جمال خاشقجي صحفي عاشق للكتابة ويرى فيها رسالته ومهنته وحياته ولذلك تم تهميشه لأنه لم يقبل بأن يكون جزءا من "شلة" تدين بالولاء لغير وطنه. 

عندما تقابله للمرة الأولى سوف تستغرب ذلك الهدوء الشديدالذي يميز شخصيته، والذي تتصوره نوعاً من البرود وضعف الاهتمام، غير أن هذا الشعور السطحي سيتغير سريعاً بعد أن تبدأ معه حواراً أو أن يحكي لك عن تجربة له أو تجارب صحفية سابقة، ستفاجأ أن هذا الشخص الهادئ وشديد التأني في ردة الفعل يحمل بين جوانحه روحاً مغامرة، دفعته لكي يعمل في شبابه مراسلًا صحفياً في أكثر الأماكن خطورة، مثل تغطيته لحرب المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي، أو تغطيته لحرب تحرير الكويت أو أحداث الجزائر، أو اهتمامه بالسفر إلى عواصم الربيع العربي قبل الانكسار، مثل القاهرة وصنعاء وتونس.

 قابلته للمرة الأولى قبل حوالي عشرين عاماً، كان يعمل مديراً لمكتب صحيفة الحياة اللندنية في جدة، أهداني مجلة يصدرها نخبة من المثقفين الإسلاميين التونسيين الجدد في المهجر الباريسي، قال لي إنها أعجبته في وسطيتها وطرحها رؤية جديدة معتدلة للتيارات الإسلامية أبعد من السياسة ومن التشدد الديني، بعدها انتقل إلى أكثر من موقع داخل الحالة الصحفية السعودية، أهمها كان رئاسته لتحرير الصحيفة الجديدة -وقتها- صحيفة "الوطن" والتي أثارت ضجة كبيرة في السعودية عند صدورها، لأنها طرحت أفكاراً جريئة وتصادمت بعنف مع الحالة الدينية الرسمية والشعبية معا، وهو الأمر الذي جعلها تدفع الثمن أكثر من مرة بعزل رؤساء  تحريرها لتهدئة الخواطر لدى المؤسسة الدينية.

جمال خاشقجي هذا الشخص الهادئ وشديد التأني في ردة الفعل يحمل بين جوانحه روحاً مغامرة، دفعته لكي يعمل في شبابه مراسلًا صحفياً في أكثر الأماكن خطورة

جمال سلطان

ظل جمال خاشقجي يعيش حالة من التصالح مع "الدولة"وحساباتها، كان يعتبر نفسه جزءاً من الدولة ومن النظام العام فيها، وكان موطن ثقة واحترام الأمير تركي الفيصل الذي تولى رئاسة الاستخبارات السعودية في بعض الفترات، وعندما عمل "الفيصل" سفيراً للمملكة في بريطانيا اصطحب معه "خاشقجي"مستشاراً إعلامياً، ولما انتقل إلى واشنطن اصطحبه أيضاً، وعمل جمال معه بالفعل كمستشار إعلامي خلال تلك الفترة، لكنه ظل عاشقاً للكتابة، ويراها رسالته ومهنته وحياته نفسها، وعندما ضاقت عليه الساحة الصحفية نظراً إلى الهيمنة التي مثلها اللوبي الإماراتي على المنابر الصحفية والتليفزيونية العديدة، ونظراً إلى أنه لم يقبل أن يكون جزءاً من "شلة" تدين بالولاء لغير وطنه، تم تهميشه، ولكنه ظل يكتب مقالاً أسبوعياً في صحيفة الحياة اللندنية، بيته القديم، كما خاض تجربة الإعلام التليفزيوني من خلال رئاسته لقناة فضائية جديدة "العرب" أنشأه االأمير الوليد بن طلال، وقد طال التجهيز لها سنوات، ولما انطلقت من البحرين أغلقت في اليوم الأول، بعد أن استضافت معارضاً بحرينياً، وتردد وقتها أن الأمر أبعد من حكاية المعارض البحريني، وأن ضغوطاً من بعض دول الجوار دفعت البحرين إلى إغلاقها، وقد عزز تلك الفرضية أن الوليد بن طلال قرر بعدها أن يطوي صفحة المشروع نهائياً، رغم أن أكثر من دولة كانت مرحبة بانتقال إدارة القناة إليها.

بحاسته السياسية المتمرسة، وخبرته في مؤشرات "المناخ" السياسي في المملكة، استشعر القلق من توجهات سياسية جديدة بعد تولي الأمير محمد بنسلمان ولاية العهد، وشعر بأن خطابه غير مقبول فيها، وخاصة بعد أن فُرض عليه الصمت الصحفي لأشهر طويلة، وحدثني بأسىً شديد أن صحفياً صغيراً كان يتدرب عنده هو الذي أمره بالصمت وهدده بالعقاب إذا لم يمتثل، ووصل الأمر إلى إجباره على التوقف عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

كان لجمال حنين خاص إلى المدينة المنورة، كانت عينه تلمع بشوق وبهجة عندما يذكرها أو يذكّره أحد بها

جمال سلطان

عندما خرج جمال خاشقجي من المملكة في المرة الأخيرة، كاني عرف أنها السفر بلا عودة، ومن ثم بدأ يرتب أوضاعه الحياتية على هذا الأساس، ونظراً إلى حضوره الإعلامي الكبير، وموهبته في محاكاة العقل الغربي، وامتلاكه مهارات الخطاب السياسي الهادئ والرصين، فرض نفسه على الكثير من شاشات التليفزيون العالمية، كما استكتبته صحيفة "الواشنطن بوست" في مقال شهري، وهو أمر من النادر أن يحظى به كاتب عربي في صحيفة أميركية بذلك الحجم.

ظللت على تواصل معه طوال الأعوام الأخيرة، عبر الهاتف أوعبر منصات التواصل الاجتماعي، أغلبها فيما يتعلق بالشأن الصحفي وتطورات الربيع العربي، وعندما عرف أني في إسطنبول أخبرني أنه سيزورني في أول قدوم له، وبالفعل، قبل حوالي أربعة أسابيع، أصر على دعوتي إلى الغداء قبل أن ننتقل إلى بهو الفندق الذي كان ينزل فيه ، كان -كعادته- هادئاً ومتفائلاً، وحدثني كثيراً عن مشروع قطار الحرمين الشريفين، كان سعيداً به للغاية، وقال إن هذا المشروع يعني أنه يمكنه أن يسافر ليصلي الجمعة في الحرم النبوي ويعود في اليوم نفسه إلى جدة، كان له حنين خاص إلى المدينة المنورة، كانت عينه تلمع بشوق وبهجة عندما يذكرها أو يذكّره أحد بها، وقال إن هذا المشروع الممتد عبر أكثر من أربعمائة كيلومتر يمكن أن تقام على جانبيه استثمارات ضخمة وناجحة، وأنها أفضل كثيراً من إنفاق مئات المليارات في مشروع مدينة"نيوم" التي لم يكن مقتنعاً بها أبداً.

بحاسته السياسية المتمرسة، وخبرته في مؤشرات "المناخ" السياسي في المملكة، استشعر جمال القلق من توجهات سياسية جديدة بعد تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، وشعر بأن خطابه غير مقبول فيها

جمال سلطان

في ذلك اليوم انحرف حديثه معي فجأة إلى الكلام عن الاحتياطات التي يتخذها لتحاشي خطر الاختطاف من أي جهة، كان يتحدث وهو يبتسم، وقال إنه لا يقبل دعوة من أي شخص للاجتماع به في جناحه الفندقي، إنها حقنة صغيرة وينتهي كل شيء، قالها وهو يضحك، فقط أقابله في بهو الفندق، كما أنه لا يقبل دعوة إلى السفر أو التنقل عبر طائرة خاصة، وإنما شركات الطيران العامة بخطوط طيرانها المحددة سلفاً، لم أكن أعرف وقتها لماذا يشغله هذا الموضوع وتلك الاحتياطات، لكنه اشتكى لي كثيراً من المضايقات التي تتعرض لها أسرته، وكان مدركاً أنه مغضوب عليهمن دوائر نافذة في المملكة، وخاصة بعد حضوره الإعلامي العالمي الكبير وتأثير خطابه الواضح على الرأي العام، وتحدث بإشفاق كبير وتألم على من هم بالسجون، كان متأثراً جداً بهم، وخاصة صديقه الخبير الاقتصادي "عصام الزامل"، كما كان قريباً من الإحباط في كلامه عندما قال أنه رصد -مع الأسف- أن كثيراً من العواصم الغربية نفضت يدها من ملف حقوق الإنسان في العالم الثالث حالياً، بسبب المخاطر التي سببها تنظيم داعش الإرهابي وموجات الهجرة، حيث أصبحت الأولوية لهذين الملفين وتراجع كثيراً الاهتمام بملف حقوق الإنسان.

اتصل بي قبل حوالي أسبوع، كان قد علم أن قرارات صدرت بمصادرة صحيفة "المصريون" التي أرأسُ تحريرها في القاهرة، واساني في المحنة، وقال لي إنه وصل إلى إسطنبول من جديد، وأنه سينهي بعض الأوراق المهمة ثم نلتقي، لكننا لم نلتقِ، وإن كنت سأظل متمسكاً بوعده، وبالأمل في أن أراه سليماً معافى حراً عما قريب.

  

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأيكتّابها ولا تعبربالضرورة عن TRT عربي
المصدر: TRT عربي