إن كان رهاب الإسلام مصطلحاً يعكس مشاعر وانفعالات الخوف والازدراء للإسلام، فإن لفظة العداء للإسلام هي المصطلح المكمّل في تعبيره عن الكراهية الفجة التي تجنح نحو العنف ورغبة الاستئصال وإلحاق الأذى الجسدي والمعنوي، وهي عنصرية تقوم على الفكر والمعتقد.

يطلّ مصطلح "الإسلاموفوبيا" إلى واجهة الأحداث في أعقاب حوادث الاعتداء أو الكراهية ضدّ المسلمين في الغرب، وعلى الرغم من حداثة المصطلح فقد بات يفرض نفسه في التداول العالمي، إلى حدّ مطالبة منظمة التعاون الإسلامي بإدراجه في ميثاق الأمم المتحدة كشكل من أشكال العنصرية.

وبإمكاننا اعتبار الإسلاموفوبيا مصطلحاً جديداً يصف واقعاً قديماً ومتجدداً، وقد أشار إلى هذا الواقع عدد من المفكرين، على رأسهم إدوارد سعيد، الذي تحدث في كتابه "الاستشراق" عن تاريخ طويل من ربط الغربِ الإسلامَ بجملة من الصور النمطية والمشاعر الدونية والسلبية.

إن كانت الحضارة الغربية لم تتعافَ بعد من عقدة الهولوكوست فإن تَحمُّل مسؤوليات تلك الحقبة يتطلب أيضاً معالجة أي إرهاصات قد تشي بتكرارها، على رأسها أزمة العداء للإسلام.

أماني السنوار
لكن مركز الأبحاث البريطاني المختص بالدراسات العرقية Runnymede ThinkTank كان قد نحت مصطلح الإسلاموفوبيا ونشره لأول مرة في تقرير له عام 1997 حمل عنوان "الإسلاموفوبيا تحدٍّ لنا جميعاً". ومع ذلك لم يحظَ المصطلح بالزخْم إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما برزت الحاجة إلى فكّ الارتباط ما بين اعتداءات نيويورك وواشنطن وبين الإسلام.

وقد اصطُلح على كون الإسلاموفوبيا اختصاراً لمشاعر الرهاب والفزع والكراهية للإسلام، وبالتالي الخوف والكراهية لكل أو معظم المسلمين، وقد خلقت هجمات11سبتمبر الجو المواتي لمشاعر الخوف والكراهية هذه، وساهم في تصدير تنظيم القاعدة خطاباً "إسلامياً" يتبنى الهجمات ويتوعد الغرب بمزيد منها إلى الإقرار بوجود خطاب ترهيبي من الإسلام يستند إلى الموادّ التي تصدر عن القاعدة وشبيهاتها، وتذكّيه وسائل الإعلام ومراكز صنع القرار اليمينية في الغرب التي تغذت -بوعي أو دون وعي- على نظريات برنارد لويس التي تقول بالحاجة إلى تحدٍّ حضاري جديد للغرب بعد سقوط المعسكر الشيوعي.

على أن يكون التحدي قادماً هذه المرة من الإسلام. ويمكن القول هنا إن الدلالة اللفظية لفوبيا الإسلام جاءت منسجمة مع السياق السائد في ذلك الوقت، الذي كان عنوانه الأبرز خطاب الدفاع عن الذات المسلمة وفكّ الارتباط المزعوم ما بينها وبين "الإرهاب".

وتعرّف الجمعية النفسية الأمريكية الرهاب (فوبيا) بأنه"خوف دائم وغير منطقي من شيء محدَّد أو نشاط أو موقف بصورة مفرطة وغير متناسبة مع حقيقة التهديد"، وعلى الرغم من أن الإسلاموفوبيا ليس مصطلحاً نفسياً سريرياً، فإن دلالته اللفظية المرتبطة بالرهاب قد تستدعي صوراً لا واعية تؤشر إلى حالة طبية، وتعكس أن صاحبها مريض أو مضلَّل، تماماً كأولئك الذين يعانون من الفوبيا الاجتماعية أو فوبيا المرتفعات.

بالإضافة إلى أن المصطلح يحصر ردة الفعل على الإسلام في إطار المشاعر والتصورات والانفعالات النفسية، لكنه لا يغطي امتداداتها وعواقبها من أفعال وممارسات قد تصل أحياناً إلى حد التورط في الجريمة والعدوان الصريح، ولَإن كانت هذه الدلالات الموضوعية والنفسية متسقة مع واقع مطلع الألفية فإن تطورات السنوات الأخيرة عكست تحدياً متقدماً من الكراهية للإسلام تجاوز حدود الرهاب نحو العدوان الممنهج والرغبة في الاستئصال.

جريمة نيوزيلندا لم تكُن وليدة لحظة كراهية عابرة أو رُهاب مشفوع بدفع الأذى والتهديد عن النفس بقدر ما كانت مخططة ومستندة إلى منظومة فكرية تنهل من الماضي جذور عداء حضاري متخيَّل.

أماني السنوار

ولعل هجمات نيوزيلندا الأخيرة تجمع خيوط هذه المرحلة في لوحة صاخبة ومغرقة في الوحشية، إذ لم تكُن وليدة لحظة كراهية عابرة، أو رُهاب مشفوع بدفع الأذى والتهديد عن النفس، بقدر ما كانت مخططة ومستندة إلى منظومة فكرية تنهل من الماضي جذور عداء حضاري متخيَّل، وتحاول إعادة سكبه في قوالب معاصرة عناوينها المشرق والإسلام والمهاجرون، وقد تَجلَّى هذا واضحاً في البيان العنصري الذي تركه إرهابي مذبحة المسجدين وراءه، إضافة إلى الدلالات المنقوشة على سلاحه.

ولا يمكن قراءة الهجوم الأخير بحال من الأحوال بمعزل عن سلسلة اعتداءات أخرى كان عنوانها العداء للإسلام على رأسها جريمة سفاح النرويج أندرس بريفيك، الذي قتل 69 مدنياً في معسكر طلابي لحزب العمال انتقاماً من سياسات الهجرة و"الأسلمة" في أوروبا، إلى جانب قتل الطبيب السوري ضياء بركات وزوجته وأختها في الولايات المتحدة، واغتيال مروة الشربيني في ألمانيا، والاعتداء الوحشي على الطفل السوري وأخته المحجبة في بريطانيا، وغيرها من الاعتداءات الواعية المخطَّط لها، انطلاقاً من نظريات متطرفة ترى في الإسلام نقيضاً لحضارة الغرب وقيمه ينبغي اجتثاثه بالقوة.

وعند التدقيق في هذه النظريات وتأصيلاتها المستندة إلى خليط من التفسيرات المسيحية وأطروحات اليمين السياسي المتطرف ومشاعر التفوق الأبيض، يجد المرء كثيراً من أوجه التقاطع مع مرحلة ما قبل الصعود الفاحش للنازية الآرية قبل قرن من الزمان، والتي صوّرت الطوائف اليهودية كنقيض للنقاء العرقي وعقبة في وجه التجانس القومي في أوروبا، ويبدو أن المتغير الوحيد اليوم أن اليهودية انتقلت من موقع الضحية لتُدمج شكلاً من أشكال الإرث الحضاري الغربي Christian-Judeo Civilization، فيما أصبح المسلمون الضحية الجديدة لهذا القرن.

يُحسب للدبلوماسية التركية استخدامها لفظة العداء للإسلام على وجه الخصوص وهو تعبير هامّ يجب تصديره في الأوساط الأكاديمية والإعلامية كرديف لمعاداة السامية Anti-semitism وكمتلازمة لصيقة بلفظة الإسلاموفوبيا.

أماني السنوار

وإن كانت الحضارة الغربية لم تتعافَ بعد من عقدة الهولوكوست، فإن تَحمُّل مسؤوليات تلك الحقبة يتطلب أيضاً معالجة أي إرهاصات قد تشي بتكرارها، على رأسها أزمة العداء للإسلام (Anti-Islam ) التي تعبّر بدقة أكبر عن أفكار الإرهاب اليميني الأبيض المعادي للإسلام أكثر من لفظة إسلاموفوبيا.

ويُحسب للدبلوماسية التركية التي اتخذت موقفاً متقدماً بعد هجمات نيوزيلندا استخدامها لفظة العداء للإسلام İslam Düşmanlığı على وجه الخصوص، وهو تعبير هامّ يجب تصديره في الأوساط الأكاديمية والإعلامية كرديف لمعاداة السامية (Anti-semitism) وكمتلازمة لصيقة بلفظة الإسلاموفوبيا.

وإن كان رهاب الإسلام مصطلحاً يعكس مشاعر وانفعالات الخوف والازدراء للإسلام والمسلمين، فإن لفظة العداء للإسلام هي المصطلح المكمّل في تعبيره عن الكراهية الفجة التي تجنح نحو العنف الوحشي ورغبة الاستئصال وإلحاق الأذى الجسدي والمعنوي، وهي -بلا شكّ- تعبير صرف عن العنصرية القائمة على أساس الفكر والمعتقد، وأحياناً العرق أيضًا، وتؤدِّي الغرض في الربط المباشر مع جريمة العنصرية المجرَّمة دولياً دون الحاجة إلى استدعاء المقدّمات المنطقية لمثل هذا الربط.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي