حذرت الأمم المتحدة بأن نصف مليار إنسان ربما ينحدرون إلى حافة الفقر في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية جرّاء انتشار فيروس كورونا. فالمنطقة العربية لوحدها مهددة أن تفقد 1.7 مليون وظيفة على الأقل في عام 2020.

أريق الكثير من الحبر على تلك التنبؤات التي تتعلق بشكل الحياة والنظام الدولي والواقع الاجتماعي ما بعد جائحة كورونا. ذهب البعض في تنبؤاتهم مذهباً بعيداً عندما رأوا أننا مقبلون على حياة تختلف جذرياً على مستوى علاقات القوة سواء على المستوى الدولي أو على مستوى المجتمعات المحلية. فالصين سوف تجني المزيد من النفوذ على حساب الولايات المتحدة، بينما سيؤدي فشل بعض الحكومات في التعاطي مع الجائحة إلى سقوطها، وربما ظهور حركات اجتماعية مناهضة للتقشف وللإنفاق الحكومي تعمل على تهديد استقرار العديد من الأنظمة.

وإذا كان كل ما سبق يبقى في إطار التكهنات، فإن الشيء الأكيد ربما والذي تشير إليه الكثير من الأرقام هو التأزم الذي أصاب الاقتصاد العالمي والذي سوف يدفع الملايين من الناس إلى شرك الفقر مجدداً. ولذلك ربما الإجراء الذي يجب أن تسارع الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية إلى اتباعه هو إعادة إحياء أو تشكيل وتقوية منظومة التكافل الاجتماعي التي من شأنها أن تفرمل أي تداعيات كارثية للجائحة على الشرائح الأكثر ضعفاً في المجتمع. أي ضرورة الانتقال من "المسافة الاجتماعية" إلى التكافل الاجتماعي.

فالبنك الدولي يقول إنه، وللمرة الأولى منذ عام 1998، من المتوقع أن ترتفع معدلات الفقر العالمية. كما أن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أنه بحلول نهاية هذا العام قد يجنح نصف مليار شخص حول العالم إلى الفقر المدقع وذلك إلى حد كبير بسبب جائحة كورونا.

ففي ورقة عمل نشرتها في نيسان/أبريل 2020 جامعة الأمم المتحدة UNU-WIDER أكد الباحثون وهم، أندي سمنر، وكريس هوي، وإدواردو أورتيز خواريز، أن "الأثر المحتمل لفيروس كوفيد-19 سيشكل تحدياً حقيقياً على المستوى العالمي فيما يخص هدف التنمية المستدامة الذي تبنته الأمم المتحدة والمتمثل في إنهاء الفقر بحلول عام 2030 بسبب الزيادة في الحجم النسبي والمطلق لعدد الفقراء بشكل لم يسبق تسجيله منذ عام 1990، وهو ما يشكل انتكاسة لما يقرب من العقد من التقدم في مسيرة الحد من انتشار الفقر على مستوى العالم. وفي مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمكن أن تؤدي الآثار السلبية لجائحة كورونا إلى مستويات فقر مماثلة لتلك التي سجلت قبل 30عاماً".

أرقام أخرى للبنك الدولي تتحدث عن مستوى الضرر الذي قد يصيب الكثير من الاقتصاديات حول العالم. فعلى سبيل المثال فإن منطقة إفريقيا جنوب الصحراء ستشهد أول ركود لها منذ 25 عاماً، مما يعني أن نصف عدد الوظائف التي دخلت السوق مؤخراً سوف تختفي، كما أن منطقة جنوب آسيا من المرجح أن تعيش أسوأ أداء اقتصادي لها منذ 40 عاماً.

وفي المنطقة العربية تبدو الأرقام أكثر سوداوية،فالتقديرات الأولية للإسكوا تشير إلى أن المنطقة قد تخسر 42 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي، ومن الممكن أن يزيد معدل البطالة في المنطقة بنسبة 1.2 نقطة مئوية بسبب تفشي فيروس كورونا. وهذا يعني أن المنطقة قد تفقد 1.7 مليون وظيفة على الأقل في عام 2020.

يعزز هذه التقديرات الأرقام التي سُجلت فعليّاً عن الأداء الاقتصادي للمنطقة العربية؛ فالفترة ما بين يناير/كانون الثاني إلى منتصف مارس/آذار من عام 2020 سجلت الشركات في جميع أنحاء المنطقة خسائر فادحة في رأس المال السوقي، بقيمة وصلت إلى 420 مليار دولار أمريكي. وتعادل هذه الخسارة في الثروة 8% من إجمالي ثروة المنطقة.

هذا التأثير الكارثي لفيروس كورونا لا يشمل فقط اقتصادات الدول النامية بل يشمل أيضاً اقتصاديات الدول المتقدمة. يكفي النظر إلى تصريحات كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي التي قالت فيها بأن" منطقة اليورو تواجه انكماشاً اقتصادياً من حيث الحجم والسرعة لم يسبق له مثيل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية" حيث حذرت من أن اقتصاد منطقة اليورو يمكن أن ينكمش بنسبة تصل إلى 12% هذا العام.

جاء تقييمها الصارم هذا بعد أن قدر المسؤولون الأوروبيون انخفاض الناتج الاقتصادي في منطقة اليورو بنسبة 3.8% في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وهو أسوأ أداء في المنطقة منذ إدخال العملة الموحدة حيز التداول في عام 1999. وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الفرنسي انخفض بنسبة 5.8% والإسباني بنسبة 5.2%، والإيطالي بنسبة 4.7%.  

أما في الولايات المتحدة فيبدو الأمر سريالياً مع مئات الآلاف من الناس الذي يصطفون من أجل تسجيل أسمائهم لتحصيل المعونات وطرود الطعام. فقد قدم ما يقرب من 3.8 مليون عامل إضافي للحصول على إعانات البطالة في الأسبوع الماضي ليصل إجمالي عدد العاطلين عن العمل في الستة أسابيع الماضية إلى 30 مليوناً، هذا بغض النظر عن مئات الآلاف الذين لم يستطيعوا الوصول إلى عملية التسجيل أصلاً.

إن سياسة التباعد الاجتماعي التي اتبعت من أجل الحد من انتشار الجائحة والسيطرة عليها ومن ثم احتواؤها يجب أن تلحق وبشكل مباشر بسياسة التكافل الاجتماعي؛ من أجل الحد من تداعيات هذه الجائحة الاجتماعية وليس الصحية وحسب. وهذا يشمل الحكومات التي يجب أن تبادر من فورها إلى تشكيل لجان تتبع وزاراتها المعنية لإنشاء منظومة تكافل اجتماعي تشمل جميع الشرائح الأكثر عرضة لتداعيات فيروس كورونا الاجتماعية. وإلا فإن المقابل سيكون الأسوأ على شكل ثورة جياع تهدد الاستقرار والسلم الأهلي في هذه الدولة أو تلك، وهناك ارهاصات حاليا تحدث في لبنان مع تدهور الوضع الاقتصادي فيها إلى حد كبير.

وإذا كان دور الحكومات هنا يبدو لا غنى عنه، فإن مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية ونشطاء الخدمة المجتمعية لا بدّ أن يشكلوا غرفة عمليات مشتركة من أجل وضع خطة شاملة وتنسيق الجهود للإسهام في تقليل الآثار السلبية للجائحة والحد من انتشار الفقر.

ولذلك سيكون من المؤسف جداً أن تقدم بعض الأنظمة باتخاذ إجراءات باتجاه عكسي من قبيل إغلاق الجمعيات الخيرية أو التضييق على أنشطة مؤسسات المجتمع المدني كما حدث مؤخراً في السودان على سبيل المثال. إن الحكومات والأنظمة العربية بحاجة إلى وضع الخلافات السياسية وملاحقة المعارضين من أجل تهيئة الأجواء لعملية تكافلية أكثر فاعلية، بعيداً عن الخوف من الملاحقة الأمنية والاعتقال. من شأن توفير البيئة الملائمة للعمل الخيري أن يسهم في تخفيف أعداد أولئك المهددين بالوقوع في جائحة الفقر المدقع.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي