لا تمثل واقعة اغتيال الهاشمي حادثة فريدة من نوعها، بل هي حلقة من سلسلة طويلة من اغتيالات تمارس ضد أولئك الذي يرفضون الانبطاح لأصحاب المشاريع الخارجية.

لم يكن اغتيال المحلل السياسي العراقي والخبير الأمني أمام بيته في رصافة بغداد، بالخبر الذي يمر مرّ الكرام على أولئك الذين يعرفون الرجل ولو من بعيد، كانت له مواقف مهمة في الوقت الذي كان العراق يتعرض فيه لوباء داعش.

لكن ومثل أي صاحب فكر حرّ وقلم غير منحاز إلا إلى قضايا الوطن ومصلحته العليا، أبى الهاشمي إلا الاستمرار في فضح المشاريع التي تريد بالعراق أن يكون تابعاً لمحور هنا أو دولة هناك.

مقالات ذات صلة:

ينشر لأول مرة: الهاشمي كتب لـTRTعربي قبل اغتياله عن إيران ودورها في العراق

وقف الهاشمي مع شباب ما يسمى بثورة تشرين بقده وقديده، وكان يعمل جاهداً على فضح الجماعات المسلحة التي ما فتئت تفتك برموز شباب الثورة، قتلاً واختطافاً وترهيباً. كان الخط لديه واضحاً للغاية، فهؤلاء الشبان غير المؤدلجين هم أمل العراق في النهوض والخروج من التبعية، وخصوصاً التبعية لإيران من خلال وكلائها في بغداد.

وكما لم يُرد الهاشمي للعراق أن يكون خاضعاً لسطوة داعش الذي أراد بدوره أن يقضي على تنوع العراق ويجعله ذا لون واحد، رفض أن يكون العراق خاضعاً للهيمنة الإيرانية. هذه الهيمنة كانت تعني في نظره أن العراق الذي نجا من أصحاب العمامات السود (داعش) سوف يقع تحت حكم أصحاب العمامات السود (إيران)، وهو ما رفضه بشدة.

لا تمثل واقعة اغتيال الهاشمي حادثة فريدة من نوعها، بل هي حلقة من سلسلة طويلة من اغتيالات تمارس ضد أولئك الذي يرفضون الانبطاح لأصحاب المشاريع الخارجية.

وهذا الأمر لا يتعلق فقط بالعراق على الرغم من أنه يحظى بنصيب الأسد في اغتيال الناشطين مؤخراً بسبب حالة الانفلات الأمني في البلاد وسيطرة المليشيات على مفاصل الدولة، بل أيضاً ينتشر في أرجاء الوطن العربي كله.

إنها سياسية كبرى ينتهجها جميع الأنظمة في المنطقة بغض النظر عن اختلافاتها السياسية والأيديولوجية والمصلحة فيما بينها. بالأمس كانت الفاجعة كبيرة بالصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي اغتيل وقطعت أوصاله في قنصلية بلاده في إسطنبول من قبل فرقة اغتيالات خاصة تتبع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ومع ذلك فمازالت التحقيقات جارية، والمسؤولون الحقيقيين عن الجريمة طلقاء، وجثة جمال غير معروفة المكان.

مقالات ذات صلة:

مقتل خاشقجي: غيضٌ من فيض قمع السعودية ضد المعارضين

ومن قبل ذلك، كان الناشط الإماراتي أحمد منصور الذي اعتقل وزُج في السجن، والجناية كانت تغريدة على تويتر، إذ حوكم بسببها بنحو10سنوات. ومئات الشباب وربما الآلاف يقبعون في غياهب السجون في مصر، يتساقطون الواحد تلو الآخر بسبب الإهمال الصحي المتعمّد الذي يمارَس بحقهم.

إن سياسة المحاور التي تعصف بالوطن العربي على المستوى البيني بين الدول، تترجم بسياسة المحور الواحد على المستوى الداخلي. بعبارة أخرى، إذا كان الوطن العربي الآن مقسماً بين محور ما يسمى المقاومة على كل علاته، وآخر ما يسمى محور الاعتدال على كل مصائبه وخيباته، وما بينهما من تباينات وتداخلات تقبع إسرائيل في صلبها، فإن هذين المحورين متفقين تماماً من حيث المبدأ على شيء واحد ألا وهو: وأد التطلعات الشبابية إلى حكم ديمقراطي مدني يمنح الكل الحرية والمساواة أمام القانون.

ففي الوقت الذي ظهرت فيه سياسة تصفية هذه التطلعات الديمقراطية في دول ما يسمى الاعتدال العربي من خلال الانقلاب المصري الذي قاده السيسي ومهد له الطريق، ورسمت معالمه وحررت أمواله من قبل دول الخليج خصوصاً السعودية والإمارات، ليستكمل طريقه بعد ذلك في اليمن وليبيا ومحاولاً في تونس والسودان، فإن محور ما يسمى الممانعة لم يتوانَ أيضاً عن وأد هذا التطلع الديمقراطي في سوريا، عندما انطلقت الثورة هناك عام2011، وبدلاً من المحافظة على سوريا قوية لتبقى درعاً عربياً في وجه إسرائيل، كانت نتيجة تدخل قوى محور المقاومة أي إيران وحزب الله مدمرة على البلاد، إذ تحولت سوريا إلى دولة فاشلة بامتياز وأصبحت ساحة منتهكة ومسرحاً لتصفية الحسابات بين الدول الدولية والإقليمية.

وها هو المحور ذاته يكرس السياسة التخريبية ذاتها في العراق، من خلال تعاطيه مع حراك عام2014الذي تسبب في خراب نصف البلاد وتدمير مدن بأكملها كالموصل، بسبب حروب تحريرها من داعش وحراك تشرين2019،إذ يستخدم سياسة الاغتيال بصمت لأن جوهر الحراك هو من المكون الشيعي.

الأمر ذاته يجري في لبنان، وإن كان من التبسيط الحديث عن أن أسباب المشكلات هي سيطرة حزب الله وإيران على مفاصل صنع القرار هناك، فالمشكلة أعمق، إلا أن لهم دوراً كبيراً في المآلات المحزنة التي وصلت إليها البلاد، وهو ما كشفت عنه حوادث الانتحار مؤخراً. فالبلد في حالة انهيار اقتصادي غير مسبوق، وباتت السلع الأساسية في غير متناول اليد لدى قطاعات واسعة من الناس.

إن اغتيال الهاشمي يضعنا في مواجهة محور واحد، محور بغض النظر عن مرجعياته السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية إنما هو واحد ويسعى لإسكات أي صوت يصدح مع نبض الشارع الذي ينادي بالتحول الديمقراطي والاستقلال الحقيقي والتنمية الفعلية، أي النبض الذي يعادي اللاهوت المدنس: الفساد والاستبداد. إن اغتيال الهاشمي لا يقف عند الجماعات الشيعية المسلحة وحسب، بل يمتد إلى أبعد من ذلك بكثير.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي