يسيء الكثير فهم أهداف تركيا من عملياتها العسكرية الجارية في منطقة شمال شرق سوريا ويظنون أنها نوع من الاحتلال، بينما تهدف تركيا إلى محاربة الإهارب وإعادة الحكم إلى سكان المنطقة الأصليين.

منذ إعلان البيت الأبيض انسحابه من منطقة الخطر المباشرة، المُخطَّط تنفيذ العملية العسكرية التركية داخلها، ناقشت وسائل الإعلام التأثيرات المُحتملة لتلك الخطوة على نطاقٍ واسع. وأساءت غالبية تلك النقاشات فهم نطاق وطبيعة وأهداف تلك العملية المُخطَّطة من قبل تركيا، بما في ذلك "جامعة الدول العربية" التي انتقدت العملية.

وتهدف العملية العسكرية السورية-التركية المُشتركة المُقبلة ضد جماعة "وحدات حماية الشعب" الإرهابية الانفصالية إلى إعادة السكان الطبيعيين إلى مناطقهم وتسليم الحكم للشعب نفسه. في حين تتجاهل غالبية الدول الفارق بين العرب والأكراد المُعارضين لحُكم "وحدات حماية الشعب" الإرهابية شمال شرقي سوريا، وتتجاهل حُكم جماعةٍ إرهابية ماركسية على مناطق عربية؛ لكن تركيا والمعارضة السورية ستُعالج هذه المسألة وستُنهي احتلال أراضي السكان المحليين.

وفي حال استمع المُجتمع الدولي وسُكَّان الشرق الأوسط فسيتمكَّنون من سماع الأصوات الكثيرة التي تُعرِب عن إحباطها من حُكم "وحدات حماية الشعب" القائم في شمال شرق سوريا. إذ قال أحمد حسن، أحد اللاجئين السوريين في تركيا من مدينة تل أبيض: "لقد سئمنا الاحتلال. ونرغب في التخلُّص من القوات المُحتلة القادمة من جبل قنديل".

وعلى الأرجح ستكون المناطق ذات السكان العرب أول مناطق تنفيذ العملية العسكرية السورية-التركية المُشتركة، ومنها منبج وتل أبيض ورأس العين. ويعود أصل الكثير من مُقاتلي "الجيش الوطني السوري" إلى تلك المناطق. إذ أعرب محمد حسين، المُقاتل في الكتيبة 20 في "الجيش الوطني السوري"، عن رغبته في الانضمام إلى العملية العسكرية عن طريق التشديد على أنَّه وأصدقاءه المُقرَّبين انتظروا هذه اللحظة منذ سنوات لتحرير مُدنهم الأم من احتلال "وحدات حماية الشعب" الإرهابية، وأضاف: "ما زال أجدادي يعيشون في منبج. ولم أرهم منذ سنوات، وأنا مُتشوق لرؤيتهم".

وقصص الأشخاص المُتطلِّعين إلى العملية التركية-السورية المُشتركة ضد الجماعة الإرهابية لا حصر لها. لكن أهداف تركيا وحكومة سوريا الانتقالية لا تقتصر فقط على تمكِّين السوريين من العودة إلى منازلهم ووطنهم الأم عن طريق إنهاء احتلال "وحدات حماية الشعب" الإرهابية؛ بل تمتد أيضاً إلى تغيير المناخ السياسي من حكم الحزب الواحد، ليصير أشبه بمنظومة حوكمة محلية يستطيع السُكَّان المحليون انتخاب مُمثليهم من خلالها واختيار مُستقبلهم بأنفسهم.

وحالياً، لا يتشارك حكم "وحدات حماية الشعب" في شمال شرق سوريا السلطة السياسية مع أيّ أحد. وقدامى "حزب العمال الكردستاني" الإرهابي، الذين يُعَدُّ غالبيتهم من المُواطنين الأتراك أو الذين عاشوا لسنوات في جبل قنديل، هم المسؤولون عن كل عمليات صُنع القرار.

ويندمج السُكَّان المحلِّيون والقبائل العربية من المنطقة في العملية بوصفهم مُوزِّعين للمعونات الإنسانية أو مُنفِّذين لقرارات كوادر "حزب العمال الكردستاني" الرئيسية. واختصرت فاطمة بيرقدار، إحدى سكان منبج، الأمر في جملتين: "الوجوه التي نراها هي وجوهٌ عربية، لكن الأكراد هُم من يتحكَّمون بها من وراء الكواليس"، مُشيرةً إلى أنَّ أولئك الأكراد ليسوا سوريين ولا يستطيعون الحديث بالعربية، بل هُم أتراك.

ولا تُوجد مساحةٌ للمعارضة أو المطالب الشعبية داخل أيديولوجية "حزب العمال الكردستاني" أو فرعه السوري، "وحدات حماية الشعب". وأيديولوجية "الكونفدرالية الديمقراطية" التي فسَّرها عبدالله أوجلان، الزعيم المُؤسِّس لـ"حزب العمال الكردستاني"، هي عبارةٌ عن مجموعةٍ من الأفكار الماركسية اليسارية المُتشدِّدة.

وتتمحور أيديولوجية "وحدات حماية الشعب" بمنظور الأبيض والأسود بما يتوافق مع النظرة العامة لليسار المُتشدِّد، لدرجة أنَّ الأحزاب السياسية الكردية محظور عنها مُمارسة العمل السياسي داخل مناطق "وحدات حماية الشعب"، في حال انتقدوا حُكمهم. وبهذه الطريقة تجدُر الإشارة إلى أنَّ "وحدات حماية الشعب" الإرهابية طردت قناة كردستان 24 التلفزيونية، بعد أن انتقد أحد الضيوف واحداً من قُدامى "حزب العمال الكردستاني" وقيادياً بارزاً في مناظرةٍ تلفزيونية على الهواء مُباشرةً.

وحتى يومنا هذا، سهَّل النهج الأمريكي إحداث تغيير من الأيديولوجية العقائدية والمُقززة، والتحوُّل إلى أيديولوجية "حزب العمال الكردستاني". وحلَّت أعلام عبدالله أوجلان محل أعلام داعش، وصارت صوره منتشرة في كل مكانٍ بشمال شرق سوريا.

والآن، يتعاون السوريون والأتراك يداً بيد لإنهاء هذا الاحتلال. وأعربت غالبية قبائل سوريا عن دعمها للعملية المُنتظرة. ورغم تجاهل الجمهور الدولي لمطالب السوريين، لكن من الأفضل الاستماع إليهم من أجل سلامة وأمن وسلام المنطقة. وفي حال تنظيف المنطقة من "وحدات حماية الشعب"، بمساعدة تركيا، فإنَّ الحكومة السورية الانتقالية ستعمل على إقامة مناخٍ من السلام والحوكمة المحلية للشعب السوري.

جرى تغيير الأسماء لدواعٍ أمنية.

المصدر: TRT عربي