصدي النخبة السياسية المتنورة التي طالما قادت معارضة الأنظمة لهذه المهمة التاريخية. فهذه النخبة هي التي أنتجت خطاب العدالة في مواجهة المظالم الاجتماعية، وكانت شعاراتها الطاهرة على ألسنة الشباب المفقر الذي واجه القمع بصدور عارية، فهل تصدت هذه النخبة لهذه المهمة؟

النخبة أخلفت موعدها التاريخي

المعاينة تكشف أن النخبة لم تكن في الموعد. وقد كتب في هذا الكثير. ولكن قليلة هي الكتابات التي تساءلت عن طبيعة النخبة (المتخاذلة). ولعل العودة إلى تشريح الطبيعة الاجتماعية للنخب يكشف اختياراتها ومواقفها من التغيير الاجتماعي العميق.

الحالة التونسية الأقرب إلينا في القراءة تكشف أن النخبة التي رفعت مطالب الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية هي نخب حضرية (مدينية) يسميها البعض بنخبة داخل الأسوار (intramuros) كناية عن وجود مدينة مسوَّرة مغلقة في وجه القادمين من خارجها وهم (extramuros).

الأصول الإرستقراطية القديمة والبرجوازية الصغيرة التي صنعتها الدولة نفسها باعتماد نتائج الأسانسير الاجتماعي (المدرسة) جعلت هذه النخب المرفهة غالباً (التي لم تعرف الجوع) تميل إلى طلب المشاركة بالحكم ونظام المنافع المتاح بلا تغيير للنظام جذرياً. وكانت أقصى أشكال تطرُّفها ضد السلطة صياغة شعارات قوية تمهيداً لتفاوض اجتماعي يقبل بالقليل. وقد منحتها الأنظمة الكثير فاستقطبت منها وحيدت الكثير.

لقد صار الكثير من القادمين من خارج الأسوار أدوات للنظام حتى ظن أن التقسيم القديم لم يعد صالحاً للتحليل. لكن انفجار الشارع المفقر والمهمش الباقي خارج كل نظام للمنفعة الذي يحتمل كل القمع والإقصاء أعاد طرح الأسئلة وفتح باباً لإسقاط النظام بما في ذلك جزء كبير من النخبة التي استقطبها.

هنا شعرت هذه النخبة بأنها مستهدفة في مواقعها المريحة. لقد أزعجت الثورة استقرارها في هامش النظام وهو هامش مريح، فاتخذت موقفها الإصلاحي المنتظر ودفعت إلى تفريغ الثورة من زخمها وتحويلها إلى مطلبية اجتماعية وإلى نقاش قانوني شكلي حول الدستور وتفريعاته وهو اختصاصها الممتع والمفيد.

لقد أخلفت موعدها مع الشارع لكنها أخلصت لموقعها الخاص وكان هذا جزءا من الصراع. وما الرئيس الحالي إلا خطوة أخرى في نفس الاتجاه وبنفس الوسيلة. إنه التجسيد المطلق لحرف الثورة عن مسارها على الرغم من أنه قبلها لم يكن شيئاً مذكوراً.

التائهون عن مكان المعركة التاريخية وزمانها

عندما تنفجر بعض الاحتجاجات الاجتماعية وتصطدم بالأمن بعد الثورة بخاصة تخرج هذه النخب خطابها الاجتماعي الثوري لتقود الاحتجاجات لكنها لا تنتبه إلى أمر مهم هو أن مجرد ظهورها في مقدمة الاحتجاجات يجعل المحتجين ينسحبون ولا يسيرون وراءها.

لقد انكشف وعي آخر في الشارع المفقر إنه لا يصدق هذه النخبة ولا يثق بها، ففي الوقت الذي يخرج الشارع لمطلب اجتماعي واضح يجد النخبة تستعيد شعاراتها الأيديولوجية على حساب مطلبه الاجتماعي.

لقد تجلت القطيعة لأن مطالب النخبة ليست مطالب الشارع بل هي نقيضه التام. يطرح الكثير من النخب سؤال "لماذا لا يتبعنا الشارع؟"؛ كان عليهم أن يطرحوا السؤال الحقيقي الذي يكشف انحيازاً سليماً: "هل فهمنا الشارع وقبلنا مطالبه؟".

إن أحد عناوين التيه النخبوي هو فرض المعركة الاستئصالية (يسار ضد إسلاميين) على شارع يعيش بعيداً عن هذه المعركة التي حكمت النقاش السياسي منذ نصف قرن. لقد اتضح أن الشارع ليس إسلامياً ولا يسارياً ولا قومياً، الشارع له شخصية مختلفة تحتاج إلى قراءة جديدة.

وهذا الصراع الأيديولوجي الاستئصالي صراع مفوت تتقنه النخبة وتقبض منه، أما من يدفع لها فهو طبقة رأس المال الفاسد الممسك بالسلطة الحقيقية في البلاد، وهي التي استهدفتها الثورة قبل الجميع ولكنها لم تفلح في استرداد الثروة منها لأن النخبة حمتها عبر تحويل وجهة الصراع من الاجتماعي الواضح إلى الأيديولوجي المفوت.

العينات التي يمكن أخذها أدلة على ذلك هي طاقم الإعلاميين الأيديولوجيين الذي منحوا امتياز الكلام للناس في وسائل إعلام خاصة (تمولها الطبقة الفاسدة) وعمومية والذين لم يطرحوا منذ عشر سنوات سؤالاً واحداً عن أصول ثروات الأغنياء أو طرق الكسب أو سبل المحاسبة، وجروا الناس إلى اقتتال أيديولوجي ضمن خطة واضحة هي صرف الأنظار عن الفساد وصانعيه.

ومن أوضح علامات التيه السياسي أن فئات كثيرة من المفقرين المصنفين من خارج الأسوار قد دخلوا هذه الصراعات بلا وعي بخلفياتها أو برغبة في نيل فتات على طاولاتها، وفي مقدمة هؤلاء تيار القوميين العرب وفئات واسعة من الإسلاميين الخارجين من سجون النظام وشباب يساري ريفي المنشأ بلا أفق مهني.

هؤلاء يحرق الآن بعضهم بعضاً حطباً بمعركة كان يجب أن يكونوا فيها أنصاراً متكاتفين يجمعهم موقعهم الاجتماعي، لكنهم يتقاتلون من أجل نجاة طبقة الفاسدين، ولا نخال هذه الطبقة إلا تضحك من صراعاتهم وتشرب أنخاب الغباء والجهل السياسي.

بل نذهب إلى حد القول إنها تدفع لهم لينحر بعضهم بعضاً فينتحرون على أعتباها فتنجو بغنائمها ولا تضار بالسؤال عن موقعها ودورها ومستقبلها. لقد تلقت كل هذه المجموعات تمويلات جزيلة وبشكل خفي من طبقة رأس المال الفاسد، وظهرت التمويلات في حملاتها الانتخابية والشارع المفقر كان يشهد مغلوباً على أمره، وكانت تلك الحملات صدمة وعي لهذا الشارع الاجتماعي الذي دفع الشهداء.

هنا نستعيد مفتاح القراءة السليم، هذه الثورة هي ثورة اجتماعية تعمل على إرساء عدالة للجميع، ونقدر أن انحرافها مؤقت وهو يقربها إلى نقطة بدايتها من جديد، إذ نشهد عجز النخب عن التقدم بها نحو أفق اجتماعي وكل عجز نخبوي هو خطوة في اتجاه التصحيح. ليست هذه النخبة المنحازة ضد أصولها الاجتماعية من سيقود عودة الثورة إلى حقيقتها الاجتماعية بل نظن يقيناً أن نخبة بديلة تنضج خارج مجال الرشوة السياسية التي تتقنها طبقة المال الفاسد والبرجوازية المدينية. متى سيكون ذلك؟ هذا سؤال عجول يطرحه المتلهفون على غنيمة، لذلك نترك للزمن وقته ليشق طريق الثورة القادمة بنخبة غير مشوهة بالصراع الأيديولوجي، وسيكون آخر الخائضين بالنقاش القانوني -وأعني الرئيس- أول أهداف التصحيح.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً